يعد جمال الطبيعة الآسر مدخلًا وجدانيًا ينسج قاسمًا مشتركًا بديعًا بين مصر وتركيا، حيث تتلاقى في البلدين عناصر الجمال الجغرافي والتنوع الحضاري بما يلامس الوجدان الإنساني، غير أن مساحات الالتقاء بين الدولتين تتسع لتشمل آفاقًا أرحب من التداخلات التاريخية والثقافية، وروابط المصالح الاستراتيجية، والتحديات الإقليمية المشتركة التي تفرض منطق التقارب والتنسيق، وقد توج هذا المسار في لحظتنا الراهنة بتطور إيجابي ملموس، تجلى بوضوح في الزيارة التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة، وهي زيارة اكتسبت دلالات خاصة في توقيتها وسياقها، حيث قوبل بحفاوة بالغة من أخيه الرئيس عبد الفتاح السيسي، ولم تكن هذه الحفاوة مجرد تعبير بروتوكولي تقليدي، فقد حملت في طياتها رسالة سياسية وإنسانية عميقة، تؤكد عمق العلاقات والانطلاق نحو مرحلة جديدة من التقارب السياسي والتفاهم المتبادل. وقد شكلت هذه الزيارة شرارة دافئة ذات دلالة، أيقظت في وجدان المصريين والأتراك شغفًا تاريخيًا ومحبة متجددة، وأعادت إلى الواجهة إرثًا حضاريًا مشتركًا طالما مثّل قوة ناعمة مؤثرة في بناء جسور التفاعل الإيجابي والتقارب الإنساني بين الشعبين، ولم تقف آثار هذه الزيارة عند حدود الاستدعاء الوجداني، فتجاوزته إلى إطلاق دينامية سياسية جديدة، لإرادة مشتركة تسعي إلى إعادة ترسيخ دعائم العلاقات الثنائية على أسس من الواقعية والتوازن والمصلحة المتبادلة، ومن ثم أسهمت الزيارة في تفعيل أطر التعاون المثمر في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، بما يعكس إدراكًا متبادلًا لأهمية الشراكة الاستراتيجية في مواجهة التحديات الإقليمية المتشابكة، كما عززت فرص التنسيق بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم مقومات الاستقرار الإقليمي، ويستجيب لاعتبارات الأمن القومي للطرفين، في ظل محيط إقليمي شديد التعقيد، تتداخل فيه الأزمات والصراعات، وتفرض فيه التحولات المتسارعة منطق الحوار والتكامل والعلاقات الدبلوماسية. ونؤمن بأن الدبلوماسية الرئاسية المصرية والتركية قد بلغت مرحلة متقدمة من التفاهم والانسجام حيال طيف واسع من القضايا ذات الاهتمام المشترك، مستندة إلى مسار تراكمي من بناء الثقة المتبادلة، وإلى قراءة واقعية دقيقة لمتغيرات الإقليم وتشابكاته المعقدة، وقد أسهمت التفاعلات السياسية الإيجابية التي تحققت خلال المرحلة الماضية في تهيئة مناخ موات، جعل من زيارة الرئيس التركي إلى مصر خطوة طبيعية وضرورية في توقيت بالغ الحساسية، تتعاظم وتتلاقي فيه التحديات الإقليمية مع الضغوط الدولية المتصاعدة، ومن ثم جاءت الزيارة لتؤكد عمق الروابط التاريخية والإنسانية والحضارية التي تجمع الشعبين الشقيقين، ولتعبر بوضوح عن إرادة سياسية مشتركة للانتقال بالعلاقات الثنائية إلى مستويات أكثر تقدمًا من الشراكة والتنسيق، كما عكست توجهًا جادًا نحو تعزيز التعاون الشامل بين البلدين في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية، بما يخدم المصالح الاستراتيجية للطرفين، ويدعم مسارات الاستقرار والتنمية، ويسهم في إرساء توازن إقليمي أكثر عقلانية في منطقة تتسم بتشابك الأزمات وتسارع التحولات. وتفصح حفاوة الاستقبال التي أحاطت بزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة بجلاء عن عمق التقدير المتبادل بين القيادتين، وترجمت بصدق العزم المصري على فتح آفاق أرحب من التعاون والشراكة الاستراتيجية، فقد جاء تصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي لمشهد الاستقبال محملًا بدلالات سياسية وإنسانية بالغة، عكست حرص القيادة المصرية على إحياء القواسم المشتركة، وتعزيز جسور الثقة وسياج المحبة بين الشعبين الشقيقين، في إطار رؤية واعية تستند إلى الواقعية السياسية واحترام المصالح المتبادلة، كما صاغت المراسم الرسمية، وما اكتنفها من دفء بروتوكولي لافت، رسالة سياسية واضحة مفادها أن العلاقات بين البلدين الكبيرين تمضي بثبات نحو مرحلة جديدة من إعادة هندسة التعاون الثنائي، تقوم على التفاهم والتكامل، وهي رسالة تؤكد السعي المشترك لتحقيق تطلعات الشعوب، وترسيخ دعائم الاستقرار الإقليمي، في ظل محيط دولي وإقليمي بالغ التعقيد، تتطلب تحدياته تنسيقًا أعمق، وشراكات أكثر نضجًا، وقدرًا أعلى من الحكمة والمسؤولية السياسية. وقد نجحت القاهرة وأنقرة في إحداث تحول نوعي في مسار العلاقات الثنائية، ونقلها من إطار التفاهمات السياسية والمصالح الاقتصادية التقليدية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة في مجالات التصنيع، والدفاع، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز السلم الإقليمي في الفضاءين الأفروآسيوي والشرق أوسطي، وبفضل الثقل الجيوسياسي والتاريخي لمصر وتركيا، تشكلت نواة تحالف إقليمي جديد قادر على إعادة رسم معادلات الاستقرار والتنمية، مستندًا إلى احترام متبادل للمصالح الوطنية، وإرادة واعية، وقد تجلى هذا التحول بوضوح في قمة القاهرة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس رجب طيب أردوغان، التي أسست لتحالف عابر للبحار وسلاسل الإمداد، يمتد من البحر الأسود مرورًا بالبحر المتوسط وصولًا إلى البحر الأحمر، وأستهدف هذا التحالف تأمين حركة التجارة العالمية، وضمان الأمن الغذائي والطاقة، وحماية الممرات البحرية الحيوية، بما يجعل القاهرة منصة محورية تربط أوراسيا بأفريقيا، وتعيد للبلدين دورهما القيادي في تأمين الاستقرار الإقليمي وحركة الاقتصاد العالمي. وقد أسفر اجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى عن أجندة تعاون واسعة غطت مجالات الاقتصاد، والتجارة، والاستثمار، والتصنيع المشترك، والطاقة التقليدية والمتجددة، والزراعة، والصحة، والتعليم، والبنية التحتية، والنقل، والسياحة، والثقافة، كما استهدفت الاتفاقات رفع حجم التبادل التجاري إلى مستويات غير مسبوقة، وتحسين بيئة الاستثمار، وتعميق التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز التعاون في التحول الأخضر، بما يخدم التنمية المستدامة ورفاهية الشعبين، وقد عبرت القمة عن تقارب استراتيجي في مقاربة أزمات الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث أكدت مصر وتركيا دعمهما للحلول السياسية، واحترام سيادة الدول، ورفض الكيانات الموازية، وتعزيز دور الدولة الوطنية في سوريا، وغزة، ولبنان، والسودان، وليبيا، والصومال، ومنطقة الساحل، كما شدد الجانبان على مركزية القضية الفلسطينية، وتأمين المساعدات الإنسانية، وحماية الممرات البحرية، بما يجعل الشراكة المصرية والتركية ركيزة توازن إقليمي، ومشروع سلام وتنمية، يتجاوز منطق إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار طويل الأمد، في الشرق الأوسط وأفريقيا. ونؤكد أن الزيارة التركية إلى القاهرة جاءت لتبرهن بوضوح أن العلاقات المصرية والتركية شبكة متكاملة من الشراكات الاستراتيجية المتعددة الراسخة، وتستند إلى إرث حضاري مشترك قادر على توليد مكاسب نوعية تتجاوز البعد الاقتصادي، لتشمل مسارات التنمية الشاملة والاستقرار المستدام، وقد كشفت هذه الزيارة عن إرادة سياسية نافذة لدى قيادتي البلدين، تدرك بدقة الوزن الحقيقي لمصر وتركيا في ميزان القوى الإقليمي، وتستثمر هذا الثقل في اتجاهات بناءة تخدم مصالح الشعوب، وقد برهنت التجارب، لا سيما في أوقات المحن والشدائد، أن تلاقي الإرادة والعزيمة بين الدولتين حول المشتركات الحضارية والتقاليد السياسية الراسخة إلى حصن استراتيجي منيع يضمن استدامة التقارب، لتمضي مسيرة التعاون المصري التركي بثبات نحو آفاق أرحب من الشراكة والتكامل، بما يحقق المصالح العليا للبلدين، ويسهم في ترسيخ الاستقرار الإقليمي، ويعزز فرص التنمية والسلام في منطقة لا تزال بأمس الحاجة إلى نماذج عقلانية للتوافق والتوازن. ____ أستاذ أصول التربية كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر