1 - قالب المواطن الصالح تقول الميثولوجيا اليونانية إن «بروكرست» كان قاطع طريق، له طريقة عجيبة فى التعامل مع ضحاياه، فبعد أن يأخذهم إلى منزله، يكرمهم ويدعوهم إلى العشاء، يأكلون ما لذ وطاب، ثم ينامون فى سريره العجيب، وهو سرير يتسع لكل الأطوال، ويلائم كل الأجساد، فكان يربط الضحية صاحب الجسد القصير بشدة ثم يمط جسده رغماً عنه ليلائم طول السرير، أما أصحاب القامات الطويلة فكان ببساطة يبتر أقدامهم بالسيف ليتساوى طول الجسد مع طول السرير، ظل «بروكرست» يمارس هوايته العجيبة إلى أن نال جزاءه العادل على يد رجل آخر اسمه «ثيسيوس»، فوضع قاطع الطريق فى ذات السرير، وعندما اكتشف زيادة طول جسده قليلاً، قرر ببساطة أن يقطع رقبته. «بروكرست» أصبح مثلاً، وتناسخ فى مناحى الحياة، بات طريقة تفكير مصبوبة على قالب، تعرقل حياتنا، فى التعليم والطب والسياسة؛ هى طريقة حياة لمجتمعات متجمدة على «باترون» قديم. فطبيب الوحدات الريفية الذى اعتاد علاج مرضاه كلهم بكبسولات الإسهال، يصر على أنها علاج مريض بالكبد، لأنه لا يرى من بين الأعراض إلا ما اعتاد عليه، فينتقل من التشخيص المسبق الخاطئ إلى اكتشاف الأعراض، على عكس ما يسير عليه الطب المتقدم من دراسة الأعراض أولاً ثم التشخيص. فى السياسة، وضع الإخوان سريرهم، بكتالوج قديم من الكتب الصفراء، أصروا على ربط الدولة بحبال مؤلمة وشدها بعنف، لتطول مشروع الخلافة، فيما أشهرت السيوف لتقطع رقاب الحريات، وتداول السلطة، والفصل بين السلطات، هى دولة على مقاس مشروع التمكين، فيما يقف «الزمر» و«عبدالماجد» و«بديع» فى خدمة رغبات «الشاطر»، بعد أن يتفاوض مع ضحاياه على النوم الحرام. لكن كثرة الضحايا أسقطت السرير أرضاً. بعد يونيو يظهر سرير آخر، فلكى تكون وطنياً، على القالب الصحيح لك، عليك أن تنضم إلى جوقة «أبلة فاهيتا»، وتسلم بحديث مؤامرة ست البنات السورية التى تعرت فى التحرير، كى تشوه الجيش، حسب حديث مطرب العواصف الرعدية عمرو مصطفى. قالب على مقاس توفيق عكاشة، تتدنى فيه الوطنية لمرتبة الذهب الصينى، وينزل فيه معنى النضال إلى مستوى الجهاد بأغنية «تسلم الأيادى» أمام مسيرة إخوانية فى شوارع عين شمس. الثورة فى جوهرها لا تعنى النوم على سرير محدد المواصفات، يجبرك فيه مهووس أصولى على قطع أطرافك، ولا فاشى ساذج على قطع رأسك لتستغنى عن عقلك، بل تعنى اختيار سرير يلائم حريتك، أياً كان مقاسه ووضعيته. 2 - مظهر أفندى الثورى خطيب الثورة، هكذا اقتنص رجل اسمه مظهر شاهين لقباً فضائياً من ثورة يناير، بلا حيثيات عاقلة، كتلك التى قدمها مثلا عبدالله النديم قديماً ليحصل على لقب «خطيب الثورة العرابية»، فكان «النديم» موهوباً ومؤثراً، ودفع ثمن موهبته مطاردة وصعلكة، ومسحاً معرفياً لشوارع مصر. فيما قاد حظنا العاثر واعظاً بمسجد عمر مكرم إلى التحرير يوم 28 يناير، ربما دخل الحمام بعد الجمعة فقامت الثورة فركبها، ولم ينزل. وفى ركوبه استثمر سويعات التحرير فضائياً، وسياسياً، مرة بالبدلة وأخرى بالكاكولة، ليتحول الوعظ إلى نمرة فى حفل «أرتست» ثورى. ربما تسامح معه الناس كواحد من وجوه كثيرة اعتبرت يناير «دجاجة» قابلة لإعادة الطبخ من أجل مزيد من الحساء. وربما سامحوه أيضاً على نزواته الصغيرة وأبرزها مغازلة حكم الإخوان، والسعى برفقة عصام سلطان إلى مؤتمرات الترويج السياسى بدمياط قُبيل وقت يسير من ثورة ثلاثين يونيو. لكن خطيب الثورة، ربما أراد دوراً جديداً، فقرر أن يصبح مفتى الثورة الجديدة، فاختار الطريق القديم لفوزى السعيد، وطلعت عفيفى، ممن أفرطوا فى فتاوى، التنكيل بمعارضى «مرسى»، وصلت لدرجة إباحة القتل. «شاهين» اكتفى «بجواز تطليق الإخوانية»، وعندما اعترض أزهريون ومتخصصون فى الإفتاء، قال إن رأيه ليس فتوى، بل رأياً شرعياً، ثم أراد استنطاق منتقديه، أثناء لقائه مع وائل الإبراشى، فقال: «يعنى الواحد يروح بيته يلاقى مراته بتجهز مولوتوف، وبترقص على علم مصر، وبتتآمر على الجيش والشرطة ومايطلقهاش؟!». ما قاله «شاهين» يقع تحت بند المغالطة، أو بالتحديد ما يعرفه علم المنطق بمغالطة «إغفال المقيدات»، وتعنى الاستناد إلى استثناءات لتأكيد القاعدة، وهو ما يمكن دحضه بسهولة، فيرد عليه شخص ما ويقول امرأتى إخوانية ولا تتورط فى تصنيع مولوتوف، كما أن تصنيع المولوتوف يمكن أن تتورط أيضاً راقصات وبنات ليل وأى امرأة أخرى غير إخوانية. وهنا فالنوم فى سرير الإخوانية لا يمكن أن يصبح حراماً فى المطلق.