إيهاب واصف: عمال قطاع الذهب حجر الأساس فى الحفاظ على الصناعة التاريخية    محافظ أسيوط: تذليل كافة المعوقات لاستكمال رصف شارع المحطة بقرية نزالي جنوب بالقوصية    50 مليون قدم يوميا.. اكتشاف غاز في دلتا النيل يعزز طاقة مصر الإنتاجية    التعليم العالي: تعاون مصري روسي في علوم البحار لتعزيز الابتكار ونقل التكنولوجيا داخل معهد علوم البحار    "تنمية المشروعات" يتعاون مع الجامعات والمبادرات الطلابية لتأهيل جيل جديد من رجال الأعمال    مسئول عسكري إيراني: تجدد الحرب مع الولايات المتحدة احتمال وارد    حزب الله: هذا شرطنا للالتزام بوقف إطلاق النار مع إسرائيل    الزمالك يبدأ غدا معسكر الاستعداد لمباراة سموحة    محمد صلاح: لم أحسم مستقبلي بعد    محافظ أسيوط يهنئ أبطال المشروع القومي بعد حصد ذهبية وبرونزية بطولة إفريقيا للمصارعة الحرة    فيرمينو: الفوز بالدوري مع السد ثمرة مجهود موسم كامل    حملات مرورية مكثفة تضبط 1253 مخالفة لعدم ارتداء الخوذة وترفع 27 مركبة متهالكة    حريق داخل مدينة الإنتاج الإعلامي بموقع تصوير "بيت بابا 2" دون إصابات    التصريح بدفن جثة طالب لقى مصرعه فى حادث تصادم ببنها    حملت سفاحا.. القبض على الأم المتهمة بإلقاء رضيعتها بجوار مسجد في أوسيم    ضبط عامل سرق هاتف طبيبة بيطرية أمام حديقة الحيوان بالجيزة    بعد ختام الدورة ال 74.. حصاد المهرجان الكاثوليكي المصري للسينما    «الرعاية الصحية»: إصلاح الصمام الميترالي بالقسطرة لمريض بمجمع الفيروز الطبي بجنوب سيناء    وزيرة البيئة تحذر: رياح مثيرة للرمال والأتربة تؤثر على جودة الهواء    استكمال الجولة الأخيرة من دوري الكرة النسائية.. والزمالك يفتتح بفوز خماسي على الطيران    وليد مختار: ضبط ملف الفائدة وتنظيم التسعير مفتاح ضبط السوق العقاري    الصحة تصدر مليون قرار علاج على نفقة الدولة خلال 3 أشهر بتكلفة تجاوزت 8.5 مليار جنيه    7 آلاف متضرر، تحرك برلماني جديد بشأن تعيين أوائل خريجي الأزهر    مسؤول إيراني يتوقع تجدد الحرب بين طهران وواشنطن    الصحة: سحب ترخيص مزاولة المهنة ليس عشوائيا وحماية أرواح المصريين خط أحمر    طقس المنيا اليوم، ارتفاع تدريجي في الحرارة وتحذير من الشبورة    العمل: 4145 وظيفة جديدة في 11 محافظة ضمن نشرة التوظيف الأسبوعية    ليلة الوفاء، ميادة الحناوي تستعيد زمن الفن الجميل فوق خشبة موازين    متحف التحرير يسلط الضوء على نموذج خشبي للقوى العاملة في صياغة ملامح الحضارة القديمة    رئيس المتحف المصري الكبير: استضافة «التمكين بالفن» يؤكد مكانة مصر كمنارة ثقافية    «الإفتاء» توضح حكم زيارة قبر الوالدين وقراءة القرآن لهما    «العدل» تُسلط الضوء على قانون العمل الجديد لتعزيز العدالة وحماية الحقوق    رئيس الوزراء البريطاني: حظر المسيرات المؤيدة للفلسطينيين مُبرر أحيانا    الداخلية تضبط صانعة محتوى بالإسكندرية لنشرها فيديوهات تتضمن ألفاظ خادشة للحياء.. تفاصيل    أنوشكا وعبير منير يشيدان بعرض «أداجيو.. اللحن الأخير» على مسرح الغد    محمد رشدى، صوت البسطاء الذي صنع مجد الغناء الشعبي    وزير الخارجية يبحث مع نظيره المالي جهود مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل    انقطاع الكهرباء عن قرى ببيلا في كفر الشيخ اليوم 5 ساعات    دعما للمبادرات الرئاسية.. استفادة 2680 مواطن من قافلة القومى للبحوث بالشرقية    مستشفى قفط التخصصي بقنا ينقذ يد مريضة من فقدان الحركة بجراحة عاجلة ودقيقة    مصرع وإصابة 45 شخصًا إثر انقلاب سيارة سياحية في المكسيك    موعد مباراة أرسنال وفولهام في الدوري الإنجليزي والقناة الناقلة    القضاء يحبط خطة إدارة ترامب لترحيل آلاف اليمنيين من أمريكا    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    وسط أفراح الفوز بالقمة.. الأهلي يتأهل لنهائي بطولة أفريقيا للكرة الطائرة    محافظ كفر الشيخ يهنئ أبطال المشروع القومي للمصارعة ببطولة أفريقيا    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    فيديو| الداخلية تكشف ملابسات قيام شخص بالطرق على السيارات ب«حديدة»    سيمون تستحضر "زيزينيا": رحلة في ذاكرة دراما لا تُنسى    نجاح إصلاح فتق سري لطفلة 4 سنوات بمستشفى طلخا المركزي وخروجها بحالة مستقرة    بثينة مصطفى ل معكم: ما قدمته حياة كريمة لغزة يدعو للفخر    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي عُرض عليه منصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    تصاعد التوترات بين أمريكا وأوروبا.. الناتو يتحرك نحو الاستقلال الدفاعي    عمرو أديب: أقرب الناس لي حصلوا على علاج كيماوي بسبب السرطان    أحمد التايب خلال تكريم حفظة القرآن بكوم بكار: القدوة الحسنة ركيزة أساسية في تربية النشء    هل يجوز توزيع الأملاك بالتساوي بين الأبناء؟.. أمين الفتوى يجيب    فاضل 25 يوم.. موعد عيد الأضحى المبارك 2026 فلكيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صوت العرب من القاهرة "الحلقة 36"
نشر في روزاليوسف اليومية يوم 17 - 03 - 2010

هنا أسأل: ألم يدرك عبدالناصر أن البترول في كل مكان عربي لا يمكنه أن يمر، إلا من خلال شركات عالمية؟ هل باستطاعة أحد توظيف البترول العربي لأي مسائل قومية وأي عمل قومي، والبترول ليس بأيادينا العربية؟ هل المسألة لعبة أطفال في أن تمنحني أشياء غير مسيطرين عليها، وإذا لم تمنحني ذاك أزعل عليك!؟ هل من البساطة بمكان أن نبقي حتي بعد اكثر من خمسين سنة نعيش أوهاما وخيالات كوننا نفشل مخططات السياسة الأمريكية والبريطانية؟ وهل تعتقد ياهيكل أن ما حدث من انقلابات عسكرية في النصف الثاني من القرن العشرين كانت تمثل ارادات حرة في كل البلدان العربية؟ أم أنها جميعا صناعة أمريكية من دون استثناء؟
إن البترول لم يعزل عن قضايا العرب أبدا، فلقد وقف العراق منذ الخمسينيات مواقف إيجابية إزاء تحرر بلدان المغرب العربي، ودوره كبير في القضية الجزائرية منذ العام 1954 وباعتراف الجزائريين أنفسهم.. إن كانت القاهرة يا هيكل الأم الرءوم للقضايا العربية طوال القرن العشرين، فعليك ألا تنسي أدوار عواصم عربية أخري لإثراء تلك القضايا من أجل التحرر والتقدم.. لا تنس دور بغداد أبداً مهما كان نظام الحكم فيها ملكيا كان أم جمهوريا.. لا تنس أو تتناسي دور دمشق بكل ما حفل به من تحديات.. لا تنس دور بيروت إزاء اثراء الوعي.. لا تنس دور تونس وليبيا والمغرب في الثورة الجزائرية.. لا تنس ادوار آخرين في ثورة ظفار.
إن العشرات بل المئات من المناضلين والطلبة التوانسة والجزائريين والمغاربة كانوا قد توزعوا في كل من القاهرة وبغداد ودمشق للعمل السياسي والدراسة. صحيح أن الرئيس عبدالناصر قد وقف وقفاته المشرفة إزاء الجزائر، ولكن علينا ألا ننسي أدوار المثقفين والمبدعين والشعراء والفنانين العرب قاطبة.. سواء كانوا عراقيين أو مصريين أو سوريين أو لبنانيين وغيرهم من قضية الجزائر وثورتها التي ايدها الجميع. قليلا من الانصاف يا هيكل، فالتاريخ لا يصنعه الفرد مهما بلغت درجة بطولته، ومهما بلغت مراقي قداسته.. التاريخ تصنعه الشعوب والعرب يدركون معني العمل القومي منذ بداياته الأولي في سوريا والعراق، ثم تطور نزعته الساخنة من خلال المنتديات والجمعيات والصحافة والثقافة في العراق إبان الثلاثينيات والاربعينيات وحركة 1941 القومية في العراق هي التي استمد منها الثوار العرب، ومنهم جمال عبدالناصر وانور السادات كما كتب الرئيس السادات ذلك في مذكراته دروسا وعبرا حتي سموه (بروسيا العرب)، وصولا إلي انبثاق الأحزاب الثورية والاشتراكية العربية في الاربعينيات، ووصولا إلي الخمسينيات وتبلور الحركة الناصرية جنبا إلي جنب ولادة البعثيين منذ العام 1948 في سوريا، وانبثاق حركة القوميين العرب في لبنان بعد الذي حصده عبدالناصر عام 1956.
صوت العرب من القاهرة
ينتقل هيكل للدفاع عن اذاعة صوت العرب مع اعتراف منه بمثالبها، قائلا: "في ذلك الوقت بدأ نداء مصر يصل إلي المغرب العربي عن طريق صوت العرب، أنا عارف إن صوت العرب فيه ناس كثيرة قوي عملوا عليه حملات، لكن أنا بأترجي الناس تفرَّق كثيراً قوي، يعني أنا.. فيه بعض الأشياء أنا مش معجب بها في صوت العرب، لكن عايز أقول إن صوت العرب في لحظة من اللحظات خصوصاً في هذه الفترة من التاريخ.. مرات إحنا بنحط كل المراحل مع بعضها ونحكم بآخر حاجة شفناها بآخر مشهد شفناه، لكن صوت العرب عمل دوراً في يقظة المغرب العربي بالتحديد وفي مقاومة الاستعمار في الخليج وفي الجنوب العربي في اليمن وفي مخططات حلف بغداد فيما بعد، دور لا يعوض ولا ينسي.." (انتهي النص).
دعني أحاججك يا هيكل، وأنا لست من الناس الذين كما وصفتهم " بنحط كل المراحل مع بعضها ونحكم بآخر حاجة شفناها.."، بل أدرك سمة كل مرحلة من المراحل. ولم أزل أصغي لإذاعة صوت العرب حتي يومنا هذا، ولكن شتان بين إذاعة يسيرها العقل والعقلاء، وبين إذاعة كان يسّيرها المجانين! نداء مصر كان يصل إلي المغرب العربي ليس عن طريق صوت العرب وحده، بل كان صوتها يصل إلي كل بقعة عربية وغير عربية في المنطقة.. كونها واسطة العقد الثمين.. ودور مصر مركزيا بدليل أنها ضمت مؤسسة جامعة الدول العربية منذ العام 1945.. وأن مصر لم تكن مركزا سياسيا فقط، بل كانت مركزا ثقافيا وعلميا وإعلاميا وفنيا.. كانت مصر قد نشرت نفسها في المنطقة منذ عهد الملك فؤاد الاول.. وكان أشهر الفنانين والأدباء فيها قد زاروا جملة من البلدان العربية وتغنوا بها.. لقد تغّني الموسيقار عبد الوهاب بنهر دجلة والملك فيصل الاول منذ العشرينيات في القرن العشرين.. وكان للإمام محمد عبده دوره في تونس والجزائر.. وكان أمير الشعراء قد زار تونس والجزائر.. كان الوعي المغاربي بالعروبة قد تبلور منذ زمن بعيد من القرن العشرين.. وكانت الأحزاب الجزائرية، وخصوصا الراديكالية منها قد طرحت الاسلوب الثوري قبل الخمسينيات.. لا أقلل من شأن صوت العرب في الإثارة ومتابعة الثوار، ولكن لا يمكن لإذاعة صوت العرب أن تحتكر تاريخ العلاقات العربية المغاربية.. ولا يمكن لأي مسئول عربي أن يحتكر ذلك التاريخ باسمه ايضا.. كنت أتمني عليك يا هيكل أن توضح لقرائك وسامعيك ومشاهديك ما هي الاشياء التي لم تعجبك في صوت العرب حتي تكون منصفا؟ ما الأشياء تلك يا تري؟ الاكاذيب الرخيصة، أم التحريض علي العنف، أم الشتائم المقذعة، أم الشماتة بمصير عوائل مالكة حيث سحلت اجسادهم في الشوارع.. أم اذاعة البيانات المفبركة؟ أم الادعاء بالانتصارات الوهمية؟ أم اذاعة الشعارات الطوباوية؟ أو التهريج لمهرجات الموت؟ ما الأشياء التي اعترضت عليها ولم تقلها؟ كنت أتمني عليك وقد امضيت تجارب عدة لأكثر من خمسين سنة أن تدين تاريخيا وبشكل سافر وعلني بلا خوف ولا وجل ما قامت به اذاعة صوت العرب.. ما مبلغ الضرر الذي لحق بالعرب كلهم جراء ما فعلته من غسل للاذهان وتميه للعقول؟ كان عليك أن تقول كلمة للتاريخ وتدين مرحلة تاريخية عشناها بكل افتراءاتها وشعاراتها وبكل كبريائها وشموخها.. كان عليك أن تكون منصفا وحياديا بين زمنين اثنين.. زمن اوهمونا بأنه عظيم وثوري ونظيف واستقلالي وتقدمي واشتراكي وقومي.. وزمن ولد في مخاضه وهو يحمل كل الامراض والفاقة والعوز والتشتت والدكتاتوريات وحكم الافراد مع التمزق وضياع الهيبة وانحدار الاخلاق.. ابعد هذا نبقي نطبّل ونزمّر لإذاعة عريقة لها تاريخ عربي، ولكنه مغرق بالأخطاء مع احترامي لها اليوم، وقد كنت ضيفا عليها لأكثر من مرة قبل سنوات.
مخاض صوت العرب
كنا نسمع صوت العرب عندما كنا اطفالا.. وتكاد تكون أشهر إذاعة عربية تبث من قلب القاهرة، وهي تبشّر بالقومية العربية التي يعد جمال عبدالناصر رائدها.. وهي لم تكن تذيع بياناتها واعلاناتها وبرامجها وأخبارها من دون علم السلطات المصرية، وبالذات بتوجيه خاص من الرئيس عبدالناصر.. وعندما انطلقت عام 1953، كانت توجه نداءاتها التحررية إلي الشعوب المستعمرة، وبالذات في المغرب العربي، ولكنها في العام 1955، بدأت تتخذ لها مسارا آخر، إذ كانت تهاجم ليل نهار الانظمة السياسية العربية التي لم تنسجم وافكار عبدالناصر التحررية الثورية.. دعوني هنا اتوقف عند هذه الظاهرة التاريخية التي شغلت حيزا كبيرا من تفكير العرب ومشاعرهم ونزوعاتهم السياسية.. بل كان لصوت العرب تأثير بالغ في قيام انتفاضات ونشوب انقلابات واندلاع ثورات.. ولكنها انتكست بشكل عميق عام 7691.
كانت إذاعة صوت العرب محطة مصرية تبث من القاهرة، وقد تم إنشاؤها في 4 يوليو 1953، أي علي عهد الرئيس محمد نجيب الذي خالفه جمال عبدالناصر، وتّم اقصاؤه وحدد اقامته الجبرية في منزله وتسلم مقاليد الحكم لوحده في 14 نوفمبر 1954. لقد لعبت صوت العرب دوراً دعائيا بارزاً في بث خطب الرئيس عبدالناصر واجراءاته الداخلية، ثم التفت إلي قضايا تحرير شمال أفريقيا وعدن في جنوب اليمن.
لقد كانت صوت العرب الاداة الحقيقية لشهرة عبدالناصر في عموم البلدان العربية، ولقد غدت المعّبر السياسي له.. وكان يتابعها بنفسه يوما بيوم، ويزيد من امكاناتها.. فكان أن دعت إلي افكار التحرر والنضال والقومية العربية ومحاربة الاستعمار وما سمته بالرجعية. كان تأثيرها يزداد قوة يوما بعد يوم، كونها غدت الصوت المعّبر عن الضمير القومي، وخصوصا عندما كانت تعلن عن صوت مجاهدي الجزائر والمغرب وتونس وتوجيه رسائل مشّفرة من خلالها إلي جبهات الحرب.
ومنذ العام 1955، بدأت صوت العرب تستخدم اللغة الجارحة والتعابير الكاريكاتيرية ضد الحكام والملوك الذين لا تتوافق آراؤهم مع الرئيس جمال عبدالناصر.. لقد كانت صوت العرب سوطا الهب مشاعر الناس ضد انظمة حكم متعددة إبان الخمسينيات، وخصوصا ضد العراق والاردن والسعودية.. ولم يقتصر الامر علي انظمة ملكية فقط، بل راحت تسّب وتشتم أنظمة جمهورية قامت في العراق وسوريا وغيرهما. وكان صوت مديرها أحمد سعيد ينتشر في الآفاق ليدخل كل بيت وكل زقاق! كما ساهمت في مباركة الوحدة المصرية السورية، وتهييج العواطف القومية.. كانت أيضا ضد إسرائيل ومن كانت تسميهم بعملاء إسرائيل.. كان أحمد سعيد يعّلق تعليقات جارحة ويشمت بمن يقتل أو يسحل أو يعدم.. كان يؤجج الشارع السياسي علي درجة من القوة والاحتدام.. كلّ في بلده أو مدينته. قيل أن ناظم الطبقجلي اشتكي لزوجته التي كانت تزوره في السجن، وأن توصل رسالة إلي عبدالناصر تترجاه أن يخفف أحمد سعيد في صوت العرب من شتم عبد الكريم قاسم باسم الدفاع عن ناظم الطبقجلي الذي اعدم عام 1959. وكل العراقيين يتندرون حتي يومنا هذا أن أحمد سعيد أذاع مهتاجا وهو يدافع عن شرف المناضلة حسنة ملص في العراق.. ونبين أن بعض العراقيين أرسلوا رسالة إلي أحمد سعيد وطالبوه باسم الشرف العربي دفاعه عن هذه المرأة المجاهدة، ولم تكن حسنة ملص إلا إحدي أشهر العاهرات والقوادات في العراق!
صوت العرب: سلبياتها أحرقت إيجابياتها
ولكن جاءت نهايته بعد الأكاذيب التي بثها علي أمواج الاثير في حرب 1967، وشاركه الاستاذ هيكل بالمانشيتات العريضة علي صفحة الأهرام، ولم يكتشف الناس تلك المفبركات إلا بعد زمن قصير، وخصوصا بعد أن تكشفت حقائق الفاجعة التاريخية الكبري.. إن صوت العرب قد هدأت منذ تلك اللحظة التاريخية، وإذا كان عبدالناصر قد أخرج احمد سعيد من ادارته لها، إلا أن الإذاعة نفسها بقيت حية ومخصبة ولقد تميزت بعد ذلك بهدوئها وطبيعتها المسالمة إزاء كل الأطراف. وكنت أتمني علي هيكل أن يقف وقفة مطولة عند إذاعة صوت العرب، ويعترف اعترافا حقيقيا بالأخطاء التي اقترفتها إذاعة صوت العرب إلي جانب الإيجابيات التي مارستها بقوة ونصاعة.
يقول الصحفي المخضرم سمير عطا الله وهو ينتقد محمد حسنين هيكل: "لا يجوز وفق مبادئ التاريخ أن يكون الرجل المطّلع والمضطلع، انتقائيا. لا في اختيار الوثائق والنصوص، ولا في اعادة قراءة ما يعرفه تماما من التاريخ. أي مجموعة المحادثات (والمعاهدات) التي عقدها الملك فيصل مع الرئيس جمال عبدالناصر، حول العلاقات الثنائية، ومن ثم حول اليمن. وجميع تلك المحادثات والمعاهدات تثبت أن الملك فيصل رمي إلي اقامة افضل وأعمق علاقة مع مصر، وقوبل دائما بصوت أحمد سعيد الذي جعل نفسه "صوت العرب"... وكان الرد عليه دائما في صوت أحمد سعيد، بل القي عبدالناصر نفسه خطبا تجرح تجريحا شخصيا في فيصل بن عبد العزيز وفي لحيته وفي قضايا أخري" (الشرق الأوسط، 1 فبراير، 2008).
أحمد سعيد : من يكون؟
إذاعي شهير وصحفي قديم، ولد عام 1950، فهو من جيل محمد حسنين هيكل، لكنه حاصل علي شهادة حقوق عكس هيكل الذي لم يحصل علي أي شهادة. وكان أحمد سعيد قد التحق بالإذاعة بوصاية من استاذه د. حامد زكي المحامي، فاشتغل عام 1950 سكرتيراً قانونياً لمدير الاذاعة المصرية. قدم أول برنامج اذاعي سياسي عام 1951، وكان بيده الميكروفون ايام العمليات الفدائية عند قناة السويس قبل 23 يوليو، وسمع الملك فاروق مطلع عام 1952، فأسند إليه بواسطة سكرتيره كريم ثابت التغطية الإعلامية لجريمة قتل الراهبة سستران التي قتلت خطأ ضد البريطانيين عند القناة، ولكن ظروفا صعبة منعته من العودة للقنال. أبعد عن عمله في الإذاعة إثر حريق القاهرة نهاية يناير 1952 رفقة طاقم من الإذاعيين، حتي مايو 1952 إثر اتهامه باثارة الجماهير علي الفوضي. ويقال إنه التقي عبدالناصر بعد 23 يوليو عندما كان عبدالناصر مديرا لمكتب محمد نجيب... وقد اعتمد عليه وعلي برنامجه في صوت العرب، وطلب منه عبدالناصر أن يلتفت إلي الشئون العربية عبر صوت العرب. ويبدو أن علاقته قد ترسخت مع جمال عبدالناصر قبيل تسلمّه السلطة في مصر عام 1954.
لقد قرأت أنه لم يبرئ نفسه من الكذب والمبالغة بانتصارات وهمية كان يذيعها علي الناس إبان حرب 1967 التي ألحقت بالعرب هزيمة نكراء، وهو لم يغسل يديه من صنع تلك الهزيمة.
مقارنة بين موقفين: بين هيكل وأحمد سعيد
بالمقارنة مع هيكل، الأمر يختلف، فالاخير لم يعترف بأخطائه التي ارتكبها عام 1967، ودوره في كتابة مقالات وعرض مانشيتات كاذبة لا اساس لها من الصحة ابدا! أحمد سعيد يقول: لم ابرئ نفسي، ولكن ما دور الإذاعة؟ متسائلا: هل هي جزء من الدولة.. أم هي جزء منفصل عنها.. أم هي جزء من نسيج متكامل؟ ويبرر فعلته بمهمة الاعلام تكمن بالحفاظ علي نوع من أنواع التماسك للجماهير داخل مصر وخارجها. الأمر مختلف عند هيكل الذي لا يريد الاعتراف بحجم الكارثة ابدا، ومساهمته في صنعها اعلاميا ودعائيا ! أحمد سعيد يستفهم متسائلا : هل كنت استطيع رفض اذاعة البيانات العسكرية؟ أو أن أقول إنها بيانات كاذبة؟ أنا كنت جنديا، ينفذ أوامر القيادة. إنه بالمقارنة مع هيكل أجده يختلف تماما، فهو يعتبر نفسه جنديا ويستلم أوامر، في حين هيكل لا يعتبر نفسه جنديا، بل يعتبر نفسه منظرا ومخططا ويرسل بالأوامر التي تنفذها القيادة وعلي رأسها عبدالناصر! هذا هو الفرق بين أكبر رجلي إعلام علي عهد الرئيس عبدالناصر! أحمد سعيد لا يزعجه أنه القي بيانات كاذبة وصلته، ولكن ازعجه أنه عاش هزيمة نكراء لم يعقبها أي انتصار سياسي كما حدث عام 1956.. في حين لم ينزعج هيكل من تلك الفجيعة ابدا.. بل حولها من هزيمة إلي نكسة.. ولم نخسرها حربا، بل خسرناها معركة! الفرق بين الرجلين أن الأول أكثر مصداقية من الثاني! بل ويتهم الأول الثاني بقوله: "قضيتي الشخصية لا تهمني، فنحن جميعا إلي زوال، خاصة أن جميع الصحف كذبت معي، ولم اكذب بمفردي، ولا أعرف لماذا ينسب الي وحدي الكذب"! وإذا كان الإذاعي الشهير أحمد سعيد قد قدم استقالته في يونيه 1967 مع نفيه وصفها إقالة أو اجباراً علي الاستقالة، إلا أن هيكل قد تمادي بعد الهزيمة، ولم يقدّم استقالته حفاظا علي كرامته وشرف مهنته ! يقول احمد سعيد: "إنني قلت الحقائق بصوتي، عن هزيمة يونيه 1967 للجماهير العربية، في 13 يونية 1967. وكان هذا بداية الصدام أو الخلاف مع الرئيس عبدالناصر، لأنه بعد ذلك فرضت علي رقابة، بحيث لا أذيع شيئاً دون مراجعته"، ويضيف: "كانت وجهة نظري مفادها، أن الهزيمة ليست هزيمة جيش، ولكن هزيمة نظام، وهذه الرؤية أزعجت الرئيس عبدالناصر، ووقعت عدة تداعيات، وصلت إلي أن صورة البطل في عيني لم تبق كاملة، وفهم الرئيس عبدالناصر ذلك، فكانت هناك استحالة، فكتبت استقالتي". هذا الرجل هو غير هيكل.. انه اخطأ واعترف، بل لم يقتصر الامر علي ذلك، بل حدث لديه انفصام بين رؤيته للأمور وبين رؤية جمال عبدالناصر.. لقد اختار أن ينعزل في حين ازداد محمد حسنين هيكل ارتقاء وتماديا، ليس علي عهد عبدالناصر وحده، بل علي عهد الرئيس انور السادات، ويبدو أن الرئيس السادات كان يدرك من يكون هيكل..
انتظروا الحلقة المقبلة
الكاتب.. مفكر عربي عراقي مقيم في كندا
وأستاذ في جامعات عربية وأمريكية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.