بوصفه كائن اجتماعي، كما عّرفه الفيلسوف اليوناني أرسطو، فإن الإنسان يميل دائماً وبشكل غريزي لبناء وتكوين علاقات مع أقرانه، ويعد التواصل أحد أهم دعائم تلك العلاقات، وتتعدد طرق التواصل مع توالي الحقب والأزمان، فمع توسّع المجتمعات، بات الإنسان في حاجة أن يراسل غيره بنطاق أكبر من المشافهة. وتطورت طرق التواصل، إلى أن وصلت للتواصل عبر برامج وتطبيقات الإنترنت، ورغم مميزات السرعة والسهولة، فإنه لا يزال هناك مذاق مختلف مهما مر الزمن للرسائل المكتوبة بخط اليد، وعبّر عن ذلك الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، بقوله: "الكلمة المكتوبة على الورق باقية، والكلمة المسموعة على الإذاعة والتلفزيون عابرة، والكلمة المكهربة على الكمبيوتر فوّارة، وهي مثل كل فوران متلاشية". ومن منطلق تعبير الأستاذ هيكل، فإننا سنقوم بدور "البوسطجي" وننقل عبر حلقات مسلسلة مجموعة من الرسائل الخطية، والتي كتبت على يد سياسيين بارزين ومفكرين إعلام ومواطنين عاديين، والذين رغم الاختلاف والتباين الظاهري، إلا أنهم اشتركوا جميعاً في التعبير عن واقع وروح الفترة الزمنية التي عايشوها. وإلى الحلقة الأولى.. يعتبر الدكتور جلال أمين وشقيقه حسين (أبناء الكاتب الكبير أحمد أمين) من أبرز المفكرين بكتابتهما المتعددة في مجالات الفكر والسياسة والاقتصاد، والتي كان يرجع لنشأتهما في بيت الكاتب الكبير أحمد أمين، إضافة إلى سفرهم المبكر لأوروبا لإكمال دراستهما، وحرص كلاهما أن تكون فترات الإقامة في أوروبا لا تتوقف على نيل الشهادة، بقدر ما كانت للتلاحم مع ثقافة وحضارة مختلفة. وسبق حسين، جلال إلى لندن، ليعايش تجربة مميزة من خلال عمله بهيئة الإذاعة البريطانية BBC، ورغم بعد المسافات فإن جلال وأسرته، حرصا على متابعة حسين ومراسلته، للاطمئنان من ناحية، وشغفا في معرفة كواليس التجربة من ناحية أخرى، وعبرت عن ذلك بعض الخطاب، والتي نشرت في كتاب "أخي العزيز: مراسلات حسين وجلال أمين"، والتي جمعها كمال صلاح أمين (ابن شقيقهما) وصدرت عن دار "الكرمة". * وجاء الخطاب الأول من جلال كالتالي: (الأربعاء 8 ديسمبر 1954) عزيزي حسين.. تحياتي إليك وأرجو أن تكون سعيدا في حياتك الجديدة، سمعنا صوتك كثيرا جدا ولا شك أنك هايل جدا في إلقائك، أحسن من بعض المذيعين القدامى ولا يستطيع أحد أن يقول إن هذا المذيع جديد أو بيتمرن. ولاحظنا أنك تقلد مذيعي لندن في بعض الأشياء: في مطِّ الكلمات وتعطيش الجيم.. أحوالنا على ما يرام وسمعناك أمس تقرأ نشرة الأخبار بحماس وأحمد (شقيقهما) التحق بكلية التجارة (!) ولا ندري ما هو السبب، على العموم في اليوم التالي كلمته بنت في التليفون تطلب كشكولها! ماما صحتها جيدة .. ويكمل جلال الخطاب على لسان الأم، والتي قالت: "خلي بالك من نفسك ومن البرد، وأنا بدعي ليل ونهار لك وينجحك يا حسين لأنك راجل عظيم أحوالنا بخير ولا ينقصنا إلا وجودك معنا لا تخف على أوضتك ولا شمعدانك لما ترجع بالسلامة وسلامي إلى الدكتور (زوج شقيقته) وفاطمة (شقيقته) ونوسة هانم ومنى". * وجاء رد حسين في 17 ديسمبر 1954 عزيزي جلال.. شكرا لخطابك وشكرا لوالدتي على خطابها ثم تهاني لحافظ بخطوبته والواقع أنه لا أحد يحتاج للزواج الآن قدر احتياجي أنا إليه، بعد انتقالي من منزل فاطمة إلى مسكن أعيش فيه كالراهب لا أرى أحدا ولا يراني أحد حتى ولا حتى صاحبة المنزل. وأنا أعد إفطاري وأحيانا عشائي بنفسي وأستغرق فيهما وفي غسيل الأطباق والشرابات وتسوية السرير كل وقت الفراغ وأقول في بعض الأحيان في نفسي يا سلام لو كان هناك شخص يحضر لي الفطار بينما أنا أكون قد حلقت ذقني.. وعرض حسين جدول عمله بعد إجازة أعياد رأس السنة، والذي كان من بينه: الجمعة 24 ديسمبر: نشرة الأخبار فأقرأ الموجز الساعة 5 ثم أقرأ النشرة الساعة 6 ثم الموجز الساعة 6:55 ثم النشرة الساعة 8:15 الاثنين 27: أقرأ رسائل إلى العالم العربي الساعة 5:05 مساء . ولم يخل خطاب حسين من المواقف الطريفة، فيقول "والجميل فعلًا إن الإذاعة تعطي لكل مذيع بها راديو مجانا في بيته وقد أعطوني اليوم راديو جميل جدا وركبوه في حجرتي وركبوا الإيريال على حسابهم. بينما كنت فعلا على وشك شراء راديو". وغدا ينقل لكم "البوسطجي" خطابا جديدا..