فى معارض السلاح عادة تتجه الأنظار وعدسات المصورين إلى فوهات المدافع وهياكل المدرعات الضخمة، والمقاتلات الشبيحة لكن ثمة معروضات أخرى لا تأخذ نفس حجم الاهتمام رغم أهميتها الحاسمة إنها معروضات قطع غيار المعدات العسكرية !!.. فالسلاح الأقوى فى العالم يتحول إلى كتلة من الحديد الصامت إذا غاب عنه «مسمار» دقيق أو «شريحة إلكترونية» صغيرة، وهنا تكمن كلمة السر التى كشفت عنها مصر فى هذه النسخة الاستثنائية من معرض إيديكس 2025 للصناعات الدفاعية.. اقرأ أيضًا| رئيس مصنع «قادر» ل«أخبار اليوم»: «إيديكس» شاهد على جيل جديد من الصناعات الدفاعية المصرية القطاع الخاص المصرى لم يعد مجرد «متفرج» على هامش المنظومة العسكرية، بل تحول بقرار رئاسى وجرأة صناعية إلى «شريك فى التصنيع العسكرى «. وفى خطوة تاريخية غير مسبوقة، اقتحم القطاع الخاص المصرى منطقة «المحرمات» سابقاً، ودخل بقوة فى مجال تصنيع قطع الغيار الدقيقة للمعدات العسكرية، والتى كانت حتى الأمس القريب حكراً على المصنعين الأجانب وتستنزف العملة الصعبة. لكن كيف نجح «المدني» فى استيعاب شفرة «الميري»؟ وكيف تحول اجتماع فنى فى يوليو الماضى إلى عقود تصدير دولية اليوم؟ وما هى قصة «الهندسة العكسية» التى تسعى إلى تحرير القرار المصرى من ضغوط العمل الصعبة... طرحنا هذه الأسئلة وأكثر على المهندس محمد زكى السويدى، رئيس اتحاد الصناعات المصرية من داخل جناحهم المميز بالمعرض ليقص علينا الحكاية الكاملة..ويكشف لنا كواليس هذا التحول الإستراتيجي حتى اللحظة التى وقفت فيها المنتجات المصرية فى «إيديكس» تنافس مثيلاتها الغربية.. فإلى نص الحوار. لأول مرة لاحظنا فى النسخة الأخيرة من «إيديكس» هذا العام وجوداً لافتاً ومختلفا وبارزا لاتحاد الصناعات المصرية، كيف تصفون هذه المشاركة؟ بالفعل، مشاركتنا هذا العام تعد حدثاً استثنائياً ونقطة تحول بارزة. وجناح اتحاد الصناعات المصرية بالمعرض ضم تكتلاً لشركات القطاع الخاص العاملة فى «الصناعات المغذية»، وهو ترجمة فعلية لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى الذى منح رخصة الثقة لشركات القطاع الخاص لتولى مهمة وطنية شاقة، وهى تصنيع ما تستطيع من قطع غيار الأسلحة والمعدات التى كانت تستوردها مصر فى السابق بالعملة الصعبة. اقرأ أيضًا| تعاون بين «العربية للتصنيع» وإحدى الشركات لإنتاج السكوتر الكهربائي نحن هنا لا نتحدث عن مجرد مشاركة شرفية، بل عن خطوة استثنائية أدخلت الصناعة المصرية عهداً جديداً، حيث أصبح القطاع الخاص «خط الدفاع الثاني» وشريكاً أساسياً لخط الدفاع الأول، ولم يعد دورنا مقتصراً على التوريد التقليدى، بل أصبحنا جزءاً من منظومة التصنيع الدفاعى. كيف بدأ الأمر؟ ما هى الشرارة الأولى لهذا التعاون؟ القصة بدأت بتسلسل واضح ومنظم، وتحديداً فى يوليو من العام الماضى. حينها قامت إدارة المركبات للقوات المسلحة بتنظيم مؤتمر ومعرض متخصص لقطع الغيار ومستلزمات التأمين الفنى. كانت هذه هى نقطة الانطلاق، حيث التقينا مدير إدارة المركبات الذى أكد لنا حرص القوات المسلحة على الارتقاء بمنظومة التأمين الفنى ومواكبة أحدث النظم التكنولوجية، ليس فقط لخدمة القطاع العسكرى، بل لخدمة القطاع المدنى أيضاً، بهدف استراتيجى هو «تحقيق الاكتفاء الذاتي» من قطع غيار المعدات . وماذا حدث بعد هذا اللقاء الأولي؟ الأمر لم يتوقف عند اللقاءات البروتوكولية؛ بل تحول إلى خطوات تنفيذية فورية تنفيذاً للقرارات الرئاسية بتوطين الصناعات المحلية وترشيد الاستيراد وإنشاء غرفة للصناعات الدفاعية.وقد أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة أوامرها بتنظيم مؤتمرات ومعارض تعرض فيها احتياجات القوات المسلحة من قطع الغيار التى يتم «تدبيرها من الخارج»، وطلبت منا كاتحاد صناعات وشركات وطنية التعاون مع جهات التصنيع الحربى لتعميق التصنيع الوطنى لهذه القطع بدلاً من استيرادها. هل كان هناك تنسيق مع قيادات وهيئات أخرى داخل المؤسسة العسكرية؟ بالتأكيد، التنسيق كان على أعلى مستوى. اجتمعنا مع رئيس هيئة التسليح للقوات المسلحة الذى أكد اهتمام القوات المسلحة بدعم الصناعة المحلية لتصنيع مستلزمات التأمين الفنى بكفاءة تضاهى المنتجات العالمية. كما تعاون معنا رئيس الهيئة العربية للتصنيع، وناقشنا أهمية نقل وتوطين التكنولوجيا الحديثة، وتنمية الكفاءات البشرية لتصنيع كل ما يحتاجه السوق المصرى، بهدف خفض الواردات وزيادة معدلات النمو الاقتصادى. وتضمنت تلك الفعاليات جولات تفقدية لمعارض ضمت قطع الغيار التى يمكن إنتاجها محلياً لتشجيع الشركات المصرية على التقاط المبادرة وتصنيعها كمنتج وطنى. تصنيع قطع غيار عسكرية ليس بالأمر الهين، كيف تعاملت المصانع المدنية مع هذه الدقة والمواصفات الصارمة؟ هنا يكمن جوهر الإنجاز. نحن نعمل بفلسفة أن «الدبابة أو المدرعة هى فى النهاية عبارة عن آلاف القطع الصغيرة». نجح المهندسون المصريون فى القطاع الخاص، بالتعاون الوثيق مع القوات المسلحة، فى تطبيق ما يسمى ب «الهندسة العكسية» لقطع غيار شديدة التعقيد لأسلحة شرقية وغربية. اقرأ أيضًا| وزير الزراعة: محطة كوم أمبو لإنتاج شتلات قصب السكر بخبرة مصرية كاملة لقد دخلنا فى تحدٍ لتصنيع منتجات دقيقة تتطلب خامات عالية الجودة مثل «الصلب المخصوص» الذى يدخل فى صناعات حيوية وعسكرية، وهو ما بدأنا العمل به ونجحنا فيه بالفعل. قدمنا منتجات بجودة تضاهى، بل وتتفوق أحياناً على مثيلاتها الأجنبية وبأسعار أقل بكثير. وماذا تقصد بالهندسة العكسية؟ دعنى أبسط المفهوم للقارئ.. الهندسة العكسية فى قاموسنا الصناعى ليست مجرد «تقليد» للمنتج، بل هى عملية علمية معقدة أشبه ب «فك الشفرة الوراثية» للقطعة المستوردة. نحن نستلم القطعة الأجنبية-التى لا نملك رسوماتها الهندسية أو «كتالوج» تصنيعها-ونبدأ فى إخضاعها لتحليلات معملية دقيقة جداً؛ لنعرف مم تتكون سبيكتها المعدنية؟ وما هى خصائصها الفيزيائية والكيميائية؟ وكيف تتحمل الضغط والحرارة؟.. نحن عملياً نعيد ابتكار التصميم من الصفر بناءً على المنتج النهائى. وفى بعض الأحيان نقوم بعمل شركات مع الجهات الأجنبية المصنعة لنقل تكنولوجيا التصنيع باستثمارات مصرية. ما هى أبرز المنتجات التى تعرضونها فى الجناح اليوم وتعتبرونها «فخر الصناعة الوطنية»؟ القائمة طويلة ومشرفة، وتغطى طيفاً واسعاً من فاليوم نعرض الكمبيوترات الصناعية وهى أجهزة مصممة لتعمل داخل المدرعات والمعدات العسكرية وتتحمل ظروفاً بيئية شاقة جداً، بالإضافة إلى النهايات الطرفية المدمجة وأجهزة ربط الشبكات وكذلك بعض المكونات الميكانيكية الدقيقة: مثل جنازير الدبابات، وحدات التحكم الإلكترونية، و»رولمان البلي»، ومسبوكات معدنية معقدة. و إطارات المركبات المدرعة: لأول مرة نقوم بتصنيع بعض إطارات العربات المدرعة فى مصر بأيادٍ وتكنولوجيا مصرية، وقد تم تسليم كميات منها بالفعل وتصدير البعض الآخر. هذه الإطارات أثبتت كفاءة مذهلة لأن ظروف تشغيلها لا تقبل أى تهاون فى الجودة. بعيداً عن الجانب الفنى، ما هو المردود الاقتصادى والاستراتيجى لهذه الخطوة؟ المكاسب متعددة الأبعاد. أولاً، حررنا «القرار المصري» من ضغوط المورد الأجنبي؛ ففى السابق كان تأخر وصول قطعة غيار صغيرة يعنى توقف معدة قتالية كاملة عن العمل، الآن نحن نضمن سرعة التوريد واستمرار جاهزية السلاح حتى فى أوقات الأزمات الدولية وانقطاع سلاسل الإمداد. ثانياً، وفرنا مبالغ طائلة من العملة الصعبة. ثالثاً، والأهم، أننا نقدم ميزة تنافسية هائلة وهى «خدمة ما بعد البيع» التى قد تصل إلى عشر سنوات، وهو أمر يصعب الحصول عليه بنفس الكفاءة من المورد الخارجى. أسعارنا تنافسية ويتم البيع بالجنيه المصرى، مما يدفع بعجلة الاقتصاد الوطنى. هل مشاركة المصانع الوطنية فى تصنيع قطع الغيار والمعدات العسكرية قد يوثر على جودة المنتجات المدنية التى ينتجها للمواطن ؟ بالعكس عندما ينجح مصنع مصرى فى إنتاج «وحدة تحكم» أو «قطعة غيار» تتحمل ظروف المعركة القاسية من اهتزازات عنيفة ودرجات حرارة تلامس الغليان، فإن تصنيع نفس القطعة لسيارة نقل عادية أو آلة زراعية يصبح أمراً يسيراً وبجودة فائقة. ما يحدث الآن هو أننا نرفع «المعيار الصناعي» فى مصر ككل. المصنع الذى تأهل للإنتاج العسكرى اضطر لتطوير خطوط إنتاجه، وتدريب عمالته على أدق النظم العالمية، وهذا سيعود بالنفع المباشر على خطوط إنتاجه المدنية. باختصار، التكنولوجيا التى نطورها لتصنيع قطعة غيار عسكرية اليوم، ستساهم غداً فى تحسين جودة «الغسالة» و»السيارة» و»المعدات الزراعية» المصنعة محلياً، مما يصب فى مصلحة المستهلك المصرى. سؤال المنافسة العالمية شرسة.. كيف ستقنعون المستورد الأجنبى بترك «الشركة الأم» المصنعة للسلاح والشراء من «المصنع المصري» البديل؟ نحن نراهن هنا على عاملين رئيسيين: «شهادة الثقة الميدانية» و»مرونة التوريد». أولاً، الجيش المصرى هو جيش كبير ومصنف عالمياً، وعندما يعتمد هذه القطع فى معداته وتخوض بها تدريبات ومناورات وتثبت كفاءتها، فهذه أكبر شهادة اعتماد يمكن أن نقدمها لأى عميل أجنبى. ثانياً، العالم يعانى اليوم من تكسر سلاسل الإمداد وارتفاع جنونى فى الأسعار. نحن نقدم للمستورد الأجنبى منتجاً بنفس المواصفات القياسية (وربما أفضل بفضل تعديلاتنا لتناسب الأجواء الحارة)، وبسعر أقل بكثير من المنتج الأوروبى أو الأمريكى، وفوق ذلك نضمن له سرعة التوريد دون تعقيدات سياسية أو لوجستية. نحن لا نبيع مجرد «قطعة غيار»، نحن نبيع «حلاً» لمشكلة توافر وتكلفة، وهذا ما يبحث عنه الجميع الآن. أشرتم إلى مبادرات سابقة للرئيس ساهمت فى تهيئة المصانع لهذا الدور، كيف ذلك؟ نعم، لا يمكن إغفال الطفرة الإنشائية والصناعية التى شهدتها مصر. العديد من المصانع المشاركة اليوم فى «إيديكس» كانت نتاجاً لمبادرة الرئيس عبد الفتاح السيسى لإنشاء مجمعات صناعية (مثل مبادرة الألف مصنع). هؤلاء المصنعون حصلوا على الأرض بسعر التكلفة وتمتعوا بإعفاءات ضريبية لمدة 5 سنوات، وهذا الدعم كان السبب وراء نجاح وتطور هذه المصانع لتصبح اليوم مؤهلة للمشاركة فى مبادرة تصنيع قطع غيار المعدات والأسلحة بهذا المستوى من الاحترافية. ما هى الرسالة التى يوجهها اتحاد الصناعات للعالم من خلال «إيديكس»؟ رسالتنا واضحة: نحن لا نصنع السلاح فقط، بل نصنع «استدامته». الجمع بين تصنيع المدفع و»المسمار» (كقطع غيار) فى معرض واحد يؤكد أن مصر تبنى قاعدة صناعية دفاعية صلبة، قادرة على الصمود والاعتماد على الذات. قوة الجيوش لا تقاس فقط بما تشتريه، بل بما تستطيع إصلاحه وتشغيله ذاتياً. هذه الخطوة فتحت لنا كقطاع صناعى مدنى أبواباً للتصدير لم تكن متاحة من قبل، ونحن عازمون على المنافسة عالمياً والحصول على عقود تصدير، مستندين إلى الجودة والسعر والثقة التى اكتسبناها.