إننا نعيش حاليا انحرافا من انحرافات التاريخ. ورغم توقعنا بقدوم زمن يكون فيه العالم متعدد الأقطاب، فقد كان يبدو لنا باستمرار أن هذا الزمن بعيد عنا، وشعرنا بالأمان نتيجة لذلك. وها هو يندفع بشكل مفاجئ إلى الحاضر. وها هما قرنان من الهيمنة الغربية ينتهيان مبكرا عما تخيله كثيرون. لقد اتضح الأمر فى الإحصاءات الاقتصادية. وكما حدث فى العام الحالى، فإنه من المرجح أن تنمو اقتصادات الدول الصاعدة الصين والهند والبرازيل وتركيا وإندونيسيا بمعدل 8 بالمائة أو أكثر فى العام المقبل. أما الدول المتقدمة المثقلة بالديون فغالبا ما ستكافح لتنمو بمعدل 2 بالمائة. وقد أثبت هذا النمط وجوده، فالحاجز العالمى بين الدول بطيئة النمو وسريعة النمو مثله مثل ما هو بين الدول الغنية والدول الناشئة . وبناء على ذلك يتم تعديل التوازن الجيوبوليتيكى، فالصين تؤكد نفسها فى شرق آسيا، والهند تبنى أسطولا للمياه الزرقاء، أما تركيا والبرازيل فهم يسعون إلى توسيع نفوذهم الإقليمى ليصبح عالميا. وإندونيسيا تنتقل ما بين واشنطنوبكين، وأوروبا تحارب التهميش، ولدى أمريكا تزايد فى عجز الميزانية وأزمة سياسية. إن التوقعات بانتهاء عهد السيادة الأمريكية أمر سابق لأوانه. فبرغم كل المصاعب التى تواجه أمريكا، فهى لا تزال القوة العظمى الوحيدة القادرة على مد نفوذها إلى كل ركن من أركان الأرض. وكانت إحدى القصص التى لم تحظ بملاحظة كبيرة فى عام 2010 هى تلك التى عادت فيها الولاياتالمتحدة إلى آسيا. فقد استجار جيران الصين بحماية العم سام بعد أن أزعجهم كل من بكين وكوريا الشمالية. وقد رسمت برقيات ويكيليكس الدبلوماسية النفوذ الأمريكى بصورة فيها إطراء. فالسعى الأمريكى لتحقيق المصلحة القومية يتزامن فى معظم الأوقات مع توفير المصالح العامة لبقية بلدان العالم. وتقلق واشنطن فى السر كما فى العلن بشأن انتشار الأسلحة النووية، والدول التى فى طريقها إلى الفشل، فضلا عن الإرهاب والصراعات الإقليمية، وتأثير هذه المسائل على الأمن العالمى. أما الوجه الآخر لعملة ويكيليكس فهو أن الولاياتالمتحدة قوة عظمى غير كفوءة. وتظهر المراسلات الدبلوماسية كيف أنه مع تمتع الولاياتالمتحدة بقوة منقطعة النظير، فهى تعجز عن فرض شروطها لحل الاضطرابات فى العالم، وفى هذا الشهر رأينا رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو يحطم جهود باراك أوباما لإحلال السلام فى الشرق الأوسط. تعيش دول العالم الصاعدة مرحلة ترغب فيها بالتمتع بالقوة دون تحمل المسئولية. وإذا ما وضعنا نوعا من التفسير على أحدث استعراض لقوة بكين، نجد أن الصين مراهق اكتشف فجأة أنه قوى، فقد أصبح بالغا. وتجاهلا لنصيحة دينج شياو بنج لها بالصبر، فها هى بكين تبدد القوة الناعمة التى تراكمت لديها على مدى عقد من الزمان. وترغب الهند فى أن تنال الاحترام الذى تستحقه لوضعها الآن كقوة العظمى، إلا أنها مترددة فى التخلى عن مصداقية الشارع الذى منحها دورها القديم فى قيادة دول عدم الانحياز. كما أن دلهى عاجزة على نحو غير مألوف عن مواجهة العداء فى منطقتها. وترغب تركيا فى الاتجاه شرقا وكذلك غربا، إلا أنه لا يزال عليها موازنة طموحاتها الجديدة الخاصة بقيادة العالم الإسلامى مع ارتباطها القديم بالتكامل اليوروأطلسى. أما أوروبا فحالها سيئ. إذ إن ما بدأ كأزمة مصرفية للقطاع الخاص أصبح أزمة ديون خاصة بالقطاع العام. ومنطقة اليورو منطقة تحاصرها الأسواق. أما التهديد الحقيقى فهو سياسى. والصدمة الاقتصادية الخاصة بانهيار القارة النسبى مقابل صعود آسيا قد اجتمع مع التوابع السياسية الناجمة عن سقوط سور برلين قبل عقدين. وقلبت ألمانيا (وهى موحدة الآن ولا تخشى من إظهار قوميتها المتزايدة) على نحو لا تندم عليه التوازن السياسى للاتحاد الأوروبى. فقد نجح الاتحاد عندما كانت فرنساوألمانيا تشاركان فى قيادته. لكن برلين ترغب الآن فى ممارسة السلطة. وربما أمكن إنقاذ العملة الموحدة، غير أنى لست متأكدّا من أن هناك حماسا كبيرا لأوروبا ألمانية. وبالنسبة لبريطانيا، فلم يُبدِ رئيس وزرائها الجديد اهتماما أو قدرة للعمل على أى شىء شبيه حتى بالسياسة الخارجية. وتبدو اليابان (حيث أمضيت هذا الأسبوع فى سلسلة من المناقشات الأمنية يستضيفها صندوق مارشال الألمانى الخاص بالولاياتالمتحدة ومؤسسة طوكيو) واقعة فى حبائل إنكار شبه دائم. وبالرغم من انزعاجها من الصدامات مع الصين فى بحر الصين الشرقى المتنازع عليه، فقد كان لليابان خمسة رؤساء وزراء فى ثلاث سنوات. وتبدو لعبة الكراسى الموسيقية السياسية هذه أسهل بكثير من التفكير الجاد فى شأن حل إستراتيجى لعدم الاستقرار فى شرق آسيا . وتعتبر روسيا نفسها من القوى الصاعدة. إلا أنها دولة منهارة ومحصورة فى الماضى. ولأسباب خاصة بالسياسة الداخلية ومحاولات جذب الانتباه من الخارج، ما زال القادة الروس يتظاهرون بأن العدو يكمن فى الغرب، ويعتقدون أنه لا يمكن استعادة الكبرياء إلا إذا واجهوا الولاياتالمتحدة وأوروبا. الأخطار الأكبر نجدها فى الفساد الوبائى الداخلى والتحلل الديموغرافى والاقتصاد البتروكربونى الأجوف. وفى أماكن أخرى، تأتى التحديات الإستراتيجية من التطرف الإسلامى واحتمال اجتياح الصين والهند لحدودهما مع المناطق الشرقية غير المأهولة من روسيا. وتكمن مصالح روسيا طويلة الأجل فى تكامل أوثق مع الغرب. وربما يدرك ذلك الرئيس الروسى ديمترى ميدفيدف، بينما يتمسك خليفته المرجح فلاديمير بوتين بالقصة القديمة. الطريقة السهلة لوصف المشهد الجيوبوليتيكى الجديد هى طريقة خاصة بالتنافس بين الغرب وبقية العالم وبين الديمقراطيات الليبرالية الغربية وأوتوقراطيات اقتصاد السوق الشرقية. ورغم ما تبدو عليه تلك التقسيمات من دقة، فهى تفوتها التعقيدات. إذ ليس هناك من هم أكثر تصميما من روسيا والصين، على سبيل المثال، على منع الهند من ضمان مقعد دائم فى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وقليلون أكثر قلقا من قدرات الصين العسكرية من الهند. وتتجه الرؤية الأكثر تفاؤلا للعالم المعاد ترتيبه إلى دول مجموعة العشرين باعتبارها أداة لصياغة إجماع أعرض بشأن التعاون بين الشرق والغرب والشمال والجنوب. وهناك سبب ما للتفاؤل فيما يتعلق بالحوكمة الاقتصادية العالمية؛ والأمر يكون أقل من ذلك بكثير عندما يتصل بالأمن والسياسة الخارجية. تتمنى الدول الصاعدة السلطة أكثر من القواعد الدولية، وتضع السيادة قبل تعددية الأطراف. ومن المرجح أن يشهد النظام الجديد تنافسا أكثر من التعاون. ولا يمكن تمنى زوال حقائق الاعتماد المتبادل، لكن من المؤكد أنها سوف تُختبَر. وسوف يكون طريقا مليئا بالمطبات. وحينئذ سيكون من المؤسف أن جزءا كبيرا من الغرب يعتزم الاختفاء تحت الأغطية.