في أروقة معرض القاهرة الدولي للكتاب، وبين زحام القرّاء وطوابير التوقيع، بدا الروائي الجزائري الكبير "واسيني الأعرج" متفائلًا بحيوية المشهد الثقافي، رافضًا مقولة "زمن القراءة انتهى"، ومشغولًا في الوقت نفسه بأسئلة أعمق تخص النقد الأدبي، وصناعة النشر، وترجمة الأدب العربي، ووهم الجوائز. جاءت زيارته للقاهرة هذا العام محمّلة بندوات فكرية وتوقيع أحدث أعماله الروائية "مستر ولا شي مأدبة جائزة نوبل الأخيرة "، الصادرة فى مصر عن دار دوّن للنشر، وهي رواية ساخرة تمسّ واحدة من أكثر مناطق الحلم الأدبي حساسية: جائزة نوبل. وتحدث "واسيني" عن ظروف كتابتها في شكل كوميديا سوداء تضحك من يقرأها بمرارة واصفة وضعاً معقداً، كيف سيكون مصير بطلها "نوفل ولاشي"؟ أي قدر ستحمله له مهمة الترشح لنوبل؟ وماهي المسافة الفاصلة بين الحلم والوهم؟، حول قضايا عديدة جاء هذا الحوار: اقرأ أيضًا | حضور مليوني بمعرض الكتاب يفجِّر جدل الحضور المشرف.. ماذا يقرأ المصريون في 2026؟ كيف ترى معرض القاهرة للكتاب، وما برنامج زيارتك هذا العام؟ يكفي أن تنظر إلى حركة الجمهور في معرض القاهرة للكتاب حتى ترد على مقولة: "إن الناس لم تعد تقرأ" صحيح أن هناك نقص في معدلات القراءة في العالم العربي، لكن ما نراه هنا وكذلك في معارض الجزائر وغيرها يدل على وجود حركية حقيقية حول الكتاب. ويضيف: أن برمجة المعرض هذا العام كانت لافتة، خصوصًا اختيار نجيب محفوظ ليكون الضيف الدائم على مدار أيام المعرض؛ وقد دارت نقاشات حول أعماله ومنجزه الروائي. شاركت في إحدى الندوات حول التجديد السردى في عالم نجيب محفوظ، وذكرت أنه يجب أن نعيد النظر في التصنيفات التاريخية وفي التقسيمات النقدية لعبد المحسن طه بدر، ومحمود أمين العالم وحمدى السكوت وغيرهم الكثيرون ممن تناولوا أعمال نجيب محفوظ ويجمعون على تقسيمها إلى ثلاث مراحل وهى: المرحلة التاريخية المربوطة بالنص القديم من الثقافة الفرعونية إلى آخره، ثم النص الواقعي الذي صاحب الثلاثية، والجزء الثالث وهو النصوص الفكرية التأملية، هذا تقسيم مدرسي لا يسمح برؤية اللحظة التي جدد فيها نجيب محفوظ؛ لذا يجب أن تكون التصنيفات على أساس المضامين فتكون تصنيفات جمالية، وتخيلية، لنعرف كيف عمق نجيب محفوظ المخيال الأدبى، من المخيال الشعبي إلى المخيال الدهني الذى لا ينفصل أيضاً عن المخيال الواقعي، فى الحقيقة كانت مناقشات على مستوى عال. سخرية من وهم نوبل أما بالنسبة لزيارتي فبالإضافة للمشاركة فى الندوات، هناك أيضاً توقيع لروايتى الجديدة "مستر ولا شي"، وهي رواية لها عنوانين: "مستر ولا شي" ويشير إلى شخصية "المستر" الذى ليس له وزن أو قيمة، أما العنوان الفرعي "مأدبة جائزة نوبل الأخيرة" فهو يشير إلى المأدبة المعروفة عن جائزة نوبل، ففى المساء يقيم الملك مأدبة عشاء للفائز يحضرها مثقفين وأدباء، وتدور الرواية حول حلم الفوز بجائزة نوبل من خلال شخصية البطل "نوفل آل فريد" وهو كاتب محلى بسيط، لكنه يعيش وهم الفوز بالجائزة الكبرى، عندما يخبره صديق له: اسمك نوفل آل فريد قريب من "نوبل". من هنا تتسلل الفكرة إلى رأسه، ويتحول الحلم إلى هوس ويبدأ في العيش داخل وهم الجائزة. ويضيف "واسينى": أردت أن أقول فى النهاية أن الجائزة جميلة، لكن الكاتب شخص مبدع يناضل من أجل القيمة، لا يغير المجتمع ولا يملك دبابات ولا طائرات، بل ينتج قيمة. هذه القيمة تمر عبر القرّاء والمجتمع، وعندما يتعلق الأمر بالجائزة يصبح الهدف هو "البريستيج" فقط. الرواية فيها قدر من السخرية. ما العوائق التي تقف في طريق فوز أدباء آخرين غير نجيب محفوظ بهذه الجائزة؟ أولاً المجتمع العالمي تغير لم يعد كما كان في فترة نجيب محفوظ، لم تعد هناك تجاذبات يعني بين الشرق والغرب وحسابات إلى آخره، الرجل بالتأكيد يستحق الجائزة، وقتها كان المناخ العام يسمح بأن يفوز عربى بالجائزة. الآن، انهارت صورة العربي المسلم وأصبحت رديف للإرهابي، بالإضافة إلى أننا لا نعرف كيف ندافع عن أدبنا، ليس لدينا ترجمات، لا قيمة أن نترجم إلى اللغة الإنجليزية سواء فى مصر أو الجزائر دون أن يكون ذلك مع دور نشر عالمية كبيرة، ويكون ذلك من خلال الأفراد والمؤسسات أيضاً، انظر مثلاً كيف أوصلت أمريكا اللاتينية أدبها إلى فرنسا عن طريق هيئة هى التى تبنت النصوص وترجمتها فى قلب فرنسا ونشرتها فى أكبر دور النشر الفرنسية وبالتالى قرأها الناس وتعرفت على هذا الأدب. هذه اللقطة تأخذنا إلى أزمة صناعة النشر في عالمنا العربي، ما رأيك؟ بالفعل هناك أزمة، الآليات مفقودة، الكتاب ينشر جيداً، ونقول بأن الناشرين يبذلون جهودا كبيرة وأصبحوا محترفين تقريباً في مجال النشر، لكن ينقصنا أنه لا يكفي النشر، بل يجب الاهتمام بالدعاية والتوزيع والتسويق أيضاً، لأنه لا يعقل أن الكتاب فى الدول العربية لا تصل أرقام توزيعه إلى 100 ألف أو أكثر. هل تعتقد أن هناك أزمة بين الشمال والجنوب في حركة الترجمة؟ لدينا مؤسسات كبيرة تترجم إلى اللغة العربية، بعضها خليجى، ويتم ضخ أموال ضخمة فى هذا الاتجاه، وهذا جيد لأننا نتعرف على الأدب العالمى مثل اليابانى والصينى والهندى، لكن؛ هل ننفق مثل هذه الأموال لترجمة الأدب العربى إلى اللغات الأخرى، لا يحدث!، إذن كيف تحب أن تصل إلى الآخرين؟. يجب أن تذهب إلى بيتهم تطبع وتنشر وتترجم وتوزع عندهم، فالكتاب الفرنسى مثلاً ينشر فى فرنسا ويجب أن ينشر أيضاً فى أكبر دور النشر بأمريكا وبريطانيا، لذا يجب أن ننفق الأموال نحن أيضاً حتى تصل النصوص الأدبية العربية وهى ذات قيمة عالية إلى القارىء. هل تعتقد أن فن الرواية سيظل الأقوى والأفضل بين فنون الإبداع الأخرى؟ تظل الرواية الجنس الأدبي الأقدر على الاستمرار؛ فهى قادرة على استيعاب أشكال فنية متعددة داخلها: الشعر، المسرح، الفلسفة. لهذا لديها قدرة على الديمومة. قد تميل أحيانًا نحو الشعبي، وهذا ليس عيبًا في حد ذاته، بل مرحلة يمكن أن تتطور. من الكاتب الذى تفضل القراءة له فى العالم العربى؟ يقول: رغم أهمية التجارب الجديدة، لكني ما زلت مولعاً بقراءة نجيب محفوظ؛ أمس اشتريت كتابين له، "رحلة ابن فطومة"، و"ليالي ألف ليلة" هذا الرجل عظيم يطرح القضايا الكبرى الحساسة ويحلل "أنتروبولوجيا" النظام والسلطة في العالم العربي وغيرها من القضايا، لكن بالطبع أقرأ للكثير من الكتّاب المصريين سواء من فازوا بالبوكر أو من لم يفوزوا. بهذه الرؤية التي تجمع بين النقد والسخرية والقلق على مصير الأدب، يواصل "واسيني الأعرج" الدفاع عن قيمة الكتّاب، مؤكدًا أن المعركة الحقيقية ليست من أجل الجوائز، بل من أجل بقاء الأدب فعلًا حيًا في وجدان الناس. شرح صور: الروائى الجزائرى الكبير "واسينى الأعرج" غلاف رواية "مستر ولا شي" الروائى الجزائرى الكبير واسينى الأعرج أثناء حواره مع سيد على