تعتبر مسألة الدعم من المسائل التى يجب أن تدرس وتحلل من منظور شامل؛ لأن لها جوانب فقهية واجتماعية واقتصادية وسياسية، وفيما يتعلق بجوانبه الاقتصادية نجد أن له جوانب تتعلق بالأسعار وأخرى تتعلق بالكلفة، وجوانب تتعلق بالفقراء وأخرى تتعلق بالأغنياء, وجوانب تتعلق بالضروريات وأخرى تتعلق بالكماليات وهكذا، ويجب أن يُدرسا معًا فى ضوء أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، حتى يمكن بيان العلاج المناسب لها فى ضوء ميثاق العدالة الاجتماعية. وتتضمن البنود التالية الخطوط الرئيسية للمعايير والضوابط الشرعية لضبط وترشيد نفقات الدعم على المستوى القومى، وكيفية توصيل الدعم إلى مستحقيه ومنعه عن غير مستحقيه، وهذا ما سوف نتناوله فى هذه الدراسة. ما السلع والخدمات التى يجب أن تدعم فى ضوء الاقتصاد الإسلامى؟ من أهم السلع والخدمات التى يجب أن يوجه إليها الدعم لفئة الفقراء الذين هم دون حد الكفاية ما يلى: - السلع والخدمات ذات العلاقة بالحاجات الأصلية للإنسان من طعام وشراب وعلاج ومأوى وتعليم. - السلع والخدمات التى تقع فى مجال الضروريات والحاجيات التى دونها يهلك الانسان أو تصبح الحياة شاقة لا تحتمل. مفهوم نفقات الدعم فى الاقتصاد الإسلامى: يقصد بالنفقات فى الفكر الاقتصادى الإسلامى بأنها التضحية التى يضحى بها من أجل الحصول على سلعة أو خدمة أو أى شئ معنوى، لغرض توفير الضروريات والتحسينات اللازمة لحياة الفرد فى الدنيا وإشباع حاجاته الروحية، والمسلم بطبيعته فطن كيس، يحاول دائمًا أن يكون العائد من التضحية أعلى من قيمة التضحية ذاتها، فعلى سبيل المثال يسعى أن تكون قيمة الشىء المشترى أعلى من ثمنها، وهو المبلغ المضحى به، بمعنى أنه لا يقدم على الإنفاق إلا إذا كان العائد -سواء أكان ماديًّا أم روحانيًّا- أعلى من قيمة النفقة التى يدفعها. وتأسيسًا على ذلك، تتمثل نفقات السلعة أو الخدمة المدعمة التى تتحملها الدولة بأنها قيمة النفقات المضحى بها لإنتاجها أو جلبها والمحددة فى ضوء أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية. ويتمثل الفرق بين التكلفة الحقيقية للسلعة أو الخدمة المدعمة وبين سعر بيعها نفقة الدعم الذى تقدمه الدولة، وكلما كانت تكلفة السلعة أو الخدمة منضبطة ومرشدة كلما انخفضت نفقة الدعم. وتأسيسًا على ما سبق تتمثل نفقة الدعم على المستوى القومى بأنها قيمة النفقات التى تضحى بها الدولة فى سبيل خفض سعر السلعة والخدمات المدعمة، بهدف تخفيض العبء من على الفئة الفقيرة لتحقيق التنمية الاجتماعية، ويتمثل العائد من نفقة الدعم فى الإعانة غير المباشرة التى تعطيها الدولة للطبقة الفقيرة، أى بمقدار التخفيض الحقيقى للطبقة غير القادرة على دفع ثمن السلع والخدمات كاملًا. من هذا المنطلق تعتبر نفقة الدعم تضحية من الدولة للتخفيف من على الطبقة الفقيرة، فإذا لم يكن مقابلها عائد اجتماعى حقيقى، أى إذا لم يصل الدعم إلى الطبقة الفقيرة أو أنها آلت إلى الطبقة الغنية فكأن ما ضحت به الدولة من نفقات يمثل إهدارا للمال العام يجب تجنبه، أو أن الجزء الزائد عن الإنفاق الواجب أن يكون (نفقة الدعم النمطية) يعتبر أيضًا فى المنظور الإسلامى خسارة. آثار زيادة نفقات الدعم على الموازنة العامة: تؤدى ارتفاع نفقات السلع والخدمات المدعمة عما يجب أن يكون، إلى زيادة نفقة الدعم التى تدفعها الدولة وهذا يقود بدوره إلى عجز فى الموازنة العامة للدولة، ولا سيما إذا كانت الدولة تعانى أصلًا من عجز، وهذا يضطرها إلى إصدار نقود جديدة مما يؤدى إلى حدوث ضغوط تضخمية ينجم عن ذلك سلسلة من المضاعفات تتمثل فى الآتى: (أ) إثراء الفئات الغنية غير المستحقة للدعم؛ مثل التجار والوسطاء وأصحاب الأموال المستغلة فى الأنشطة المختلفة. (ب) نقص قيمة الدعم الذى يوجه إلى الفئات الفقيرة. وتقود هذه المضاعفات إلى زيادة الفجوة بين الطبقة الفقيرة والطبقة الغنية من ناحية، وإلى المطالبة بمزيد من الدعم، وهكذا تدور الدورة فى مضاعفاتها وهذا حدا بفريق من رواد الاقتصاد الإسلامى بضرورة اتباع منهج الدعم الداخلى بدلًا من منهج الدعم السعرى، ولا سيما أن الأخير لا يساعد على ضبط التكلفة والحد من الاستهلاك، بل فى معظم الأحيان يشجع على الاستهلاك. المعايير الشرعية لضبط وترشيد نفقات الدعم: يحكم ضبط وترشيد نفقات الدعم المعايير الشرعية التالية: 1- معيار الاستفادة وربط الإنفاق بالعائد، ويجب ألا يستفيد الغنى من الدعم, وتطهير نفقات الدعم من الإسراف والفساد المالى بكل صوره. 2- معيار المساءلة عن النفقات، ويقصد به تحديد المسئول فى كل موقع نشاط عن نفقات الدعم التى تسبب فيها، ومساءلته ومناقشته، وتقرير الثواب والعقاب إن تطلب الأمر. 3- معيار تجنب نفقات الإسراف والتبذير والضياع والانحرافات فى الدعم التى يمكن تجنبها, ومن آثار هذا المعيار ضبط الكلفة إلى أدنى حد ممكن، لا سيما أن المسلم يؤمن بأن الله سوف يجزيه خيرًا إن اقتصد فى الإنفاق ويعاقبه إن أسرف أو بذر. 4- معيار تجنب توجيه الدعم إلى السلع والخدمات الترفيهية التى لا يستفيد منها الفقراء والمساكين والمعوزين ومن فى حكمهم, بل يستفيد منها من لا يستحقون الدعم مثل الأغنياء ومن فى حكمهم. 5- معيار تجنب النفقات غير المشروعة مثل الفائدة الربوية والرشوة، حيث إن مثل هذه النفقات محرمة شرعًا. إن تطبيق المعايير الشرعية السابقة على كافة المستويات سوف يقود بالطبع إلى تخفيض كلفة السلع والخدمات المدعمة، وفى حال عدم تطبيقها يتحول الدعم إلى خسارة وإلى إهدار المال العام، حيث لا يستفيد منه المستحق بقدر استفادة طبقة الوسطاء والتجار والأغنياء والمحتكرين ذى النفوذ السياسى ونحوهم، ولقد سبق أن أشرنا إلى ذلك تفصيلًا, كما يؤدى تطبيق هذه المعايير إلى وفر فى موازنة الدعم والتخفيف من عجز الموازنة. الضوابط الشرعية لتوجيه الدعم فى الاقتصاد الإسلامى: يجب توجيه الدعم إلى السلع الضرورية؛ مثل الطعام والدواء والمأوى والتعليم والزواج، التى تدخل فى إطار مقاصد الشريعة الإسلامية، وهذا ما أشار إليه الأمام أبو حامد الغزالى المتوفى سنة 505ه، فى كتابه "المستصفى فى علوم الأصول"، حيث قسم الأولويات إلى ثلاثة مستويات هى: (1) حفظ الأركان الخمسة للحياة وهى الدين والنفس والعقل والنسل والمال. (2) صيانة الأركان الخمسة للحياة وتتمثل فى الحفظ وتجنب الهلاك التى تتمثل فى الضروريات. الخلاصة: نخلص من المعايير والضوابط الشرعية السابقة إلى ما يلى: تطبيق منهج الدعم الدخلى بدلًا من الدخل السعرى. تخفيض وضبط نفقات الدعم. توجيه نفقات الدعم إلى الضروريات والحاجيات ومنعها من الكماليات. توجيه نفقات الدعم إلى الفقراء والمساكين ومن فى حكمهم ومنعها عن الأغنياء ومن فى حكمهم.