كوم الحساب وأسئلة مشروعة    المركزي الأوروبي يؤكد استعداده لتعزيز برنامج الطوارئ للحد من آثار "كورونا"    إسبانيا: لا وفيات بفيروس كورونا خلال ال24 ساعة الماضية    المتحدثة باسم البيت الأبيض: لا يمكن السماح باستمرار العنف والتخريب    أحمد المسمارى : القوات الجوية الليبية تقصف مناطق غريان جنوب غرب طرابلس    السودان يمدد حظر التجول أسبوعين ويمنع الحركة بين الولايات    ارتياح في الاتحاد السكندري بعد تجديد الثقة في طلعت يوسف    محافظ الدقهلية: ضبط 3 أطنان و700 كيلو جبن رومي وسكر غير صالحين للاستهلاك    غدًا.. الحكم على 9 متهمين بالتورط في حرق كنيسة كفر حكيم    السيطرة على حريق سيارة نقل مواد بترولية بطريق السويس    وزيرة الثقافة تجتمع برؤساء القطاعات لمناقشة استئناف النشاط    محافظ الإسماعيلية: خط ساخن للرد على استفسارات المواطنين حول كورونا    "خزان مياه و7 أسرة عناية".. حميات الأقصر تواصل تجهيزاتها لمكافحة كورونا    اورنج تطلق أكبر وأول تحدي رقمي لدعم الشركات الناشئة    قناة السويس تسجل عبور 1601 سفينة خلال شهر مايو    مساء الفن.. "عمر ودياب" يتصدر استفتاء "البوابة نيوز" لأفضل مسلسل كوميدي رمضاني.. دياب يوجه تحذيرا شديدا للمتنمرين ويهددهم ب"البلوك.. محمد رمضان: أختي نصف قلب أمي    إنطلاق حملات النظافة ورفع التراكمات بالمنطقة المركزية بالدقهلية    أول رسالة دعم من مسئول بالأهلي لمحمد سراج    نادي قضاة مجلس الدولة يخاطب وزير العدل لتوفير مستشفيات للقضاة المصابين بكورونا: نسعى ألا يحرموا من حق لهم    الأهلي يعاقب حسام عاشور بسبب تركي آل الشيخ    مستقبل وطن بالبحر الاحمر يوزع 500 كرتونة علي الاسر المتضررة بمدينة القصير    أسعار الذهب اليوم الاثنين 1-6-2020.. سعر جرام الذهب عيار 21 يستقر عند 760 جنيها    نائب وزير الاتصالات لمصراوي: الإقبال على دفع مخالفات المرور وتجديد التراخيص إليكترونيا زاد 30 مرة بعد كورونا    رسميا.. مانشستر يونايتد يمدد إعارة إيجالو    تقارير: ريال مدريد يخوض باقي مباريات "الليجا" على ملعب تدريب    ليفربول يعلن.. تأجيل ظهوره بقميص نايكي حتى الموسم الجديد    "برشلونة عرض 65 مليون يورو بالإضافة إلى لاعبين اثنين مقابل نجم بريشيا"    مشاهد من قداس عيد دخول العائلة المقدسة مصر برئاسة البابا تواضروس (صور)    "تضامن النواب": البرلمان أقر 70 مشروع قانون و10 اتفاقيات دولية مؤخرًا    بالصور.. انتظام صرف معاشات يونيو في مكاتب البريد والمدارس بالإسكندرية    الأرصاد: اليوم ارتفاع بدرجات الحرارة بكافة الأنحاء والعظمى بالقاهرة 34 درجة    جامعة الأزهر تحذر الطلاب من الاعتماد على الاقتباس في الأبحاث المقدمة    فيديو جرافيك.. 11 خطوة قبل التقديم للمدارس    الأحوال المدنية والجوازات والمرور تستقبل المواطنين وسط إجراءات وقائية مكثفة    ضبط 37 متهما في حملات أمنية بالجيزة    تعليم كفر الشيخ: التقديم لرياض الأطفال عن طريق الفيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي    بريطانيا تخفف قيود الإغلاق وسط جدل بشأن المدارس    نجل "البزاوي": "أنا خدت تنمر على اسمي لحد ما بقى عندي مناعة    الفنانة أمينة بعد إزالتها "ورم" من الحالب: أنا بصحة جيدة    أحمد الشامي يوجه نصيحة لجمهوره: "أنا مناخيري اتعوجت"    بالصورة.. شيماء سيف تحتفل بعيد ميلاد هشام جمال وهذه رسالتها له    بريطانيا تسجل أدنى حصيلة وفيات يومية بفيروس كورونا منذ بدء الإغلاق    لجنة الفتوى ب"البحوث الإسلامية" توضح تفاصيل وضوء الأطقم الطبية في مستشفيات العزل    بر الوالدين .. جزاؤه وكيفية برهما بعد الموت    الدعاء المأثور لقضاء الحاجة    الالتزام بالكمامة والمصلى الشخصي.. الأوقاف تعلن ضوابط العودة للمساجد    البرلمان العربى: تنظيم السعودية مؤتمر المانحين لليمن امتداد لإسهاماتها لدعم الشعب اليمنى    وصول خامس ناقلة وقود إيرانية إلى فنزويلا    سواعد مصرية.. "مصراوي" داخل مصنع إنتاج الإطارات في بورسعيد (صور)    صور.. سلبية أول تحليل لطبيب القنطرة غرب فى الحجر الصحى بالإسماعيلية    تفاصيل عرض شمال سيناء لجهودها فى مواجهة كورونا خلال مجلس المحافظين    ريال مدريد يصدم "ميسى" بهذا القرار    فنزويلا ترفع أسعار الوقود اليوم    مبادرة تكريم الشهداء    "قومي المرأة" يدين واقعة التعدي على طفل من ذوي الإعاقة ويثمن دور النيابة العامة للاستجابة    البابا تواضروس يترأس قداس عيد دخول السيد المسيح مصر بكنيسة العذراء بالمعادى    حظك اليوم| توقعات الأبراج 1 يونيو 2020    الأزهر يجيز التباعد بين المصلين في الجماعة خشية كورونا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





استراتيجية محمد علي لتصنيع مصر
نشر في الأهرام اليومي يوم 21 - 12 - 2010

توافق مع فلسفة رجل مغامر استولي علي السلطة‏,‏ وكان عليه أن يسيطر علي البلاد لكي يبقي في السلطة‏,‏ أن يأخذ بمذهب الميركانتيلية‏,‏ كما تقول وتبرهن عفاف مارسو في بحثها الرصين مصر في عهد محمد علي‏, الذي نقله الي اللغة العربية الأستاذ عبد السميع عمر زين الدين‏,‏ ونشره المجلس الأعلي للثقافة في عام‏.2004‏ أن محمد علي قد تبني مذهب الميركانتيلية‏.‏ وقد آمن أتباع مذهب الميركانتيلية بوجوب تحقيق فائض تجاري‏,‏ لأن الدول تصبح غنية إذا كانت تصدر أكثر مما تستورده‏,‏ وإذا أصبحت مكتفية ذاتيا‏,‏ ودعوا الي سيطرة الدولة علي مصادر ثروتها‏.‏
ولكن بقي التصنيع ناقصا في إنقلاب محمد علي الاقتصادي‏,‏ ووفق إيمانه بمذهب الميركانتيلية‏,‏ وهو نقص سعي مسرعا إلي علاجه‏.‏ وفي سياق استراتيجيته للتصنيع‏,‏ أنشأ محمد علي مجموعة متكاملة من الصناعات الجديدة المرتبطة بالجيش والأسطول‏,‏ شكلت مجمعا صناعيا حربيا‏,‏ ضم ترسانات وأحواضا لبناء السفن‏,‏ ومصانع للأسلحة والذخيرة والمهمات ومستشفيات ومدارس‏..‏إلخ‏.‏ وقبيل عام‏1481,‏ كان لدي مصر جيش يزيد تعداده علي مائة ألف رجل‏.‏ وتشير أرقام أخري‏,‏ مثل تلك التي أوردها في اتقويم النيلب أمين سامي‏,‏ إلي ضعف هذا العدد‏.‏ وقد استهلك هذا الجيش الكبير إنتاج المصانع الجديدة في مجالات الأقمشة لإعداد الملابس الرسمية‏,‏ والجلد لصنع الأحذية والسروج والمهمات‏,‏ والأسلحة والبارود‏,‏ والمدافع والسفن‏,‏ وكل منتجات الترسانات وأحواض بناء السفن بالنسبة للوازمها من الأشرعة والحبال وألواح النحاس والمهمات المعدنية‏...‏ الخ‏.‏
ونظرا لنشأته في إحدي الموانئ واشتغاله بالتجارة عشر سنوات‏,‏ كان محمد علي عارفا بالحاجة إلي نقل البضائع بالبحر وتسليح السفن واستباق السفن الأخري إلي الموانئ‏,‏ وكان يأمل أن يجعل منه أقوي أسطول في شرق البحر المتوسط‏,‏ وأن ينتزع نصيب الأسد من التجارة‏.‏ ومنذ بداية عهده كان بحاجة إلي سفن لنقل الجنود إلي الوجه القبلي لمحاربة المماليك‏,‏ وسفن لنقل الحبوب إلي موانئ المتوسط من المناطق الداخلية‏.‏ ودفعه الغزو البريطاني لمصر في عام‏1807‏ وحرب بالوكالة عن الخلافة العثمانبة في الحجاز إلي تطوير سلاح بحري وتوسيع أسطوله الحربي‏.‏ كما دفعته التجارة الخارجية المتنامية الي التوسع في البحرية التجارية‏,‏ متبعا السياسة الميركانتيلية التي دعت لأن يكون الشحن علي سفن محلية‏.‏
وكانت أوروبا‏,‏ عشية ولاية محمد علي‏,‏ تمر بثورة تكنولوجية بلغت ذروتها بالثورة الصناعية‏,‏ وتحسنت تقنيات الإنتاج خاصة في مجال إنتاج النسيج‏.‏ وفي ذلك الحين كان إنتاج الصناع الحرفيين المحليين قد تخلف كثيرا في سباقه للحصول علي أسواق له مع ظهور التكنولوجيا الغربية الجديدة‏,‏ خاصة في مجال المنسوجات‏.‏ وفي البداية كانت صادرات الحبوب المصرية تكفل أرصدة وفيرة تكفي لدفع قيمة أي واردات‏,‏ وعندما تضاءلت مبيعات الحبوب صار من الضروري إيجاد سلع تجارية جديدة‏.‏ وكان التجار البريطانيون‏,‏ الذين يشترون الحبوب من مصر‏,‏ قد قاموا بمضاعفة صادراتهم إليها ليدفعوا ثمن الحبوب‏,‏ فأغرقوا البلد بالمنسوجات القطنية الرخيصة المعروفة باسم الموسلين الهندي‏.‏ وتسبب تدفق هذه الأقمشة في انهيار الصناعات اليدوية المصرية‏,‏ وهو ما أظهر لمحمد علي ضرورة إعادة تنظيم إنتاج صناعة المنسوجات‏.‏
وعلي نقيض دعاة مذهب التجارة الحرة‏,‏ الذي ارتبط بالثورة الصناعية الظافرة في أوروبا‏,‏ واستهدف توسيع السوق أمام منتجاتها‏,‏ واتساقا مع مذهب الميركانتيلية‏,‏ فرض محمد علي حظرا علي استيراد المنسوجات لمنع إغراق السوق المحلية بالأقمشة الأوروبية الرخيصة‏.‏ وعندما قام محمد علي بابتزاز المزيد من الأموال‏,‏ فانه خلافا لأسلافه من الحكام المماليك‏,‏ وجه استثمارها إلي الصناعة‏,‏ واستثمرها بداية في الصناعات الحربية‏,‏ ثم اتجه إلي المنسوجات وغيرها من السلع المصنعة‏.‏ وإذا كانت مصر قد عرفت الصناعات النسجية من الصوف والكتان منذ أقدم العصور الفرعونية‏,‏ والصناعات النسجية من الحرير في العصور الوسطي‏,‏ فقد بدأ محمد علي بتصنيع القطن أولا‏,‏ وتلاه الحرير‏,‏ بينما تأخر الصوف والكتان‏.‏
ورغم أن المنسوجات الصوفية لم تكن علي درجة عالية من الجودة‏,‏ إلا أنها كانت متينة وجيدة الصنع ومناسبة للملابس العسكرية‏.‏ وقد سلمت قطعان من الخراف إلي البدو لتربيتها من أجل صوفها‏,‏ وفي عام‏1825,‏ تم استيراد قطعان من ماعز كشمير ومعها رعايتها لتحسين إنتاج الأقمشة الصوفية‏.‏ وبدأ إنتاج الحرير وكان الناتج قماشا من نوعية جيدة‏,‏ وزرعت منطقة وادي الطليمات ومساحات في الفيوم وأسيوط بمليون شجرة من أشجار التوت لإنتاج الحرير‏.‏ وكانت نتائج إنتاج الحرير مخيبة للآمال‏,‏ علي الرغم من اجتلاب عائلات من الدروز من لبنان لتربية دود الحرير‏.‏
وكان إنتاج الكتان صناعة مصرية منذ عهد الفراعنة‏,‏ واستمر العمال قائمين بالعمل في مجال الصناعات الريفية مع قيام النساء بعملية غزل خيوط الكتان في منازلهن‏,‏ وفي عام‏1830,‏ جري تنظيم الصناعة فأعدت سجلات لكل غازلي الكتان‏,‏ الذين كان عليهم أن يسلموا كمية محددة في كل يوم‏.‏ ثم يتم نسج الخيوط بعد ذلك في القاهرة‏.‏ وكان يسمح للأفراد بالنسج في منازلهم مقابل دفع رسم عن كل نول‏.‏ وكانت الصناعة توفر قماش أشرعة السفن والحبال والأقمشة الكتانية‏.‏ وزعم كلوت بك أن القماش المطبوع في المبيضة ينافس المستورد من إنجلترا وألمانيا‏,‏ بحيث أصبح الانخفاض في الواردات من هذه الأقمشة محسوسا‏.‏ وهذا ما أكده ماكجرجور‏,‏ الذي أورد قائمة بصادرات من الكتان‏.‏
وجاء التوسع في المنسوجات القطنية في وقت حدوث توسع مشابه في انجلترا‏,‏ حيث تفجرت الثورة الصناعية علي أساس هذه السلعة ذاتها‏.‏ ولم تأت القوة الدافعة لتصنيع القطن عقب اكتشاف القطن طويل التيلة كما كان يظن‏,‏ وإنما قبل ذلك‏.‏ ففيما بين عام‏1817‏ وعام‏1821‏ أقيم‏33%‏ من وحدات آلات التمشيط‏,‏ و‏70%‏ من الأنوال و‏24%‏ من المغازل‏.‏ وأنشئت المؤسسات الصناعية الأولي في الدلتا حيث كان يزرع القطن‏,‏ ولكن ابتداء من عام‏1827‏ أنشئت‏9‏ مصانع في مصر الوسطي ومصر السفلي‏.‏ وقد أشار الجبرتي إلي أرباب الصنايع الواصلين من بلاد الإفرنج‏,‏ وذكر بالاسم أنواع الآلات المختلفة التي وجدت في المصانع‏,‏ مشيرا إلي أنها تتضمن آلات لم ير أبدا مثيلا لها أو سمع بها من قبل تقوم بنسج القطن والحرير‏.‏ وربما كانت الآلات التي تدار بالبخار جزءا من الآلات التي ذكرها الجبرتي‏,‏ إذ أن روسل قد أبدي ملاحظة في عام‏1818‏ حول مجئ مهندس للقوي المائية‏.‏
وأكد هيكيكيان في أربعينيات القرن التاسع عشر وجود‏31‏ مصنعا للقطن كانت تستهلك‏700‏ قنطار من القطن منخفض الجودة‏,‏ ويعمل بها‏20000‏ عامل‏.‏ وكانت تقديرات مصطفي فهمي أن المصانع استهلكت‏13.163‏ قنطارا من القطن حوالي عام‏1830,‏ وهو ما يمثل ربع محصول القطن‏,‏ وبنهاية العقد كانت المصانع تستهلك‏50.000‏ قنطار‏.‏ ويمكننا بذلك أن نستنتج أن مشروعات الري المختلفة التي نفذت في البلاد كانت موجهة أساسا علي التوسع في مساحة الأراضي المزروعة بالقطن قصير التيلة‏.‏ وعندما جاء الوقت الذي اكتشف فيه القطن طويل التيلة جوميل‏,‏ كانت شبكة الري قد نظمت بالفعل‏,‏ وسمحت بتوسع سريع نوعا ما في المحصول الجديد‏.‏
واستورد محمد علي التكنولوجيا الجديدة للمغازل التي تدار بالطاقة‏,‏ ووفقا لفهمي لهيطة أقام مهندس بريطاني في عام‏1830‏ آلات بخارية لمصنع نسيج في شبرا ضم‏150‏ نولا‏,‏ ومصنع أخر في قلعة الكبش ضم‏200‏ نول‏.‏ كذلك استخدمت آلات بخارية لتقشير الأرز في رشيد‏,‏ وفي مسبك بولاق‏.‏ وفي عام‏1847‏ تحول مصنع الورق ليدار بطاقة البخار‏.‏ وفي عام‏1841‏ كتب الوالي إلي مفتشه العام المختص بالمصانع يأمره أن يكثف الإنتاج بهدف إشباع مطالب الشعب بالكامل‏,‏ وتجنب أي صادرات من الخارج‏,‏ مع ما يستتبع ذلك من خروج رأس المال‏.‏ ولم تعد مصر تستورد إلا المنسوجات القطنية والمنسوجات الحريرية والصوفية الفاخرة‏,‏ وسرعان ما اكتسحت المنسوجات القطنية المصرية السوق المحلية‏,‏ وصدرت الي البحر الأحمر والسودان وسوريا والأناضول‏,‏ حينما أصبحت هذه المناطق جزءا من الامبراطورية المصرية‏!‏

المزيد من مقالات د‏.‏ طه عبد العليم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.