الصديق العزيز الدكتور وحيد الذي أكن له حباً وإعجاباً وأتابع ما يكتب بشوق. كان عمودك في أهرام 22 سبتمبر عن المرحوم الدكتور السنهوري العالم القانوني الأشهر سرداً لدوره في أوائل سنوات الانقلاب العسكري سنة 1952 لم يغط كل جوانب هذا الدور. واسمح لي أن أضيف لما كتبت رواية سمعتها أذناي من المرحوم الدكتور وحيد رأفت شخصياً. أضيف لك هذه المعلومة حتي لا نقلل من قدر عظمائنا أو ننزههم عن الخطأ بل والخطيئة. في يوم 29 يوليو سنة 1952 جمع السنهوري باشا رئيس مجلس الدولة عندئذ مستشاري المجلس التسعة وعلي رأسهم المرحوم الدكتور وحيد رأفت. وأخطرهم أنه تلقي زيارة في الصباح من «البكباشي» جمال عبدالناصر القائد الفعلي ل«الحركة المباركة» كما كان الانقلاب العسكري يسمي في بدايته. وكان أول بيانات الانقلاب للشعب أن «الحركة المباركة» ستنفذ أهدافها في «ظل الدستور». جاء عبدالناصر يطلب معرفة ما يقوله الدستور عن وراثة العرش بعد تنازل الملك فاروق فأفاده السنهوري أن الدستور ينص علي دعوة البرلمان خلال عشرة أيام من خلو العرش بوفاة الملك لاعلان ولي العهد ملكاً. فإن كان ولي العهد قاصراً- كما كان الطفل الوليد أحمد فؤاد عندئذ- يدعي البرلمان خلال نفس مدة العشرة أيام لتشكيل مجلس وصاية علي الملك القاصر من ثلاثة أعضاء برئاسة أحد أمراء البيت المالك. وأضاف السنهوري لعبدالناصر ان كان مجلس النواب منحلاً عند وفاة الملك، يدعي المجلس المنحل خلال نفس مدة العشرة أيام إما لاعلان ولي العهد ملكاً أو بتشكيل مجلس وصاية ثم ينفض اجتماع المجلس المنحل. كانت أغلبية مجلس النواب الذي كان منحلاً عند تنازل فاروق عن العرش وفدية وصارح عبدالناصر السنهوري بأنه لا يريد التعاون مع برلمان الوفد المنحل. ويطلب من السنهوري إيجاد مخرج دستوري له من هذا المأزق. جمع السنهوري مستشاري المجلس وأخبرهم أنه يريد مساعدة شباب الحركة المباركة وانه يري أن أفضل مخرج هو أن يعلن المجلس أن الدستور نص علي خلو العرش بوفاة الملك ولكنه جاء خالياً من النص علي خلو العرش بتنازل الملك. وبذلك تكون «الحركة المباركة» في حل من دعوة برلمان الوفد للاجتماع فتصدي له المرحوم الدكتور وحيد رأفت قائلاً: هذا ضلال سيحاسبنا عليه التاريخ ياباشا. اننا بذلك نضع أول حجر في بناء الديكتاتورية فتبسم السنهوري قائلا: يا وحيد بك «ما تحبكهاش قوي». وتقرر حسم الخلاف بالتصويت وكانت النتيجة هي ثمانية أصوات بين المستشارين الحاضرين تؤيد رأي السنهوري. وصوتاً واحداً معارضاً هو المرحوم الدكتور وحيد رأفت الذي نهض واقفاً وقال: أظن انه لم يعد لي مكان هنا. ستصلك استقالتي صباح غد ياباشا. وخرج من المجلس ولم يعد له أبداً بعدها. كان هذا مع الأسف هو التاريخ كما حدث. والحقيقة التي هي اسم من أسماء المولي تبارك وتعالي كما وقعت. أما عدوان بلطجية عبدالناصر علي السنهوري وضربه في مجلس الدولة. فإني أستغفر الله وأنا أذكر الحديث النبوي الشريف: من نصر ظالماً سلطه الله عليه. رحم الله السنهوري باشا رحمة واسعة وتجاوز عن خطاياه. نائب رئيس حزب الوفد