استقرار أسعار الحديد ومواد البناء بأسواق أسوان اليوم السبت 10 يناير 2026    فنزويلا تعلن عودة ناقلة النفط "مينيرفا" إلى مياهها الإقليمية    مصر للطيران تعلن تعليق رحلاتها من وإلى أسوان وأبو سمبل| إيه الحكاية!    أخطر مما تتصور وغير قابلة للعلاج، تحذير هام من الاستخدام اليومي لسماعات الأذن    من الشمال إلى جنوب الصعيد، الأرصاد تحذر من 4 ظواهر جوية تضرب البلاد اليوم    المركزي للإحصاء يعلن اليوم معدل التضخم في مصر لشهر ديسمبر 2025    انتهاء أعمال الصيانة وعودة ضخ المياه تدريجيًا لمناطق الجيزة وقرية البراجيل    مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو لإجراء تحقيق في أحداث الاحتجاجات بإيران    الشوط الأول:؛ دون تشويش بث مباشر.. مباراة الجزائر × نيجيريا | Algeria vs Nigeria في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    17 مكرمًا و15 عرضًا مسرحيً| اليوم.. انطلاق الدورة السادسة لمهرجان المسرح العربي بالقاهرة    بداية ساخنة ل2026.. دخول الذكاء الاصطناعي كل أركان صناعة الترفيه    مجمع البحوث: 90% من المتسولين لا يستحقون الصدقة    هل يجوز قتل القطط والكلاب الضالة؟ دار الإفتاء تحسم الجدل    تحذير أزهري: التنجيم والأبراج كهانة معاصرة تهدم الإيمان وتضلل العقول    تعرف علي القنوات الناقلة والمفتوحة لمباراة مصر وكوت ديفوار    رحلة شاقة تبدأ قبل العام الجديد ب10 شهور.. البحث عن مدرسة    الصين ترد على افتراءات وزير بإقليم "صومالي لاند": مهما فعلتم لن تستطيعوا تغيير الحقيقة    تحالف ثلاثي، رئيسة فنزويلا المؤقتة تكشف نهجها لمواجهة "العدوان الأمريكي"    منتخب مصر يختتم استعداداته لمواجهة كوت ديفوار.. وتريزيجيه يشارك في التدريبات الجماعية    «سيادة جرينلاند».. تدفع أوروبا إلى التكاتف ضد ترامب    تسلل الرعب لصفوف الجماعة.. حملة اعتقالات في تركيا لعناصر إخوانية مصرية    العريس فر بعروسته.. بعد قتله طفلة أثناء الاحتفال بفرحه    القتل باسم الحب.. رفضها لابن عمها ينتهي بمقتل حبيبها بطل الكارتيه    الصحة توفر الأمصال العلاجية مجانًا عبر مستشفياتها ووحداتها الصحية    وزير الخارجية الفرنسي: من حقنا أن نقول لا لواشنطن    «الأعلى للإعلام» يحذف حلقة برنامج شهير لمخالفته لمعايير حماية الطفل    مصرع شخص أصيب بحجر طائش أثناء مشاجرة بين طرفين بقليوب    السكوت عن الدجالين جريمة| محمد موسى يفتح النار على «دكاترة السوشيال ميديا» المزيفين    شرخ فى الجمجمة.. تفاصيل واقعة سقوط قالب طوب على طفل 14 عاما في شبين القناطر    الخطيب: نبنى بيئة أعمال تنافسية تحفز القطاع الخاص.. وتجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة    مصلحة الجمارك تطلق منظومة شكاوي الجمارك المصرية عبر الإنترنت    زياد ظاظا: «يزن» يشبه جيلى.. والتمثيل حلم لم يسرقه «الراب»    بعضًا من الخوف    كأس عاصمة مصر – الثانية للأبيض.. مصطفى شهدي حكما لمباراة الزمالك ضد زد    صلاح يطارد دياز، ترتيب هدافي كأس أمم إفريقيا 2025    أمم إفريقيا - أزمات نيجيريا في البطولات الكبرى لأنهم "على دراية بالتاريخ"    وزير الزراعة: سعر الكتكوت ارتفع من 8 ل35 جنيهًا وكلا السعرين غير عادل    «المالية»: تحقيق فائض أولى 383 مليار جنيه خلال 6 أشهر    المهلبية بالبسكويت.. حلى سهل بطعم مميز    "أنا مش عارف أشتغل".. محمد موسى يهدد بإنهاء الحلقة بعد خناقة على الهواء    المطرب شهاب الأمير يشعل استوديو "خط أحمر" بأغنية "حد ينسى قلبه"    المطرب شهاب الأمير يفتح النار على أغاني المهرجانات: ليست فنًا حقيقيًا    مسؤول سابق بالبنتاجون: ترامب يعتبر نفسه رئيسًا فوق القانون    سيدتان تقتلان سيدة مسنة لسرقة مشغولاتها الذهبية بالفيوم    أوضاع مأساوية في جنوب كردفان... 300 ألف شخص يعانون نقص الغذاء بسبب الحصار    موعد مباراة الجزائر ونيجيريا في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 والقنوات الناقلة    كونسيساو يشيد بأداء الاتحاد في رباعية الخلود ويرفض الحديث عن الصفقات    شعبة مخابز الدقهلية تؤكد التزامها بمواعيد العمل الرسمية    أول امرأة تتقلد المنصب، المستشارة يمني بدير مساعدًا لرئيس هيئة قضايا الدولة    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    التركيبة الكاملة لمجلس النواب| إنفوجراف    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    حافظوا على وحدتكم    إعلاميون: أمامنا تحدٍ كبير فى مواجهة الذكاء الاصطناعى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سؤال أجاب عنه كتاب ومثقفون : ماذا قدمت ثورة يوليو للثقافة ؟
نشر في نقطة ضوء يوم 10 - 08 - 2012

رغم مرور 60 عاماً على ابتلاج ثورة يوليو إلا أنها تعد الثورة العربية الأم في العالم العربي - بحسب شهادات المؤرخين- كما كانت الثورة الفرنسية في حينها وإلى الآن تعد (أم الثورات) وكما أثرت تلك الثورات على شكل الحياة السياسية، انعكس تأثيرها أيضا، على مجالات الحركة الثقافية والفكرية والنقدية بشكل مباشر، فهناك علاقة وطيدة بين الثقافة والسياسة، لقد كتب المؤرخ عبدالرحمن الرافعي عن ثورة يوليو قائلاً " ميزة هذه الثورة أن القائمين عليها رجال ذو عقيدة وإيمان، متفاهمون، متقاربون، وكلهم من بيئة واحدة، وقد استمروا في اتحادهم، وتضامنهم، لم تفرق بينهم الأحداث والنزاعات الشخصية، وثمة ميزة أخرى، وهي أنهم لم يكونوا من قبل أعضاء في حزب سياسي، فساروا في الثورة مسيرة قومية، ولم يتأثروا بالأهواء الحزبية، أو العصبية، وكان ذلك من سداد الرأي، وعلامات التوفيق" .
" كان الكثيرون من مفكري العلوم الاجتماعية يعتبرون ثورة يوليو 1952 الحلقة الثالثة من حلقات الثورة الوطنية المصرية في العصر الحديث، لكن أحدا لم يعتبرها الحلقة الأخيرة، بسبب النقص الجوهري الذي لم تحققه الثورة، ونعني الديمقراطية، وهو المبدأ الذي كان يقتضي ثورة «أو حلقة جديدة» رابعة من حلقات الثورة الوطنية الديمقراطية المصرية، وهذا ما حدث في ثورة 25 يناير 2011، التي كان شعارها الأول «الحرية" .. هكذ قال الكاتب والشاعرالراحل حلمي سالم .. ويرى أيضا أن ثورة يوليو 1952 – من الزاوية الثقافة – كانت نقلة كبيرة في مسار التطور السياسي الاجتماعي الثقافي المصري والعربي على السواء، إذ كانت بؤرة لمجموعة من الثورات والاستقلالات والانقلابات الوطنية في العالم العربي، سبقتها أو لحقتها بقليل، مثلما وقع في سورية والعراق ولبنان قبل 1952، وفي الجزائر والسودان بعد 1952 ومن هذه الزاوية نقول: شكلت ثورة يوليو 1952، إذن، قوة دفع هائلة لنشوء ونمو وصعود حركة الثقافة العربية ، بما رفعته الثورة من شعارات وتوجهات وإجراءات تجاه حرية الوطن وكرامة المواطن والعدالة الاجتماعية ومقاومة المستعمر والمحتل، وتذويب الفوارق بين الطبقات والانحياز إلى البسطاء، وإعلاء «القومية العربية»، والتقدم والاشتراكية، ورفض الاستغلال والإقطاع والاستعباد، وغير ذلك من قيم وأهداف ورؤي، رأى فيها شعراء التجديد القادمون تجسيدا لأحلامهم أو تشكيلا لها، بما يستجيب لأشواق هؤلاء الشعراء الذين يريدون تحطيم الأطر القديمة وخلق أطر جديدة، من الحرية والعدل والتقدم والفكر، علي الأصعدة جمعاء.
وأضاف سالم : كان حضور ثورة يوليو في ثورة يناير متنوعا: صور ناصر «مع رموز الثوار العالميين كجيفارا» ترتفع في المظاهرات والمسيرات والمليونيات، ناصريون يشاركون في الثورة «بل إن واحدا من أبرز الرموز الناصرية، هو أيضا واحد من أبرز رموز يناير 2011، وتقصد «حمدين صباحي»، الأناشيد والأغاني التي صنعت في الخمسينيات والستينيات تحية لثورة يوليو أو تجسيدا لها، هي التي تنطلق في ميدان التحرير وفي مقار الأحزاب، لاسيما حينما يقول عبدالحليم حافظ بكلمات صلاح جاهين ولحن كمال الطويل:
" صورة، كلنا كده عايزين صورة
صورة للشعب الفرحان تحت الراية المنصورة
صورنا يا زمان
واللي حيخرج من الميدان
عمره ما هيبان في الصورة "
كانت ثورة يوليو تطوف بالوجدان، إذن، كلما هتف متظاهرو يناير 2011 للعدالة الاجتماعية، متذكرين سعي "ناصر" لتذويب الفوارق بين الطبقات، وكلما هتفوا للكرامة الإنسانية، متذكرين العزة الوطنية التي غذاها ناصر في المصريين ؛ بل إنهم كانوا يتذكرونها كلما هتفوا للحرية، لأن الحرية كا نت هي النقيصة الكبري لثورة يوليو، وهي كعب «أخيل» الذي انضربت منه الثورة كلها، فكأن متظاهري 25 يناير 2011 كانوا يريدون أن يسدوا نقص يوليو 1952.
انحياز للثورة
كاتب الدراما محفوظ عبدالرحمن يقول : يسألنى أحدهم لماذا انحزت بعد ذلك إلى ثورة يوليو؟ أقول له مازحاً: بضدها تعرف الأشياء، لكنني أتذكر أيضاً عندما بدأت أسافر منذ السبعينيات فأرى صور عبدالناصر في شرفات بيوت أحد بلاد الخليج، ويحكي لى بفخر مواطن بلد آخر أن عبدالناصر زارهم واكتشف أن طائرة عبدالناصر توقفت فى المطار للتزود بالوقود، وفى قبرص أشتري أنا والأولاد ملابس ويرفض صاحب المحل أن يأخذ ثمنها لأننا من بلاد ناصر، وفي اليونان ألتقى في الفندق بيونانى كان يعيش فى الإسكندرية يقول لي إنه لم يتح له أن يقابل عبدالناصر أبداً، لكنه اضطر أن يحكي لأهله وجيرانه عنه حتى يكسب تقديرهم، ويوناني آخر قابلته في الدوحة وهو أحد مديرى سلسلة فنادق كبرى ليقول لى إنه يملك مقبرة فى الإسماعيلية أوصى أن يدفن بها.
ولكنها كانت إحدى المرات النادرة التى تطابقت فيها مصر والسلطة، فى عهد محمد على باني مصر الحديثة امتلك كل أراضيها، وأصدر أمراً بعدم ضرب أولاد البلد - أى من ليسو أتراكاً أو أوروبيين - بالكرباج والاكتفاء بضربهم بالمركوب «الحذاء»! ومحمد توفيق عندما ثار أحمد عرابي وزملاؤه وقرروا أن يحكموا البلاد حسب القواعد الحديثة استجار توفيق خديو مصر بالدولة العثمانية وبالإنجليز؛ حيث بدأ احتلال ناضل ضده مصطفى كامل وثار ضده سعد زغلول، وأنهاه جمال عبدالناصر.
ويؤكد محفوظ عبد الرحمن : نحن الآن بحاجة إلى الثورة ومبادئها أكثر من أي وقت مضى، لأنها أحست بنبض الجماهير وانعكس ذلك على الكتابات والآراء وعلى الحركة الأدبية والفكرية، ولو كانت الثورة موجودة إلى الآن لتغير الكثير، خاصة في الاهتمام بقضايا العدالة الاجتماعية فالشعب المصري مطحون مادياً، ولا تعبير عن ذلك إلا من خلال الأعمال الفنية والأدبية التي تناقش ذلك، فأين هي الآن؟
أما الروائي بهاء طاهرفيقول: لقد مرت سنوات عديدة على قيام "ثورة يوليو" والمطلوب الآن استخلاص الدروس المستفادة من هذه الثورة من دون الإنحياز إلى عصر بعينه، وثورة يوليو كانت لا بد أن تقوم بسبب الأوضاع المتردية التي وصلت إليها البلاد على كل المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وقبل الثورة كانت مصر عبارة عن عزبة بسبب وجود الاستعمار ؛ وكان له أشكال عدة : استعمار إنجليزي وإقطاع وملكية وكلها قوي تنهش في الجسد المصري، وقد حققت ثورة يوليو ما يسمى بالعدالة الاجتماعية، وهو الشيء المنقوص قبل قيامها ؛ فقد عاش المصريون في ليبرالية منقوصة، ولنعلم أن مصر خاضت في تلك الفترة معارك ضد المحتل والاقطاع والرأسمالية والنظام الملكي .. وهنا كان للمثقفين دور في الوقوف بجانب الثورة. وفي فترة الستينيات حصل المثقف على حقه كاملاً في التعبير عن رأيه، ولكن كانت هناك نتيجة هي أنه من الممكن أن تدفع ثمن ذلك غالياً، بأن تجد نفسك في السجن أو الشارع، ولكن لا ننكر أن الثورة في عهدها شهدت مولد أعظم الأعمال الأدبية مثل : أعمال نجيب محفوظ ونعمان عاشور والفريد فرج ويوسف إدريس فكلهم خرجوا وتربوا في عهد الثورة.
وفي رأي بهاء طاهر أنه من الضروري الآن وضع رؤية متكاملة لتجاوز الواقع الذي نعيشه واستلهام ثورة يوليو وانجازاتها وتنفيذ هذه المبادئ بعد تطويرها حتى تتفتق واحتياجات الأمة العربية.
الهوية العربية
الناقد إبراهيم فتحي يقول: لاشك أن مابقى من ثورة يوليو ، هو الإحساس بالهوية العربية في المجال الثقافي ، ورغم كل التحولات مازال هناك شعور للمثقف المصري بانتمائه إلى ثقافة عربية متميزة وأصيلة ، .. وهذا الاحساس لا يقلل من الوطنية المصرية ، بل هناك تناسب بين احساس المثقف بهويته العربية ، وانتمائه إلى الشخصية المصرية ، ومعظم المثقفين يعتبرون أن العامية المصرية لهجة من الفصحى ، باستثناء أصوات خافتة قليلة العدد .
ومن الآثارالباقية لثورة يوليو والتي تهم المثقفون العرب، هو خصوصية الرواية العربية ، وخصوصية الشعر العربي ، والتي تقرب المثقفون من بعضهم البعض ، بالإضافة إلى المؤسسات الثقافية ، التي أنشئت في هذه الفترة مثل الكونستفوار والبرنامج الموسىقي ، والبرنامج الثقافي ، وسلاسل الهيئة العامة للكتاب ، والهيئة العامة لقصور الثقافة كلها ما تزال قائمة ، وتقدم - رغم كل السلبيات - الكثير للثقافة المصرية والعربية ، ولا تنسى المجلس الأعلى للثقافة ودوره في الاسهام بإثراء حركة الترجمة والانفتاح على الثقافة الأجنبية وكلها إنجازات ثقافية من آثار ثورة يوليو، ولا تزال قائمة وتقوم بدورها حتى اليوم، والملاحظ هذه الأيام أن قضية العدالة الاجتماعية لم تعد تشغل بال المثقف ، فالاهتمام بالإصلاح الزراعي ، وحقوق العمال والفلاحين ، قد تراجع لطبيعة التحولات التي تمثلت في المرحلة الراهنة والتي تخص الانفتاح والخصخصة ، وللعلم أن المثقفين ليسوا من أنصار هذا الاتجاه، وهناك نغمة سائدة وسط النقد الحالي ، تتحدث عن خيبة الآمال في المشروع القومي ، والقومية العربية ، مما دفع المثقفين إلى الانكفاء على خبراتهم الذاتية ، بعد أن فقدوا الثقة في الشعارات السابقة والعمل الجماعي.
وهناك تصور خاطئ أن فترة الستينات ، كانت لجيل غير ناقد للأوضاع القائمة ، بل على العكس تماما ، كان ينقد الأوضاع قبل حدوثها ، ومعظم أفراد الجيل لم يكونوا صدى للشعارات الرسمية على الإطلاق ، فهناك كتاب ينتمون إلى اليسار ، ولم يوقفهم ذلك عن نقد التجربة الاشتراكية التي انتهجتها الثورة ، والدعوة إلى إطلاق حرية الفنان وحرية الأدب والابداع .
ويقول القاص سعيد الكفراوي: عندما جاءت ثورة يوليو ، كانت تجسيداً لحلم ظلت الحركة الوطنية تسعى لتحقيقه ، وكان على الثورة أن تستجيب لمجمل طموحات الحركات السياسية قبلها ، وبدأت الثورة تطرح صوراً لحركة ثقافية جديدة ومختلفة ، ومن ثم بدأت الاهتمام بالمسرح والسينما والكتاب ، وكان هذا بداية الخطأ العظيم ، فالهدف هو توظيف كل هذه الوسائط لخدمة أهداف الثورة والاشادة بمنجزات زعيمها الأوحد ، ومنذ بداية الستينات بدأ الاصطدام الحقيقي بالثقافة الحقيقية ، وبالمثقفين الفاعلىن ، فمن ثم غابت الدىمقراطية ، وتراجعت حرية التعبير ، وبدأت ثقافة معارضة تلجأ إلى الرمز وإلى التغطية ، أو إلى التعبير غير المباشر .. وظهر ذلك في المسرح ، وأدب نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ، وقصص يوسف إدريس ، حتى جاءت الستينات ، وكانت المعارضة أشد قسوة وضراوة من أبناء الثورة أنفسهم وتمثل ذلك في، أمل دنقل - يحيي الطاهر عبدالله - نجيب سرور - محمد عفيفي مطر وآخرين ، إذن ما نحن فيه الآن ، نتيجة لممارسات قديمة ، أضف إليها حقبة الانفتاح الاقتصادي ،والهزيمة العسكرية المروعة في 67، والتطبيع مع الآخر، ذلك فكك البنى الأساسية لإقامة مشروع ثقافي جماعي ، وتحولت الثقافة والابداع المصري إلى حالات فردية ، وبدلاً من كون المثقف يخلق الأزمة ، أصبح هو في أزمة.
النص وزمن ابداعه
الناقد المسرحي د. حسن عطية يؤكد أنه يبقى من ثورة يوليو أشياء كثيرة منها الفكر الثوري ، ورجال مازالوا يقودون الوطن، والأعمال المسرحية التي قدمها جيل ، كان يمثل هذه الثورة ثقافياً وإبداعياً مثل أعمال نعمان عاشور ، وسعد الدىن وهبة ، ومحمود دياب ، ونجيب سرور ، وغيرهم من الرموز التي منحت المسرح المصري مكتبة من النصوص الدرامية ، التي تعد ذخيرة أساسية للمسرح العربي كله ، ويبقي الأفلام التي مازلنا نتثبث بها ، ونعرضها في مناسباتنا القومية ، مثل الأرض والناصر صلاح الدىن ، والقاهرة 30 ، وغيرها من الأعمال السينمائية التي تشكل أهم مائة فيلم في تاريخ السينما العربية كلها .. ويبقى من الثورة التأكيد على أن الوطن لا يصنعه سوى شبابه ، وأن هذا الشباب لا يصنع إلا بالعلم ، ولذلك حرصت الثورة على تأكيد مبدأ العلم وأسست البنيات لهذا العلم ، وأبرزها في مجال الفن أكاديمية الفنون.
ويضيف د. عطية: يبقى من ثورة يوليو فكرة الوحدة العربية ، التي تقوم على أساس واحد ، وشعبه واحد ، وتاريخه وآماله واحد ، وقد كشفت السنوات الأخيرة ، على أن هذا الوطن قد تمزق وكاد أن يضيع بعد ابتعاده وانكاره لفكرة الوحدة العربية، وفي مجال المسرح - كظاهرة إجتماعية تعبر بالضرورة عن حركة الواقع ، حدث نوع من الارتداد وحدث انفصام بين الجيل الجديد ، والأجيال السابقة ؛ ولم يحدث التطوير الصحيح للمسرح ، وراحت الأجيال الجديدة ، تقدم مسرحاً منفصماً عن إبداعات الجيل السابق ، وعندما فكرت هذه الأجيال - مؤخرا - في تقديم أعمال الستينات ، لم تدرك جيداً علاقة النص بزمن إبداعه ، على سبيل المثال " ليلة مصرع جيفارا"..كان هذا النص يرتبط بحركة الواقع المصري والعالمي وقتذاك ، ويمهد لما عرف باسم "ثورة الشباب" عام 1968 ، خاصة وأن جيفارا هذا المناضل الثوري ، كان الشباب يعتبرونه - وقت ذاك - قدوة ومثالاً يحتذونه ، ويضعون صورة مكبرة له على حوائط حجراتهم ، بينما الشباب اليوم يضعون صوراً لمايكل جاكسون وعمرو دياب ، وبدلا من ارتداء ما هو مرتبط بما هو مصري،نجد شبابنا يرتدون (الفانلات) و(الكاسيكاتا) التي تحمل شعار وعلم الولايات المتحدة الأمريكية، وقد انعكس هذا الواقع المتردي على العرض المسرحي الجديد ، ويسري هذا على كل عروض المسرح المصري والعربي حاليا ، حيث تغيب النصوص القديمة عن التفاعل مع واقع مختل ، وفي نفس الوقت لا يخلق هذا الواقع أعمالاً مسرحية جديدة ، ويدعونا هذا إلى المطالبة بعودة الفكر الثوري الذي كان وراء قيام ثورة يوليو ، فنحن ندعو لعودة الفكر،لاعودة النظام الذي سارت عليه ثورة يوليو في ظروف منتصف القرن .
مجانية التعليم
د. محمد عناني أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة يرى أن الملمح الأكبر لثقافة الثورة هو مجانية التعليم والتوسع في التعليم العالي، هذا ما يعني أن الثورة فرضت التعليم خيارا محتوما لا غني عنه ووضعت خطة طموحا للبعثات العلمية كان من نتائجها غير المباشرة تكوين صف ثان من العلماء المصريين في شتي أنحاء العالم يرفعون اسم مصر عاليا، وكان المشروع الثقافي "العلم للجميع" الذي بدأ بمشروع نشر وترجمة الألف كتاب عام 1954 نهضت به الإدارة الثقافية بوزارة المعارف آنذاك، التربية والتعليم حاليا، أيضا من محاسن الثورة إحياء ثقافة الشباب.
وفي رأي الكاتب محمد السيد عيد أن المثقفين دائما هم الأصل في كل ثورة ؛ لأنهم هم الذين يتمردون على الوضع السابق للثورة..وينادون بالتغيير ويحددون ملامحه..وهذا ما حدث مع ثورة يوليو فقد حلم مثقفو مصر قبل قيامها بكل الأفكار التي تبنتها ونفذتها مثل مجانية التعليم والإصلاح الزراعي وبناء السد العالي ومقاومة الفقر والجهل والمرض وتحقيق العدالة الاجتماعية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.