عزت القمحاوى عبر إحدي القنوات الفضائية جاء صوت مواطنة من النوع الموصوف ب "الشرفاء" علي لسان السلطة في كل عصر وحين. كانت المواطنة الشريفة عضو جماعة "صوت الأغلبية الصامتة" تتحدث عن الكردون الذي أقامته الجماعة لحماية مقر وزارة الدفاع من المحتجين الذين ينفذون مخطط تفكيك الدولة.
اسم الجماعة مضحك بحد ذاته؛ لأن الأغلبية "الصامتة" يسقط عنها الاسم في اللحظة التي تكلمت فيها؛ فما البال إذا كانت ترفع اليد؟! بعيدًا عن هذا، وبعيدًا عن مسيرات الرفض والتأييد، فإن الشرف كمفهوم معنوي ليس شيئًا ثابتًا يتفق عليه الجميع في كل مكان وزمان. في كثير من البلاد يعد الحديث عن العذرية شيئًا مضحكًا وعجائبيًا، وفي المقابل فإن الفتاة التي تقبل مغازلة شخصين هي فتاة غير شريفة، ومثلها الشخص الذي يصلي ويرتشي أو يزوغ من تذكرة المترو أو يقتطع من وقت العمل ليؤدي مصلحة شخصية، حتي لو كانت العبادة، لأن العبادة مصلحة شخصية يتوخي العبد من ورائها الحصول علي ثواب من الله في وقت مدفوع من الدولة.
إذن ما هو شريف هنا ليس شريفًا هناك وبالعكس. وفي السياسة فإن ما هو شريف بالنسبة لشخص هو علي العكس تمامًا بالنسبة لآخر. والسياسي الذي لا يدرك هذه الحقيقة ويتحدث عن "الشرف" هو في الحقيقة شخص ميت، وكونه يتكلم ليس دليلاً علي أنه حي.
يتحدث السياسيون الميتون والمصممون علي الموت عن "الشرف" و"الخيانة" و"المخططات" أما الأحياء الذين يريدون الحياة حقًا فيتحدثون عن أهداف وقرارات ونتائج.
ماذا كان الهدف؟ ما القرارات التي اتخذها المسئول لتحقيق الهدف؟ وما نسبة نجاحه في تحقيق الهدف؟ وبناء علي أجوبة هذه الأسئلة يكون السياسي قد نجح أو فشل، ولن تستفيد البلاد شيئًا إذا وصفه البعض بالشريف عندما ينجح أو بالخسيس عندما يفشل. وكل من يدفع الحوار السياسي نحو المعايير الأخلاقية لابد أن نعرف أنه يغش في اللعب، ولا يريد أن يرد علي العقل بعقل، ولا علي المنطق بمنطق. كانت هناك أهداف لثورة 25 يناير تبناها المجلس العسكري في بياناته الأولي، وهذه الأهداف يري كل هؤلاء الغاضبين أنها لم تتحقق. والواقع علي الأرض يسندهم. لا محاكمة مبارك أنجزت ولا الأموال المنهوبة عادت ولا بنية جهاز الدولة الظالمة تغيرت. لا يستطيع المواطنون "الشرفاء" الذين يتجمعون في ميدان العباسية أن يقولوا إن هناك شيئًا تحقق. أقصي ما يمكن قوله دفاعًا عن الأداء الرسمي في هذا العام المحروق هو أن الخبرة بالحياة المدنية صعبة وأن إدارة الدولة سقطت علي رأس المجلس علي حين فجأة. وهي حجج ضعيفة تجعل التدافع علي باب الشرف في صالح الثوار. وتجعل من واجبنا تحليل سلوك المواطنين الشرفاء الذين شكلوا كردون الدفاع عن وزارة الدفاع؛ بوصفه قرارًا تم اتخاذه لتحقيق أهداف وترتبت عليه نتائج. طبقًا لأقوال السيدة الشريفة في المكالمة المتلفزة فإن الهدف كان منع القلة من إحراق مصر، وأما النتائج طبقًا لأقوالها فهي النجاح في الدفاع عن مقر الوزارة. لكن ما تحقق في الواقع لم يكن هذا بالضبط؛ فقد نشبت مشادات متفرقة تنذر لو توسعت باضطرابات شعبية (حتي لا نقول حربًا أهلية) وأما النتيجة الثانية فهي مفارقة تدعو للتأمل: كيف تكون وزارة الدفاع القوية بحاجة إلي دفاع الأغلبية الصامتة، أي إلي دفاع الضعفاء! وأما السؤال عمن اتخذ القرار؛ فإن السير وراء اللغة القديمة الميتة؛ لغة الشرف وقلته، الأمانة والخيانة ..الخ تقول إن الذي اتخذ القرار هو جهة عليا، خصوصًا أن هناك تحفيزا رسميا كي يتقدم الشعب للدفاع عن البلاد. لكن لغة السياسة العملية تلزمنا بأن نصدق أن الأغلبية الصامتة تحركت من تلقاء ذاتها.
وقد قالت المواطنة الشريفة في مكالمتها ما نعرفه كلنا، وهو أن هذه العصبة ذات القوة تتجمع دائمًا من الأحياء الأكثر فقرًا بالقاهرة: الأميرية، الشرابية، وعابدين. لماذا لا يوجد رجل شريف واحد في الأحياء المستريحة نسبيًا؟ هل معني ذلك أن الشرف حكر علي الفقراء، وأن الإنسان يفقد شرفه بمجرد الحصول علي بعض الراحة المادية؟ إذا كان الأمر كذلك؛ فكيف يدافع الشرفاء عن أغني الأغنياء في منتجعات طرة والمركز الطبي؟! الأمر هزل في هزل، والديمقراطية تجربة إنسانية عامة لن نعيد اختراعها. ولكي نفهم ما يجري هنا، علينا أن نتأمل ما يجري هناك.
من محاسن الصدف أن الاضطرابات تعم العالم. ولم نر في فرنسا مواطنين شرفاء يخرجون للتصدي للمحتجين علي ساركوزي أو مواطنين شرفاء يبلطجون علي المحتجين الأمريكيين الذين احتلوا وول ستريت، قلب الاقتصاد الأمريكي، لأن المواطنين الشرفاء يعرفون أن الحكومة، مهمتها أن تفعل الصح، ولذلك لا يخرجون إلا من أجل الاحتجاج عندما يرون الخطأ، وأما من يؤيد النظام القائم فإن جلوسه في بيته وحده كفيل بأن يكشف إن كان المحتجون أقلية أم أغلبية. وهكذا تحيا الديمقراطية الغربية دون الحاجة إلي رجل شريف واحد.