كان هدف «الوفد المصرى» الذهاب إلى أوروبا، التى كانت آنذاك تستعد لإعادة رسم عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى، والمطالبة برفع الحماية البريطانية عن مصر، وبالتالى إعلان استقلال مصر. يعتبر شهر فبراير من الفترات المحورية فى التاريخ المصرى الحديث والمعاصر؛ إذ شهد هذا الشهر- فى القرن العشرين- عدة وقائع وحوادث فاصلة فى تطور الحياة السياسية والاجتماعية فى مصر. ولا أدرى هل كان هذا بمحض الصدفة، أم أنه نتاج وحصاد لبداية العام، حيث يكون شهر يناير عادةً، من الأشهر الصعبة فى التاريخ، دائمًا شهر المخاض وآلامه، ويكون فبراير هو شهر الميلاد. تصريح 28 فبراير 1922 عانت مصر بشدة من ويلات الحرب العالمية الأولى؛ إذ كانت فى تلك الفترة لا تزال تحت الاحتلال الإنجليزى منذ عام 1882. ونتيجة دخول الدولة العثمانية الحرب ضد الحلفاء وعلى رأسهم بريطانيا العظمى، أعلنت بريطانيا الحماية على مصر، لقطع صلاتها بالدولة العثمانية؛ إذ كانت مصر ولا تزال -وفقًا للقانون الدولى- خديوية تابعة للدولة العثمانية. وفرضت بريطانيا الأحكام العرفية فى مصر، وأعلنت قيام نظام السلطنة فى مصر، وكما كان هناك سلطان فى أستانبول، أصبح الآن هناك سلطان فى القاهرة ووجهت بريطانيا معظم موارد مصر لخدمة المجهود الحربى البريطانى، وأصبحت مصر مركزًا لجنود بريطانيا ومستعمراتها وتوابعها. واستغلت بريطانيا عشرات الآلاف من المصريين البسطاء، لا سيما الفلاحين، فى العمل فى خدمة القوات البريطانية خارج مصر، وعلى جبهات متعددة، وبشكل أقرب إلى السخرة، ومات منهم الآلاف. وهو العمل البشع الذى سجلته الأغنية الشهيرة فى الذاكرة الجماعية المصرية: «بلدى يا بلدى والسلطة خدت ولدى»، والسلطة هنا هى سلطة الاحتلال الإنجليزى بعد فرض الحماية على مصر.. لذلك ما أن انتهت الحرب العالمية الأولى فى 11 نوفمبر 1918، حتى ذهب الزعيم سعد زغلول ورفيقاه إلى دار المعتمد البريطانى فى القاهرة للمطالبة بالسماح لهم بالسفر إلى أوروبا؛ إذ كانت الأحكام العرفية لا تزال مفروضة، وبالتالى لا بُد من التصريح للسفر. وكان هدف «الوفد المصرى» الذهاب إلى أوروبا، التى كانت آنذاك تستعد لإعادة رسم عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى، والمطالبة برفع الحماية البريطانية عن مصر، وبالتالى إعلان استقلال مصر. لكن المعتمد البريطانى رفض منح تصريح السفر، بل وشكك فى تمثيل الوفد للشعب المصرى، من هنا ظهرت حملة التوقيعات الشهيرة، بتوكيل الشعب للوفد بالمطالبة بالاستقلال. وعندما اعتقلت السلطات الإنجليزية سعد وبعض الزعامات الشعبية، وقامت بنفيهم خارج البلاد، اندلعت الثورة فى القاهرة، وسرعان ما عمت جميع أنحاء مصر. وفشلت السلطات الإنجليزية فى قمع الثورة، وأفرجت عن سعد ورفاقه، ولكن تعنتت فى مسألة رفع الحماية، وإعلان استقلال مصر، مما أدى إلى استمرار الثورة.. وبدأت مفاوضات بريطانية مع بعض القيادات المصرية، لكنها سرعان ما فشلت أمام تعنت بريطانيا، وإصرار مصرى على رفع الحماية والاستقلال. لجأت بريطانيا إلى إصدارها لما عُرف بتصريح 28 فبراير 1922، الذى أعلنت فيه رفع الحماية عن مصر، وبالتالى إعلان استقلالها، مع تحفظات أربعة، كان أخطرها فى حقيقة الأمر بقاء القوات البريطانية فى مصر بحجة الدفاع عنها، مع التحفظ على وضع السودان وبقاء الإدارة الثنائية الإنجليزية- المصرية عليه. والحق أن الزعامات المصرية كانت تتميز آنذاك بمرونة سياسية عالية المستوى، وتدرك أن المبدأ الأساسى فى السياسة «خذ وفاوض» لذلك أصدرت بريطانيا هذا التصريح من طرف واحد، ولم تقبل الزعامات المصرية التصريح، وفى الوقت نفسه لم ترفضه. وفى الحقيقة كانت وجهة نظر هذه الزعامات الاستفادة مما يوفره هذا التصريح من مكاسب سياسية، ثم الدخول بعد ذلك فى مفاوضات مع بريطانيا بشأن التحفظات المشار إليها، وهو ما عُرف بعد ذلك فى أدبيات الحركة الوطنية المصرية بالمطالبة بالاستقلال التام. وهى وجهة نظر تتسم بالواقعية السياسية، وفن الممكن؛ إذ لم يكن من المستطاع الحصول على أكثر من ذلك من «بريطانيا العظمى» القوة الأولى على مستوى العالم آنذاك، والتى خرجت فى حالة زهو بانتصارها فى الحرب العالمية الأولى، لتجد ثورة عارمة فى مصر. على أية حال يعتبر تصريح 28 فبراير 1922 من الوقائع المفصلية فى تاريخ مصر؛ إذ سيترتب عليه وضع جديد لمصر فى القانون الدولي، وهو الاعتراف الدولى بمصر مع إعلان قيام «المملكة المصرية». وهكذا أصبح لمصر لأول مرة فى تاريخها وضع الدولة المستقلة، دون تبعية لدولة أخرى، وسرعان ما سيصدر الدستور المصرى فى العام التالى، أى عام 1923، وتنشأ حياة برلمانية كاملة: مجلس النواب ومجلس الشيوخ. حادث 4 فبراير 1942 من الحوادث المهمة والفاصلة فى التاريخ المصرى، حادث 4 فبراير 1942؛ إذ اندلعت الحرب العالمية الثانية فى عام 1939، ومن جديد عانت مصر من ويلات هذه الحرب، حيث أصبحت مصر- وبمقتضى معاهدة 1936- قاعدة لجيوش الحلفاء. وقامت مصر بتموين جيوش الحلفاء، كما تعرضت المدن المصرية لهجمات الطيران الألمانى، وعاشت مصر فى أزمة اقتصادية طاحنة. ومع تقدم قوات المحور من ليبيا تجاه مصر، بل ووصولها إلى مدينة العلمين، أى أن هذه القوات أصبحت على بعد ساعات قليلة من دخول القاهرة، وصلت الأمور فى مصر وعلى المستوى الدولى إلى حد الأزمة؛ إذ أن سقوط القاهرة يعنى سيطرة قوات المحور على قناة السويس، أهم شريان للملاحة البحرية فى العالم. وفى القاهرة خرجت مظاهرات شباب جماعة مصر الفتاة، وزعيمها أحمد حسين تهتف «إلى الأمام يا روميل»! وروميل هو القائد الألمانى لقوات المحور فى العلمين. كما تسربت أنباء عن اتصالات سرية بين الملك فاروق والألمان، استعدادًا لدخول الألمان مصر. وأحست بريطانيا بالخطر الشديد، لا سيما أن مصر- من وجهة نظر بريطانيا- لا تطبق بجدية بنود معاهدة 1936 للتحالف المشترك بين مصر وبريطانيا. هنا قرر المعتمد البريطانى ضرورة مجىء مصطفى النحاس وحزب الوفد إلى مقاعد الوزارة، لتنفيذ التزامات المعاهدة، لا سيما أن النحاس هو من وقع المعاهدة فى عام 1936، كما أن الوفد كان مع الحلفاء من أجل نصرة معسكر الديمقراطيات، ويعادى المحور لطابعه النازى والفاشى. كما أن النحاس- من وجهة النظر البريطانية- هو الوحيد الذى يستطيع الوقوف فى وجه ميل الملك فاروق إلى المحور. وكانت آفة السياسة المصرية آنذاك -للأسف الشديد- الصراع بين الملك والوفد على من يحكم مصر ولذلك رفض الملك قبول «النصيحة الإنجليزية» بمجيء النحاس على رأس وزارة وفدية، ولم يفهم أن فى عرف السياسة الإنجليزية، ولا سيما فى أوقات الحرب، أن النصيحة ملزمة. وعلى ذلك تحركت القوات البريطانية من معسكراتها فى القاهرة لمحاصرة قصر عابدين، وسلم السفير البريطانى الملك فاروق «إنذارًا» بضرورة الموافقة على تولى النحاس والوفد تشكيل الوزارة، وإلا كان الرد الثانى هو عزل بريطانيا للملك فاروق نفسه. وهنا اتسم موقف الملك فاروق بالحكمة السياسية، وذلك بفضل دهاء مستشاريه، وقبل مجىء النحاس للوزارة، وإلا كان سيعزل، كما عزلت بريطانيا شاه إيران للأسباب نفسها تقريبًا. ويتهم البعض النحاس بأنه وصل لمقاعد الوزارة على ظهر الدبابات البريطانية والحق أن موقف النحاس اتسم بالواقعية السياسية، فإذا رفض النحاس سيأتى الإنجليز برئيس وزراء آخر، نظرًا لصعوبة موقف المعارك الحربية. كما أن الوفد كان يؤمن بأنه ممثل الأمة المصرية، وأنه أُبعِد من قبل عن الحكم، وتم تزوير الانتخابات، وبالتالى فإن عودته للحكم من جديد أمر طبيعي. ومن ناحية أخرى كان النحاس فى نهاية الأمر بمثابة المعادلة الصعبة، وإلا وصلت الأمور فى مصر إلى ما لا يُحمد عقباه.. لكن من ناحية أخرى استخدم حادث 4 فبراير فى الدعاية المضادة ضد الوفد، وبالقطع ترك ذلك آثارًا سيئة على مساحة شعبية الوفد، واقتطع منها بعض الشىء. 22 فبراير 1958 عيد الوحدة يوم من الأيام المهمة والمثيرة ليس فقط فى تاريخ مصر، بل وفى تاريخ العالم العربي، والشرق الأوسط كله، يوم إعلان الوحدة بين مصر وسوريا، وقيام «الجمهورية العربية المتحدة»، حيث أصبحت سوريا بمثابة الإقليم الشمالى، ومصر الإقليم الجنوبى. وأشعل هذا الحدث خيال الكثير من العرب، وأن هذا الأمر بداية للوحدة العربية الكاملة، والدولة العربية الواحدة.. والحق أن جمال عبد الناصر كان مترددًا فى البداية فى الموافقة سريعًا على هذه الوحدة، لإدراكه الصعوبات المحلية والإقليمية والدولية تجاه ذلك. لكن الإصرار السورى، أشعل حماس الحلم لدى الجميع. والجدير بالملاحظة أن كلتا القوتين العظميين، أمريكا والاتحاد السوفيتى كانا ضد هذه الوحدة لأسباب متباينة. وكانت معظم الأنظمة العربية المجاورة متحفظة تجاه هذه الوحدة، إن لم تكن ليست معها. كما كانت القوى الإقليمية مثل تركياوإيران، وبالقطع إسرائيل، على عداء مع هذه الوحدة، والدولة الوليدة «الجمهورية العربية المتحدة». ومن ناحية أخرى وعلى المستوى الداخلى، ورغم حماس الشعبين المصرى والسورى، لم تراع نظم الإدارة تاريخ وخصوصية كل بلد، وأدت سياسة الكل فى واحد، إلى تذمر فى الإقليم الشمالى، سوريا، دعمته بعض القوى الإقليمية، وسرعان ما حدث الانفصال وتهاوى حلم «الوحدة العربية»، نذيرًا بفشل كل مشاريع الوحدة بعد ذلك، لكن تبقى سوريا فى قلب كل مصرى حتى الآن، وكذلك مصر فى قلب كل سوري.