وجد نفسه جالساً بين شخصين لم يرهما من قبل.. ظلا ينظران إليه ويحدقان فيه، ويتأملونه ويتفحصونه وكأنه كائناً غريباً لم يروا مثله من قبل.. كانت نظراتهم شاردة ووجوههم شاحبة وأشكالهم مخيفة.. كان المكان موحشاً.. والظلام حالكاً.. والسكون يملأ المكان. وبعد فترة ليست طويلة، سأله أحدهما.. (إيه اللى جابك هنا وإيه حكايتك؟) أخذ نفساً عميقاً وأغمض عينه لبضعة ثوانى وبدأ يسترجع حكايته كلها منذ بدايتها.. عشت طوال حياتى لا هم لى سوى اللهث وراء شهواتى وجمع المال بأى طريقة كانت- مشروعة أو غير مشروعة- وبالفعل حققت ما أردته وجمعت أكثر مما كنت أتوقع... عشت حياتى وحيدأ، لم يكن لى فيها إنساناً مخلصاً أو صديق وفياً أو زوجة تقف بجوارى أو أولاد يحبوننى ويخافوا علىَّ... لم أفعل شيئاً فى حياتى له قيمة، ولم يكن لى أهداف أحققها أو رسالة أعيش من أجلها.. لم أترك بصمة يتذكرنى بها أحد.. عشت تافهاً هائماً لا أعلم وجهتى ولا الغرض من وجودى.. وها أنا أندم على ظلمى لنفسى وللناس من حولى وعلى حياتى التى ذهبت هباء دون أن أفعل فيها شيئاً جيداً ينفع الناس.. أشعر بالخيبة والحسرة والندم والحزن. وفهمت الآن معنى الأية الكريمة التى تقول "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِى اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً". ثم تلفت الرجل حوله فجأة، وأخذ ينظر إلى هذا المكان الغريب الذى يرقد فيه. سأل نفسه.. ما هذا المكان الموحش؟ لماذا أشعر بالخوف والوحدة؟ ما هذا الظلام؟ ما هذا السكون الذى يملأ المكان؟ من هؤلاء الأشخاص الذين يتكلمون معى؟ لماذا نظراتهم شاردة ووجوههم شاحبة؟؟ يا إلهى.. نعم لقد تذكرت. لقد توقف قلبى بالأمس وأضرب عن العمل، واعتصم بداخل صدرى، احتجاجاً على ظلمى له بالضغائن والأحقاد والكراهية التى ملئته بها.. وسوء معاملته على مدار سنين عمرى. هذا المكان المظلم هو تربة العائلة. نعم.. لقد مت فى الأمس.. ودفنت منذ حوالى ساعة إننى الآن تحت التراب.. وهؤلاء الأشخاص الموجودين حولى، ما هم إلا أشخاص ماتوا ودفنوا من قبل.. وعندما شاهدونى أُدفن بجوارهم أرادوا أن يتعرفوا علىَّ ويعرفوا قصتى.