في التفاصيل الصغيرة تختبئ أعظم العِبَر، قرصة نملة تحولت إلى درس رباني خالد، يُروى على ألسنة العلماء، ويُستدعى كلما ذُكر العدل الإلهي، وحدود العقوبة، ومعنى الرحمة التي تتخفّى أحيانًا في ثوب الشدة، حكاية لا تُروى للتسلية، بل للتبصير، تبدأ بنملة وتنتهي بحكمة. اقرأ أيضا | القصير تستعيد ذاكرتها الروحية.. «المحامل» تعود إلى الشوارع في ليلة النصف من شعبان روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن نملة قرصت نبيًا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأُحرقت فأوحى الله تعالى إليه أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح». قال علماؤنا وفق كتاب "درر من تفسير القرطبي": يقال إن هذا النبي هو موسى عليه السلام، وإنه قال: يا رب تعذب أهل قرية بمعاصيهم وفيهم الطائع، فكأنه أحب تعالى أن يريه ذلك من عنده، فسلط عليه الحر حتى التجأ إلى شجرة مستروحًا إلى ظلها، وعندها قرية النمل، فغلبه النوم، فلما وجد لذة النوم لدغته النملة فأضجرته، فدلكهن بقدمه فأهلكهم وأحرق تلك الشجرة التي عندها مساكنهم، فأراه الله العبرة في ذلك آية: لما لدغتك نملة فكيف أصبت الباقين بعقوبتها، يريد أن ينبهه أن العقوبة من الله تعالى تعم فتصير رحمة على المطيع وطهارة وبركة، وشرًا ونقمة على العاصي. وقال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿حَتّىٰ إِذا أَتَوا عَلىٰ وادِ النَّملِ قالَت نَملَةٌ يا أَيُّهَا النَّملُ ادخُلوا مَساكِنَكُم لا يَحطِمَنَّكُم سُلَيمٰنُ وَجُنودُهُ وَهُم لا يَشعُرونَ﴾ (سورة النمل: 18) وذكر القرطبي: "لا اختلاف عند العلماء أن الحيوانات كلها لها أفهام وعقول" ، وقد قال الشافعي: «الحمام أعقل الطير». قال ابن عطية: «والنمل حيوان فطن قوي شمام جدًا يدخر ويتخذ القرى ويشق الحب لقطعتين لئلا ينبت ويشق الكزبرة بأربع قطع لأنها تنبت إذا قسمت شقتين ويأكل في عامه نصف ما جمع ويستبقي سائره عُدَّة». وقال ابن العربي: «وهذه خواص العلوم عندنا وقد أدركتها النمل بخلق الله ذلك لها». وهكذا، من قرصة نملة، تتجلى حكمة، ويُعاد رسم معنى العدل، حين يكون الإهلاك عامًا، لكن الأثر مختلفا، كلٌّ بحسب قلبه وعمله.