يظل زخم الأساطير اليونانية القديمة مشعا لا ينحسر إذ تحكي إحدي هذه الأساطير عن عملاق يدعي بروكروست كان لديه سرير حديدي يجبر كل البشر من المارة علي الرقاد عليه... فإن كانوا أقصر من السرير راح يمد أجسادهم مهما تخلعت حتي يصيروا بطوله وإن كانوا أطول منه قطع سيقانهم حتي يتساوي طولهم بمقاس السرير. ومدلول هذه الأسطورة يكشف عن موقف الخصام المبيت من العملاق تجاه فصائل البشر ورغبته في الهيمنة بضرورة انقياد واندحار البشر له تحت ضغط التماثل والمطابقة بالقوة والضعف والتشويه بحشرهم في سريره باعتباره القالب الذي يتصوره للبشر كل البشر مهما تعارضت خصوصياتهم وتنوعت كياناتهم وتباينت إذ نوازع التسلط والاستبداد والخصام والهيمنة لدي العملاق تنكر خصائص البشر بل أيضا لا يهمه ما ينتج من حشرهم وتقطيع أوصالهم إذ المهم أن يصبحوا وفقا لمقاييس سريره الذي عليه تتفكك تمقصلات البشر ويفقدون وجودهم دفعة واحدة من قبل إرادة القوة التي لا تريد غير ذاتها وتصوراتها كقطب يمارس تعجيز البشر وفق تصور معاودة تشكيلهم كي يتطابقوا علي مثال قالبه!.. هذا عن "بروكروست" الاسطورة اليونانية القديمة فماذا عن "بروكروست" القرن الواحد والعشرين الذي يشغل حاليا حيزا من الواقع بعد انفراده بأدوات "القطب الأوحد"؟! بداية يجب التنويه من خلال رؤيتنا الخاصة الي ان أحداث 11 سبتمبر لم تكن في حقيقة الامر هي وثيقة التبرير الجوهرية برغم تصنيفها "ارهابا" بل جاءت تلك الاحداث المؤسفة كأعظم العناصر المساعدة لتوطيد ودعم النوايا الامريكية المبيتة لدي "بروكروست" الامريكي لمداهمة الشرق الاوسط الكبير ومحاولة ترقيده علي "سرير بروكروست" وطبقا للمقاس "البروكروستي" الذي تم تجهيزه سلفا من قبل احداث 11 سبتمبر بعقد من الزمان علي اقل تقدير.. الا ان احداث 11 سبتمبر قد جاءت بالطبع بمثابة القوة الدافعة لتعجيل النوايا الامريكية "البروكروستية" التي بلورت فلسفة العملاق الامبراطوري الجديد في القرن الواحد والعشرين بحيث بات من المعلن ان كل من يرفض الرقاد علي السرير "البروكروستي" المعجزة فهو في نظر العملاق من "المارقين" وبالتالي لا يستحق عطف واحسان العملاق البروكروستي الامريكي الجديد مما يستوجب محاصرته جسديا لتقطيع اوصاله خارج حدود "السرير" او محاصرته ايديولوجيا لعزله عن المجتمع الدولي تحت كافة المسميات والمبررات التي ابتدعها العملاق الخارج من قمقم او مخاض انهيار منظومة توازن القوي العالمية بعد سقوط الهيكل السوفيتي في اسرع انهيار شهده القرن العشرين لاحد عمالقة القوة! وتأكيدا لحقيقة ان احداث 11 سبتمبر جاءت بمثابة العامل المعجل للنوايا "البروكروستية" الامريكية هو ما تم رصده من خلال اجتهادات "زيجنيو بريجنسكي" مستشار الامن القومي الامريكي السابق فيؤكد "بريجنسكي" في كتابه "الفوضي الاضطراب العالمي علي مشارف القرن الواحد والعشرين" حيث قام بتشخيص الاوضاع لمجموعة البلاد الاسلامية حيث قال: "إن العالم الاسلامي يتمتع بتوجه ديني" اكثر ترابطا وتوكيدا يولد نظرة دفاعية تهدف الي ابعاد التأثير الفاسد للغرب.. ويرفض "الاسلام" حالة "السيادة" التي يتمتع بها الغرب ويعتبرها في الوقت ذاته فاسدة فلسفيا ومستغلة اقتصاديا واستعماريا وسياسيا"!.. وعندما اعلن "بريجنسكي" تشخيصه لمنفرات العالم الاسلامي من الغرب عام 1993 تزامن اعلانه مع رواج فكرة "صدام الحضارات" التي نظر لها في ذات العام مقال شهير نشره "صاموئيل هنتجنتون" في مجلة "فورن افير" الاسبوعية.. وبريجنسكي ربط في تشخيصه لمنفرات العالم الاسلامي من الغرب، بمكر ودهاء السياسي بالمعتقد الديني كي يستوفي اكتمال شروط ضحية الصدام الحضاري بين المسلمين والغرب وساق تشخيصه بأن "علي الغرب ان يتفهم ان المليار مسلم لن يتأثروا بغرب يرونه مبشرا بقيم استهلاكية وفضائل لا أخلاقية وبركات الالحاد فرسالة الغرب لاسيما امريكا مرفوضة لدي كثير من المسلمين"! بهذا الافتراء البين والعاري من المصداقية والحق تجاه "الآخر الاسلامي" سوي الترويج لطرح التبريرات الامريكية لمنهجها الجديد للتعامل مع اي حضارة عريقة لا تتواءم من وجهة النظر المنهجية الامريكية مع الحضارة الامريكية العشوائية المفتقدة للجذور والتي قطعت اوصال وحضارة "الهنود الحمر" في اول صدام للحضارات في التاريخ منذ خمسمائة عام!.. لنجد السيد "بريجنسكي" يتواصل مع نفسه الشاردة والغارقة في عشق الهيمنة والتسلط علي الحضارات نجده هو ذاته الذي ردد عبارته الشهيرة: "إذا ارادت امريكا ان تسيطر علي الشرق الاوسط فلابد من "عثمنة الشرق الاوسط الكبير"!.. بمعني عودة الشرق الاوسط الي سالف عصره من الوهن والضعف في ظل الخلافة العثمانية التي اطلقوا عليها وقتها وصف "الرجل المريض" المترهل الابعاد والحدود والمسافات والذي ادي عجزه عن احتواء دويلاته في نهاية الامر الي تقسيمه وتوزيعه علي الغرماء او الاخوة الاعداء في ذلك الوقت بموجب اتفاقية "سايكس بيكو" عام 1920.. وبذلك يتوهم السيد "بريجنسكي" بعقليته السياسية المريضة العودة الي المربعات الاولي للمنطقة من منظور تاريخي بحت!.. وليكن ذلك تحت اي مسمي "صهيوامريكي" او "غربوامريكي" المهم ان يكون التقسيم النظري لسيادته محاكاة لزمن "سايكس بيكو" حتي تتمتع امريكا بالطبع بالنصيب الاوفر من "الضحية" او بعبارة اخري تكون هي العامل المشترك الاعلي لكل التوزيعات ان لم تكن متربعة علي قمة الهيمنة وهي تحمل سريرها "البروكروستي" المصنوع بمقامات امريكية بحتة يجب ضبطها علي اجساد الشعوب والحضارات التي يجب ان تخضع جميعها للهيمنة الامريكيةالجديدة او "الباب العالي" بواشنطن الذي انفرد باصدار "المراسيم" الامبراطورية! جنون العظمة وفلسفة القوة ليست لها اي حدود بعد ان حملت الامبراطورية الامريكية العظمي سريرها "البروكروستي" الديمقراطي الاعظم الي العراق وقامت بتقطيع اوصال الشعب العراقي وزرعت بذور الفتنة الطائفية في ارضه لخلق حالة من "الفوضي الهدامة" حتي توافق حالة الشعب العراقي مقاسات "السرير" البوشي فسقط العملاق في المستنقع العراقي وغاصت اقدامه في الرمال المتحركة العراقية وسط بركة من الدماء العربية رمز المقاومة التي صنفها الامبراطور البروكروستي "ارهابا" يجب القضاء عليه.. ولازال المشهد مستمرا.. ثم انتقلت الامبراطورية النيرونية الي فلسطين لتقويض حكومة "حماس" التي جاءت بديمقراطية لم تلق قبولا عند العملاق الذي استقر في وجدانه ان حركة "حماس" ارهابية منذ البداية.. واخيرا وبأسلوب مفضوح ومكشوف داهمت الامبراطورية "لبنان" عن طريق اسرائيل الصهيونية التي ترتكب ابشع جرائم الحرب ضد اطفال لبنان بالذات في اكبر وصمة علي جبين الانسانية وحقوق الانسان وحقوق الطفل العربي!.. فهل تحمل الامبراطورية المتسلطة سريرا من النوع البروكروستي مقاس اطفال لبنان لتقطيع اوصالهم واجسادهم تحت الانقاض علي مرأي ومسمع من العالم الصامت عن الحق؟! بات من الواضح ان الامة العربية بلا استثناء تواجه حربا شرسة بالوكالة في المنطقة من اجل اعادة تخطيط وترسيم خريطة الشرق الاوسط "الأعزل" الكبير لتسهيل مهمة ترقيده علي "سريرهم" البروكروستي المطعم بفصوص الديمقراطية الامريكية! هل بدأت المراحل العملية "الفوضي البناءة" التي اخترعتها الفاشلة "كونداليزا رايس" من اجل هدم الاصالة والجذور من اجل ظهور "كيانات" تتوافق مع نظامهم البروكروستي الجديد؟!.. والصمت العربي او صمت الحملان بات من اخطر الداءات التي اصابت الامة العربية في مقتل فهل النظام العربي اصابه "الدوار السياسي" تمهيدا للمرحلة السقوط الذريع في احضان ومقاسات سرير العملاق البروكروستي الامريكي من اجل تطبيق سياسة "الممطولية" Ductility بمعني الشد والفرد للجسد العربي للتوافق مع سياسات الآخر والا فتقطيع الاوصال عند اللزوم؟!.. هل اصبحنا ابنا الصمت؟!.. متي يقول الاعراب "لا" لبروكروست القرن الواحد والعشرين الذي احتجز ضمن سياساته امة بأكملها.. رهينة سياسية وايديولوجية" ثمنا لاحداث 11 سبتمبر؟!.. هذا هو السؤال..!! وكم اتمني الا يكون في ديواني القادم الأبيات التالية: فلا عزاء اليوم للسادة العربان...! فأعراب اليوم اختاروا مساكنهم.. داخل شرنقة الاكفان..! واعراب اليوم اختاروا مواقعهم خارج دائرة الزمان..! واعراب اليوم اختاروا حواراتهم