•• عام 1968 زرت مبنى الأهرام الجديد بمناسبه افتتاحه. وتكررت الزيارات مصاحبا أبى. فقد كنت شغوفا بعالم الأهرام، وبالصحافة، وبالأستاذ هيكل منذ الطفولة. وفى يوم من أيام زياراتى المتكررة رأيت الأستاذ لأول مرة وجها لوجه. كان فى طريقه إلى المصعد بالدور الأول بالمبنى الذى صممه المهندس المعمارى نعوم شبيب، ليكون دارا صحفية تسبق عصرها، نظرت إلى أعلى كأنى أنظر إلى السحاب، فقد كنت من فرط إعجابى بالاستاذ أراه طويلا عملاقا. وقد تجنبت النظر إلى عينيه رهبة. وخشوعا.. وكان كعادته أنيقا، وهو كذلك حتى اليوم، وهو كذلك فى نقده وفى كتاباته.. ولم أكن أحلم أو أتصور أو أتخيل أننى فى يوم من الأيام سوف أصحب المهندس إبراهيم المعلم إلى زيارة لمكتب الاستاذ وأنى سوف أقابله، وأصافحه. وعندما تأخر موعد دخولنا قليلا، تقدم إلينا من يخبرنا بتأجيل الموعد لدقائق لظرف زيارة سبعة وزراء خارجية عرب على التوالى، للأستاذ فى مكتبه، محرابه الحقيقى منذ ترك الأهرام. لم أكن أحلم أنى سأتحدث مع الأستاذ هيكل فى يوم من الأيام، فأجده أبسط مما رسمت فى ذهنى.. عملاقا شأن كل مبدع وموهوب، ينحنى أمام إعجاب الناس ومحبيه. وقد وجدته محبا بعينيه ونظراته. مدركا أسباب هذا الحب الذى يبدو أنه رسالة إلى الأب نجيب المستكاوى.. •• دخلت مبنى جريدة الأهرام لأول مرة عام 1959. وكان موقعه فى ذاك الوقت وسط البلد فى شارع مظلوم.. وكنت طفلا ينصت إلى أبيه وهو يتحدث عن عالم الصحافة، والمطابع، والرياضة، وهيكل، والأهرام.. ثم دخلت مرحلة الاتصال والتواصل مع الأستاذ قارئا لمقالاته: بصراحة.. ومنها تعلمت أهم دروس الصحافة. وكانت هذه الدروس أن الصحفى يبدع، حين يهتم بالتفاصيل.. وحين يرى الخبر بعينه دون حاجة لمن يبلغه بهذا الخبر. وزاد الأستاذ بصورة أو بأخرى حين وصل لقراء الأهرام أنه يصنع الخبر أيضا. ومن مدرسة الأستاذ تعلمنا أن الصحفى عليه أن يرسم صورة المشهد الذى لا يراه القارئ ويحب أن يراه.. فيرى بواسطة القلم، مثلا، مكتب المصدر، أو الرئيس وأوراقه وترتيب الغرفة، وفى مدرسة الأستاذ تعلمنا جميعا أن الصحفى يبدع حقا حين يكون راغبا فى أن يعلم. وفى أن ينقل ما يعلم إلى قارئه.. •• الاساتذة نوعان فى الحياة. الأول يوجه تلاميذه بطريقة افعل ولا تفعل.. والثانى يحبب تلاميذه فيما يفعل بالقدوة والبراعة والتميز فيكون نجما فى النهاية لتلاميذه لكنه لا يجمعهم فى مدرسة، ولا يقصد أن يدشن مدرسة.. وهذا هو الأستاذ هيكل وتلك هى مدرسته. فكثر عدد تلاميذه ومحبيه. وتخطت مواقعهم حدود الجغرافية المصرية.. •• اقرا هيكل.. اقرا المستكاوى.. هكذا كان ينادى بائع الصحف فى الشارع محفزا الناس على شراء الأهرام.. كان هيكل هو أستاذ السياسة، بكل ما فيها من تطورات وأحداث متسارعة ومتضاربة فى النصف الثانى من القرن العشرين الذى شهد زعامات وثورات. وكان نجيب المستكاوى نجما من نجوم الجريدة كناقد رياضى ينتظره قراء الأهرام.. •• هكذا عرفت الأهرام. هكذا أحببت الأهرام.. هكذا وجدت الأهرام..