إذا كان من العدل أن حاكمنا الرئيس مبارك بتهمة قتل المتظاهرين، لأصبح من الحق أن نُحاكم الرئيس مرسى بنفس التهمة.. ولو كان من المنطق أن حاكمنا مجموعة تسببت فى موقعة الجمل التى لم يسقط فيها قتيلا، لأصبح من البديهى أن نُحاكم اليوم رموز جماعة الإخوان بتهمة إراقة الدماء أمام قصر الاتحادية.. لو كان الكيل بمكيال واحد لأصبحت نقطة الدم التى تُراق دين فى رقبة الحاكم أيا كان توجهه أو دينه أو لونه.. فالعدل مسئولية الحاكم..
وإنى اليوم لأذكر د.مرسى بأنه كان رئيسا لحزب الحرية والعدالة حتى يوم 30 يونيه 2012 فقط، حيث كان مُتمتعا بتأييد مُطلق من جماعته، ولكن أصبح لزاما عليه منذ اليوم الذى بات فيه رئيسا لكل المصريين أن يستمع إلى نقد المُختلفين معه، ويتقبل آراء مُعارضيه.
حين قرر مرشد جماعة الإخوان تأييد ابن جماعته بمسيرة “الشرعية والشريعة” كان يريد فقط توصيل رسالة القدرة الإخوانية، وهى لا تخرج عن كونها رسالة الحشد والتمويل والسيطرة، لأن المليونية فى جوهرها لم تحمل أى من عقائد أو أحكام الدين الإسلامى، ولم تكن قائمة على أى أساس سوى البلطجة الكلامية والتعرض بالسب لرموز الإعلام والقضاء.. فسقطت عنها فكرة الشرعية وقيمة الشريعة..
وإذا بالإخوة الذين توهموا أنهم يحملون لواء الدين، يتوجهون فى الفجر لإرهاب القضاء فى حالة من الصمت الأمنى وغض البصر الشُرطى، فيحاصرون المحكمة الدستورية لمنع القضاة من الحكم فى قضية حل مجلس الشورى الباطل واللجنة التأسيسية التى سرقت دستور مصر فى ظلام الليل..
وأخيرا حانت لحظة سقوط الدولة، وبداية حرب الشوارع التى توقعها بالأمس كل صاحب رؤية، فبعد مليونية “الإنذار الأخير” التى وقفت فيها كل فئات الشعب وطوائفه متضامنة دون حشد ولا تغييب عقول ولا أتوبيسات ولا حتى قائد.. وقفة هتفوا فيها بما تجيش به صدورهم..
إنهم يهتفون برحيل الرئيس المنتخب، الرئيس الذى جاء به الصندق، ربما أخطأوا ولكنهم لا يشعرون اليوم سوى بالقهر والظلم وقسوة أن يُسلب الوطن من بين أيديهم.. .
جاء رد جماعة الإخوان وسط صمت مطبق من الرئيس، بحشد أبناء الجماعة بعد إقناعهم بأنهم ذاهبون للجهاد والفتح العظيم.. فخرج أصحاب اللُحى فى قطيع متوجهين إلى الاتحادية للفتك بالمعتصمين سلميا الذين أقر الرئيس لهم من قبل حق الاعتصام السلمى وسط وعوده الزائفة البائدة..
انطلق الإخوة حاملين الأسلحة لحصار المعتصمين وتحطيم الخيام بل والأدهى لضرب النساء!.. فكان سحل النساء والاعتداء على كل مدنى أعزل جزء من قصة الكفاح الدينى الغاشم..
ما رأيناه من حرب نشبت بين دولة انشطرت إلى نصفين بعصا رئيسها المنتخب، لم تكن سوى حرب شوارع تخفت فى رداء الغوغائية الكاذبة، وارتدت شعارات الزيف: “واسلاماه والله أكبر”.. .
وكأن الإخوان هبطوا من السماء لحماية ثورة لم يشاركوا فيها سوى بالبهتان والزور، أو كأنهم بعثوا بالإسلام على شعب يعبد الأصنام ويتضرع للات والعزى..
انسحبت الشرطة تماما من المعركة، وانزوت لتشاهد أوربما لتشمت!.. فى ظل حرب أشعلها الإخوان مستخدمين فيها قنابل الغاز والمولوتوف والخرطوش، وجملة أطلقها نائب الرئيس قاضى العدل والعدالة منذرا بها الشعب بكل هدوء:” أصبح البقاء للأقوى!!.”
والمضحك حقا هو الصُراخ الذى أطلقه المتحدث الرسمى للحزب على شاشات الفضائيات التى بثت صور الاعتداءات الوحشية والفتك بالمدنيين، مُستنكرا ومستنجدا: “ أوقفوا الطرف الثالث.. من حقنا أن نعرف من هؤلاء؟؟”.. .
دعنى أجيبك يا سيدى، إنهم أبناء جماعتك وعشيرتك.. الطرف الثالث هو بلطجية الإخوان الذين يدفعون بهم لإشاعة الفوضى وإلصاق التُهم بالمعارضين، والدفاع عن الإفك الذى يدعون أنه الحق..
لم يعد الدستور الباطل هو معركتنا اليوم، لكن تبدلت المعارك لتصبح حربنا هى إعلاء رمز الدولة فوق ديكتاتورية الجماعة الفاشية..
إن تنصيب الإخوان لأتباعهم بديلا لدولة القانون مرفوض.. واستبدال جهاز الشرطة بميليشيات الإخوان مرفوض.. ودخولنا فى نفق الفوضى المظلم بسبب جماعة تتعطش للانتقام فى غياب مقصود لمؤسسة الرياسة مرفوض..
سيدى الرئيس المنتخب.. إنها الفوضى.. إنها حرب الشوارع.. إنها لحظة سقوط الوطن.. إنه الانشقاق الذى أحدثته يد المرشد بوطن آمن..
سيدى الرئيس المنتخب.. شكرا لك إذ شطرت الوطن بسيف الظلم، لكنك ودون قصد أنهيت أسطورة الإخوان المسلمين للأبد.. فوداعا لأسطورة الجماعة المحظورة المقهورة.. ومرحبا بسقوط دولة تشاوشيسكو..