200 أسرة تعيش وسط الأموات.. والحشرات والأمراض تهدد أطفالهم المنطقة تحولت إلى وكر للخارجين على القانون وتجارة المخدرات المحافظة تتجاهل فقراء المستحقين بمشروعاتها لإسكان الشباب وسط رائحة الموت يعيش مئات البشر ممن اعتادوا سماع الصراخ طوال اليوم، فلم تعد تخيفهم أساطير الأشباح بقدر ما يخيفهم العالم الخارجى الذى دفعهم إلى تلك الحياة التعسة، فما بين لوحات النعى على واجهه المقابر وسط مدينة دمنهور، وعلى مسافة قريبة من محطة قطار المدينة تبدو الصورة مرعبة، حيث يتعايش مع الموت مئات من البشر سقطوا من حسابات دولة ألفت عبر عقود مأساتهم، حتى صار الموت جزءا من يومياتهم، فهم يشاركون فى وداع الموتى فيما أطفالهم يلهون فوق مقابرهم، وفيما المسؤلون فقدوا الشعور بالآسى تجاههم. محاسن يوسف وهدان، 30 سنة، بدأت حديثها مع "البديل" قائلة: "عمرنا ضاع فى المقابر ومحدش بيسأل فينا، أنا وأولادى الثلاثة نعيش فى حظيرة داخل مقابر دمنهور منذ 10 سنوات بعد قرار الحي بإزالة منزلنا، وبعد اتفاق صاحب المنزل مع مسؤولي مجلس المدينة لطردنا، وأصبحنا فى الشارع بلا مأوى ولم نجد إلا زريبة نلم فيها لحمنا". وقال محمد فايز عثمان، 29 سنة، يعيش هو وزوجته وولداه يوسف (عامان)، وياسين (6 أشهر)، "كنت أعمل صانع أحذية وتوقفت عن العمل نتيجة حادث تسبب في كسر ساقي، واضطررت إلى وضع شرائح ومسامير، ولم يعد باستطاعتى العمل، فلجأت إلى العمل كحارس عقار فى إحدى عمارات دمنهور بحثا عن مأوى لأسرتي بعد أن عجزت عن سداد إيجار شقة كنت أسكن بها تتكون من غرفة وصالة،ولكن تأتى الرياح بما لا تشتهي السفن، فقرر صاحب العقار طردي توفيرًا للنفقات مما اضطرني لاستئجار حوش صغير فى المقابر". وتروي سيدة، زوجة عثمان، حكايتها دون أن تتوقف عن البكاء وهى تحمل صغيرها يوسف، المصاب بالتهاب رئوى نتيجة البرد قائلة: "الواد هيضيع مننا ومحدش معبرنا ولا بيسأل فينا، إحنا كل يوم يطلع علينا بلطجية، والحشرات أكلتنا والله الموت أرحم، كل ده علشان عايزين 4 حيطان نلم فيهم لحمنا". ويحكي لنا علي المغربي، 49 سنة، لديه 3 أولاد، مأساته التي تجسد حال العشرات من سكان المقابر قائلًا: "كنت أعمل فرانا وأحقق دخلا معقولا، حتى أصبت بمرض منعنى من العمل، فأخذت أولادى وسكنت فى المقابر لأنى لم أتمكن من سداد أجرة السكن، وتقدمت للحصول على مسكن ملائم من المحافظة مخصص لمن هم في مثل حالنا، وجاءنا باحثون من مجلس المدينة لإجراء بحث حالة وأقروا بأحقيتنا في شقة، ثم فوجئت بهم يوزعون الشقق على آخرين، واحنا مالناش غير ربنا نشتكى همنا له". ولا يختلف الأمر مع رضا أبو اليزيد، الذى يعيش هو وأسرته المكونة من 5 أفراد فى حوش بالمقابر، مؤكدًا أن المقابر أصبحت وكرا للخارجين على القانون، حيث يتردد عليها كل راغبى المتعة الحرام والمخدرات، وحتى أصبح الأمر اعتياديا ويمارس فى وضح النهار، دون مراعاة لحرمة الأموات، قائلًا "إحنا بنبقى مرعوبين على بناتنا وأطفالنا وساعات أحبسهم فى الحوش أكتر من يوم، وكثيرون هنا أصابهم الإعياء من قسوة الأوضاع ولا يحلمون سوى بأربعة جدران تأويهم، وتغلق أعين الناهشين فى لحم نسائهم"، أما سعاد، 45 سنة، فقد اختزلت المأساة فى قولها: أمثالنا من سكان المقابر ليس لهم حرمة لا فى مالهم ولا في شرفهم، "واحنا مش زعلانيين على نفسنا احنا خايفيين على ولادنا" من جانبه، يقول عماد الغول، أمين عام الجمعية الشرعية لرعاية مقابر المسلمين بدمنهور، إن الجمعية تسعى للحفاظ على حرمة المقابر، لكن الأزمة الاقتصادية الطاحنة وارتفاع أسعار السكن فى دمنهور بشكل يزيد حتى عن أسعارها فى القاهرة والإسكندرية يضطر بعض الفقراء إلى الحياة فى المقابر، خاصة وأن تلك الظاهرة بدأت قديما حينما كانت العائلات الكبيرة بدمنهور تعين حارسا على مقابرها لحراستها، ومن ثم يصطحب الحارس أسرته للاستقرار فى حوش المقبرة، ثم تطورت الأمور وانتقلت أسر عديدة للعيش هناك ومزاحمة الأموات، موضحا أنهم لا يملكون حصرًا دقيقا لأعداد الأسر التى تعيش فى المقابر لكنه يقدرهم بما يزيد عن 200 أسرة. ومن ناحيته، حذر الدكتور فايز الخولي، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب، وأحد سكان دمنهور، من تفاقم تلك الظاهرة التى نشأت نتيجة غياب التخطيط العمرانى ونقص الخدمات مما خلق روحا عدائية لدى السكان تجاه البيئة المحيطة، وسلوكا عدوانيا بين أفراد المجتمع، وهو ما يترتب عليه أن تتجاوز لغة الحوار الكلمات إلى العنف المادي الذى يستند إلى القدرة البدنية والعزوة والمكانة والقدرة المادية، وقد يصل إلى القتل، مضيفا أن سكان المقابر يعملون فى جمع القمامة وفرزها، فهى موطن أطفال الشوراع وتجار المخدرات، ولهم قانونهم الخاص الذى تدار به حياتهم، بالإضافة إلى التسول من زوار المقابر، والأطفال يعملون مقابل المأكل والمسكن. ** أزمة دائمة ودولة غائبة في المقابل، أكد مصدر بمحافظة البحيرة رفض ذكر اسمه، أن سبب عدم حصول أى من تلك الأسر على وحدة سكنية ليس عدم أحقيتهم بل على العكس هم جميعًا يستحقون، ولكن السبب هو عدم قدرتهم على سداد متطلباتها المادية التى تتجاوز إمكانياتهم الواقعية، ومن يسدد يحصل على وحدته بالفعل، مما يؤكد أن الدوله غير مهتمة بحل مشكلاتهم أساسًا، رغم أن محافظة البحيرة شهدت إنشاء ما يزيد على 13 ألف وحدة سكنية ضمن مشروع إسكان الشباب، وكان نصيب مدينة دمنهور وحدها حوالى 2000 وحدة، إلا أن سكان المقابر لم يتمكن أحدهم من الفوز بوحدة سكنية واحدة.