بوصفه كائنا اجتماعيا، كما عرّفه الفيلسوف اليوناني أرسطو، فإن الإنسان يميل دائماً وبشكل غريزي لبناء وتكوين علاقات مع أقرانه، ويعد التواصل إحدى أهم دعائم تلك العلاقات، وتتعدد طرق التواصل مع توالي الحقب والأزمان، فمع توسّع المجتمعات، بات الإنسان في حاجة أن يراسل غيره بنطاق أكبر من المشافهة. وتطورت طرق التواصل، إلى أن وصلت للتواصل عبر برامج وتطبيقات الإنترنت، ورغم مميزات السرعة والسهولة، فإنه لا يزال هناك مذاق مختلف مهما مر الزمن للرسائل المكتوبة بخط اليد، وعبّر عن ذلك الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، بقوله: "الكلمة المكتوبة على الورق باقية، والكلمة المسموعة على الإذاعة والتلفزيون عابرة، والكلمة المكهربة على الكمبيوتر فوّارة، وهي مثل كل فوران متلاشية". ومن منطلق تعبير الأستاذ هيكل، فإننا سنقوم بدور "البوسطجي" وننقل عبر حلقات مسلسلة مجموعة من الرسائل الخطية، والتي كتبت على يد سياسيين بارزين ومفكرين أعلام ومواطنين عاديين، والذين رغم الاختلاف والتباين الظاهري، إلا أنهم اشتركوا جميعاً في التعبير عن واقع وروح الفترة الزمنية التي عايشوها. وإلى الحلقة الثانية... نواصل مهمة "البوسطجي" في نقل خطابات جديدة، وخطاب اليوم يعود لفترة الخمسينيات، ومرسلا من أم لإبنها، والذي كتبته في جو قلق وقلب مضطرب، ما تماشى مع الأخبار المحزنة التي نقلتها إليه، ويظهر من خلال قراءاته الإشارة لبعض الأحداث السياسية في التشبيهات، ما يعكس تأثيرها على الحياة اليومية للمصريين في وقتها. وننقل نص الخطاب والذي نشر في كتاب" بعلم الوصول" للكاتب أحمد خير الدين، والذي صدر عن " دار الشروق" في عام 2019. إلى السيد الفاصل وابني الحبيب شريف .. إليك أبعث بسلامي وحبي وشوفي الزائد الذي لا يقدر مع تمنياتي ودعواتي الصالحة لك بأن تكون في أعلى المناصب متمتعاًبصحة جيدة وسعادة ونعيم. وبعد لقد وصل خطابك الحبيب إلى نفوسنا بالأمس، وإني لأشكرك من صميم قلبي وكذا أشكر أبلة اعتدال والأنجال الأعزاء على سؤالكم عني وتمنياتكم الطيبة لي، جعلكم الله نعم الأخوات المخلصين ودام بيننا هذه المحبة مدى الحياة إنه سميع مجيب الدعاء. فرجائي أن تشكرهم نيابة عني على شعورهم الشريف كما أن أولادي بخير ويهدوكم السلام خصوصا رأفت وهو طبعا بالمدرسة وكويس جدا جدا ودائما الأول في كل شهر والمدرسين تشكر فيه. ولعله يستمر كده دائما أما أمير ومجدي فهم في ذكراكم ولم ينسوكم أبدا. أما أنا فما زلت تبع أوامر الدكاترة وماشية على العلاج. هذه كل أخبارنا. وتكمل الأم خطابها واصفة أحد المشاجرات بالعدوان الثلاثي، وقالت:"فيه خبر ثاني أقوله و بلاش، أحسن بعدين تخاف، طبعا قرأت عنه في الجرائد وهو أن بلدنا أول أمس كانت عبارة عن يوم العدوان الثلاثي على بورسعيد ..تصور هريدي وحاشيته وخدمه وبيومي و حسن العمدة علشان يستولوا على زراعة الجزيرة ،ويطردوا الناس من زراعتها قاموا بالهجوم على الشيخ عتان وأخذ الرصاص والأعيرة النارية تحوط البلد من كل جانب من الساعة 7 صباحا حتى الساعة 12 ظهرا". وتضيف ،البلد كلها صراح وصوات، والرصاص يتحدف من كل ناحية لدرجة أن العيال ولادي كانوا مستخبين تحت السرير، وأنا زي المجنونة ولا فيه بوليس نجدة ينقذ هذه وقد أصيب فيها ثلاثة ولكنهم على قيد الحياة، حالتهم تعبانة قوي في المستشفى ، وقبضوا على المتهمين. وتشير تفاصيل الخطاب لمرحلة تاريخية وهي فترة الإقطاع،حيث ختمت الأم سطور خطابها، قائلة:" ربنا يسلم ويهدي الناس لبعضها ويهدي العمد الإقطاعيين.كفاية كده؛لأني لو شرحت لك ما حصل سوف تتعب من القراءة..ربنا يا سيدي يحقق كل أمانيك وينولك كل اللي في بالك إنه سميع مجيب الدعاء. كل من عندنا يهديكم السلام وكل البلد تسأل عنك. وغدا ينقل لكم "البوسطجي" خطابا جديدا.