حين نتدبر قول الله تعالى فى وصف نبيه «وإنك لعلى خلق عظيم»، وقول النبى صلى الله عليه وسلم «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، يتجلى جوهر الإسلام وغايته الكبرى فى الأخلاق، فالدين ليس مجرد صلاة وصيام، بل منهج كامل لإصلاح النفس، وبناء مجتمع يسوده العدل والرحمة، والخلق الحسن هو الميزان الذى يحكم علاقتنا بالخالق وبالناس جميعًا، مهما اختلفوا عنا. والفرق بين الشخص المتدين حقًا وبين من يتظاهر بالتدين هو «حُسن الخلق»، والقيم والأخلاق التى تظهر فى تعاملاتك، أما التدين الظاهرى هو الاهتمام بالشكل والعبادات الخارجية فقط مع إهمال التعامل الحسن، وهذا يعتبر ابتعادًا عن روح الدين الحقيقية. ومن أبرز صور مكارم الأخلاق، الإيمان بجميع الأديان السماوية، والاعتراف بكل الرسل واحترام رسالاتهم، وهذا ركن أصيل من أركان الإيمان، وقد اصطفى الله المسلمين واختارهم لحمل هذه الرسالة، ومن يقع عليه الاختيار يجب أن يكون أهلًا له خلقًا وسلوكًا، والإيمان الحقيقى لا يكتمل إلا باحترام أبناء الديانات السماوية كافة؛ لأن الدين لا يقوم على الإقصاء أو الازدراء، بل على التعايش والإنسانية. وتشمل مكارم الأخلاق الابتعاد عن كل ما يجرح المشاعر أو يؤجج الكراهية، فالعالم الإسلامى يضم أكثر من مليار ونصف المليار مسلم، وإذا وُجد بين هذا العدد الهائل نسبة ضئيلة من المتطرفين، فلا يجوز تحميل الأغلبية أخطاء القلة، فلا منطق ولا عدل فى أن تؤخذ أمة كاملة بذنب فئة منحرفة، كما لا يصح إيذاء مشاعر الآخرين بحجة حرية التعبير، فالمعادلة الأخلاقية تقوم على الاحترام المتبادل. ومن أحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حقًا، فعليه أن يقتدى بخلقه وسلوكه، لا أن يكتفى بالشعارات، فقد كان رسولنا الكريم مثالًا فى التواضع والكرم والحلم، وكان الاستعلاء والتكبر أبعد ما يكون عن شخصيته؛ لأن التعالى على الناس شكل من أشكال التطرف المرفوض، وكانت سيرته مدرسة إنسانية أضافت إلى البشرية المحبة والسلام. والمتأمل فى واقعنا اليوم يلمس هوة سحيقة بين السلوك السائد ومكارم الأخلاق، حيث طغت صور الكذب والافتراء، واستبيحت الحرمات عبر حملات التشويه والاغتيال المعنوى، ولم يعد أى بيت بمنأى عن الشكوى من هذا الانحدار، لا سيما فى فضاء التواصل الاجتماعى الذى تحول من جسور للتقارب إلى ساحات للتراشق والهدم الأخلاقى، فى غياب تام للاحترام الواجب. ومواجهة هذا الانحدار تتطلب مسارين متوازيين، توعية مجتمعية جادة، وتفعيلًا صارمًا للقوانين الرادعة، فالمشكلة ليست فى غياب النصوص القانونية، بل فى ضعف تطبيقها، و«من أمن العقاب أساء الأدب»، ولن يرتدع المسىء إلا إذا أدرك أنه لن يفلت من العقاب. ويظل الحل الجذرى فى العودة إلى صحيح الدين والهدى النبوى، ورسولنا الكريم هو القدوة الأسمى والمدرسة الأخلاقية التى بصلاحها تصلح أحوال العباد والبلاد.