في مؤشر جديد على عمق الأزمة المالية التي يواجهها الاقتصاد المصري، يستعد البنك المركزي المصري لطرح أذون خزانة مقومة بالدولار لأجل عام واحد بقيمة 950 مليون دولار، في محاولة لإعادة تمويل استحقاقات سابقة، وسط ضغوط متزايدة لتدبير أكثر من 50 مليار دولار لسداد ديون خارجية خلال أشهر قليلة. ووفقاً لما نقلته وكالة رويترز، من المقرر أن تحل الأذون الجديدة محل أخرى مستحقة لأجل عام بقيمة 1.06 مليار دولار، بعائد متوسط بلغ 4.25%، في وقت تعاني فيه الدولة من شح حاد في النقد الأجنبي وتراجع مصادر التمويل المستدام.
كما أوضح موقع البنك المركزي المصري أن الطرح الجديد يأتي أيضاً بديلاً عن أذون مستحقة مقومة باليورو لأجل عام، تبلغ قيمتها نحو 609.8 مليون يورو، وبمتوسط عائد 3.75%، في خطوة تعكس اعتماداً متزايداً على سياسة "تدوير الديون" بدل سدادها الفعلي.
خفض الفائدة لا يعالج جذور الأزمة
وكانت لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي قد قررت، في اجتماعها الأخير خلال ديسمبر الماضي، خفض أسعار الفائدة الرئيسية بواقع 100 نقطة أساس، ليصل سعر عائد الإيداع إلى 20%، والإقراض إلى 21%، وسعر العملية الرئيسية إلى 20.50%، إضافة إلى خفض سعر الائتمان والخصم إلى 20.50%.
وبرر البنك القرار بتقييمه لآخر تطورات التضخم وتوقعاته، إلا أن هذه الخطوة لم تُخفِ حقيقة الأزمة الأعمق، والمتمثلة في تضخم الدين العام وتآكل القدرة على السداد دون اللجوء إلى مزيد من الاقتراض.
استحقاقات تفوق 50 مليار دولار خلال أشهر
وتواجه الحكومة المصرية استحقاقات دين خارجي تُقدَّر بنحو 50.8 مليار دولار حتى نهاية سبتمبر المقبل، وفق جدول استحقاقات الدين الخارجي الصادر عن البنك الدولي، من بينها نحو 21 مليار دولار ودائع وعملات لدى البنك المركزي، أغلبها لدول خليجية ويتم تجديدها بشكل دوري.
ويُظهر الجدول أن الضغوط الأكبر تتركز في الربع الأول من العام، مع استحقاق نحو 28 مليار دولار، بينها 13.6 مليار دولار ودائع لدى البنك المركزي. كما تبلغ الاستحقاقات خلال الربع الثاني من 2026 نحو 12.7 مليار دولار، تشمل 3.35 مليار دولار ودائع، بينما تصل استحقاقات الربع الثالث إلى 9.8 مليار دولار، منها 3.8 مليار دولار ودائع وعملات أجنبية.
دين خارجي يتصاعد رغم إجراءات التقشف
وبحسب بيانات البنك الدولي، ارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025، ليصل إلى 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر، مقابل 161.23 مليار دولار في يونيو.
وجاء هذا الارتفاع رغم تراجع ديون الحكومة إلى 80.76 مليار دولار، مقابل 81.99 مليار دولار، وانخفاض قروض البنك المركزي بشكل طفيف إلى 37.3 مليار دولار.
في المقابل، ارتفعت ديون البنوك بنحو 1.3 مليار دولار لتسجل 23.56 مليار دولار، كما قفزت ديون القطاعات الأخرى بنحو 2.43 مليار دولار لتصل إلى 22.09 مليار دولار، ما يعكس انتقال عبء الاقتراض من الحكومة إلى النظام المصرفي والقطاعات الاقتصادية الأخرى.
أزمة هيكلية لا مجرد سيولة
ويعكس استمرار طرح الأذون الدولارية وتدوير الاستحقاقات عجز النظام الاقتصادي عن توليد موارد حقيقية بالعملة الصعبة، في ظل تراجع الصادرات، وضعف الاستثمار الأجنبي، واستنزاف الاحتياطي النقدي، ما يضع الاقتصاد المصري أمام اختبار بالغ الصعوبة خلال الفترة المقبلة.