تحكى الأسطورة اليونانية عن كائن شرير غريب الأطوار فى صورة بشر يدعى «بروكرست»، كان يعيش فى بيت بالغابة، واعتاد استضافة المارين بها للمبيت على سريره الحديدى المفضل، وما إن يخلد الضيف للنوم حتى يبدأ صاحبنا فى ممارسة طقسه الدموى؛ فإذا كان الضيف أطول من السرير «النموذجى» باشر بقطع رأسه وساقيه، أما إذا كان أقصر جذبه من الناحيتين كى يتناسب مع طول السرير «المثالى» ألحت هذه الأسطورة على ذهنى منذ أيام وأنا أتفحص سريراً أنيقاً يجمع بين أصالة القديم ووظيفة الحديث بأحد فروع محلات «استقبال» التركية التى يملكها القيادى والاقتصادى الإخوانى المعروف خيرت الشاطر، على العكس من «بروكرست» لا يقبل الإخوان بالسرير التركى كما هو، بل يحاولون هم جذبه من بعض جوانبه أو استقطاع بعضها الآخر كى يلائم مقاسهم الخاص ؛ فالتدين لدى بعضهم لا ينبغى أن يظل عملية مجتمعية يقررها الناس بطريقة طوعية حيث «لا إكراه فى الدين»، بل يجب فرضه فرضاً باستصدار أحكام مباشرة من القضاء «الشرعى» حسب التفسير الذى يراه فقهاؤهم دون غيرهم، والدولة المدنية التى تضم مصريين من مسلمين ومسيحيين، وفصل الدين عن السياسة وخطورة استثمار الشعارات الدينية المباشرة فى مجرياتها هو أمر مرفوض من قبل بعضهم، يتم الالتفاف عليه «لغوياً» بتصدير شعارات مبتكرة وغير محددة لم تعرفها العلوم السياسية من قبيل «دولة مدنية بمرجعية إسلامية». أخيراً يختزل بعضهم النموذج التركى فى فكرة وصول حزب «إسلامى» للسلطة، متغافلين عن حقيقة أن حزب العدالة والتنمية هو حزب مدنى فى دولة ديمقراطية حديثة يحكمها دستور مدنى بالمعنى الحديث للكلمة. على الجانب الآخر، يتعامل المجلس العسكرى مع النموذج التركى بالطريقة نفسها -وإن من زاوية مختلفة- حيث يتم مط الدور المركزى للجيش فى إدارة الشئون الخارجية والداخلية للبلاد إلى أقصى مداه مع الإعلان الدستورى المكمل، مع تقليص متواصل لأدوار القوى السياسية المدنية -بما فيها الإخوان- لدرجة تعجيز البرلمان المنتخب وتقليص صلاحيات الرئيس المنتخب، فى مخالفة صريحة للنموذج التركى، وعندما يقترح المجلس العسكرى تأسيس مجلس للأمن القومى على غرار تركيا، لا يبدأ مما انتهت إليه تركيا الديمقراطية حيث تحول مجلس الأمن القومى فيها الآن إلى هيئة استشارية بأغلبية عددية من المدنيين، بل يصر مجلسنا العسكرى على أغلبية ساحقة للعسكريين فى المجلس المقترح، ويفسر ذلك ما أكده «ستيفن كوك» الخبير فى منطقة الشرق الأوسط من أن المجلس العسكرى طلب الترجمة العربية لدستور تركيا فى بداية انتقالها للديمقراطية الذى يرجع إلى عام 1982 وهو الدستور الذى اعتمده المجلس العسكرى التركى فى أعقاب الانقلاب العسكرى عام 1980 قبل نقل السلطة للسياسيين المدنيين، وهو الدستور الذى كان أعضاؤه العسكريون يشكلون الأغلبية على حساب أعضائها المدنيين، ويقيمه الخبراء كإعلان مؤكد على أن تركيا تحولت آنذاك إلى دولة عسكرية، إذ كان هذا المجلس التركى يشرف مباشرة على قطاعات الإعلام والنشر والسينما، ومعظم القطاعات الحيوية للدولة. وتعنى هذه الردة أن المجلس العسكرى فى مصر لا يريد للبلاد أن تنطلق بسرعة مستفيدة من آخر ما وصلت إليه تركيا الديمقراطية -وغيرها- من خبرة فى الانتقال الديمقراطى، بل يرى أن على مصر أن تبدأ من الصفر وببطء عبر مرحلة انتقالية طويلة وبطيئة وخطيرة، مما يعد نوعاً من التسويف السياسى للتسليم الحقيقى للسلطة للمدنيين، بغض النظر عن المهرجانات الرئاسية الحالية التى يخشى أن تكون مجرد تغطية إعلامية على مرحلة صعبة مقبلة.. فهل يتحمل المصريون المزيد من التوتر السياسى والقلق الأمنى والمعاناة الاقتصادية؟.. لا أظن.