■ بقلم: د. خالد سعيد بوتيرة شبه يومية تتوغل قوات من الجيش الإسرائيلي في مناطق متفرقة من الجنوب السوري، تخترق الأرض وتعتقل المواطنين وتدمر الأخضر واليابس وتنصب الحواجز، تشن الغارات الجوية بالتنسيق مع دخول الآليات العسكرية الإسرائيلية بشكل مستمر، لتدمر بدورها ما تبقى من أسلحة وذخائر سورية. الاختراقات الإسرائيلية اليومية للأراضى السورية تأتى بالتوازى مع تفاوض دمشق وتل أبيب للتوصل إلى اتفاق أمنى، فى أكثر من خمس جولات تفاوض تريد إسرائيل حدودها المزعومة والإبقاء على مواقع استراتيجية داخل الأراضى السورية احتلتها فور سقوط نظام بشار الأسد فى الثامن من ديسمبر 2024، كما أرادت الإبقاء على ثمانية مواقع استراتيجية مشابهة فى الجنوب اللبنانى. الثابت أن النظام السورى الحالى لم يطلق رصاصة واحدة ضد الاحتلال الإسرائيلى، الذى يتوغل بشكل يومى فى الأراضى السورية منذ هذا التاريخ، ويستمر فى هذا السياق كما سبق لنظام الأسد الذى لم يطلق رصاصة واحدة أيضا ضد إسرائيل لعقود طويلة ماضية. تعوَّل تل أبيب كثيرًا على الاتفاق مع دمشق من أجل تأمين حدودها الشمالية مع سوريا، لكنها تُصِر على الإبقاء على مواقع استراتيجية بعينها، وكأنه حق مكتسب، فى وقت تتوقف دمشق عند حد المطالبة بالانسحاب من الأراضى السورية التى احتُلت بعيد الثامن من ديسمبر 2024 فقط، دون التطرق لهضبة الجولان المحتلة. الغريب أنه بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي والقيادة السياسية أيضًا يقوم أعضاء حركة «رواد باشان» الداعية إلى إقامة مستوطنة داخل البلد العربى، باختراق الأراضى السورية فى محاولة لبناء تلك المستوطنة فى سوريا؛ فيوم الخميس الماضى طالعتنا القناة السابعة العبرية المتطرفة بخبر مفاده اعتقال الجيش الإسرائيلى لما يزيد عن 15 شخصًا من أتباع تلك الحركة على الحدود السورية، وهم يحاولون اختراق الحدود المشتركة بين البلدين، والتسلل داخل تلك الأراضى التى سبق أن اخترقوها أكثر من مرة طوال الأشهر القليلة الماضية. ورغم إشارة القناة العبرية لإلقاء الجيش الإسرائيلي القبض على أعضاء تلك الحركة، فإن هؤلاء الأعضاء سبق أن اعترفوا بأن جنود الجيش نفسه يساعدونهم ويساهمون معهم فى تدشين أول مستوطنة صهيونية فى سوريا، عبر حراستهم وغض الطرف عما تقوم به الحركة من وضع قواعد وأسس تلك المستوطنة. لم تكتف القناة بذلك، بل نقلت عن أحد أعضاء الحركة الصهيونية المتشددة أنه حضر إلى الحدود السورية برفقة زوجته وطفليه، بدعوى أن «الاستيطان فى باشان أمر أساسى لأمن إسرائيل»، وأضاف زاعمًا «أعداؤنا فى باشان كأعدائنا فى غزة، ينتظرون يوم اتخاذ القرار، ويجب على الدولة اغتنام هذه الفرصة المتاحة وإرساء الأمن فى الشمال من خلال إنشاء مستوطنات مدنية هنا فى باشان». لم تقف الحركة عند حد التواجد داخل منطقة باشان السورية فحسب، بل أرسل روادها سلسلة من الرسائل إلى عدد كبير من الوزراء اليمينيين فى حكومة بنيامين نتنياهو، منهم سموتريتش وزير المالية، وبن غفير وزير الأمن القومى وستروك وزيرة الاستيطان، من أجل المطالبة بتعزيز الاستيطان فى منطقة «باشان» السورية. وقّع مستوطنو «باشان» الذين يقدر عددهم بالعشرات على عريضة تطالب أعضاء المجلس الوزارى الأمنى الإسرائيلى المصغر «الكابنيت» بإقرار الاستيطان فى منطقة «باشان» بهدف اتخاذ «خطوات قانونية ورسمية تتيح للمستوطنين الاستقرار فى المنطقة بشكل قانونى»، وهو ما يراه الموقعون الصهاينة «خطوة ضرورية لتعزيز السيادة الإسرائيلية». وبهدف ترسيخ الواقعة وجعله بمثابة «أمر واقع» اجتازت 9 عائلات صهيونية كاملة بمجموع 40 شخصًا الحدود السورية فى 19 أغسطس الماضي، ووضعوا ما أسموه بحجر الأساس للمستوطنة «نافيه باشان»، لتتوافد بعدها عائلات أخرى ضمت رجالا ونساءً وأطفالا يحملون الأعلام الإسرائيلية، ومعهم بعض الأدوات وأساسيات البناء الأساسية، مثل الماء والخشب والأسمنت. ورغم حداثة عهدها وتأسيسها فى أبريل 2025 يقوم أعضاء الحركة باختراق دورى للحدود السورية، بدأ فى أغسطس الماضى بأعداد كبيرة وبهذا الكم الكبير من العائلات الكاملة، مستغلين مساعدة الجيش الإسرائيلى أو غضه الطرف عن عملياتهم الاستيطانية فى الدخول، ووضع أحجار أساس للمستوطنة المزعومة.. إن «باشان» بالنسبة للصهاينة ليست مجرد اسم، وإنما رمز دينى وسياسى بارزين، بهدف استغلال الضعف الأمنى السورى لإعادة تعريف الجنوب السورى بزعم أنه امتداد تاريخى وتوراتى يمكن استيطانه.