منظومة الرعاية الاجتماعية والاحتياجات الأساسية للمواطنين من الأولويات تصحيح الخلل المزمن فى الوعي العام ونشر التوعية الانتخابية السليمة من أهم الأهداف الدور الرقابى اختبار حقيقي لجدية المجلس ويعيد الاعتبار لمفهوم المساءلة وحماية المال العام نودّع عامًا، ونستقبل عامًا جديدًا، ومصر تُقدِّم نفسها للعالم فى صورة مختلفة، أكثر نضجًا وصلابة، وأوضح حضورًا وتأثيرًا. تودّع مصر عام 2025، وهى صاحبة الإنجاز الإقليمى الأبرز فى واحد من أكثر الأعوام صعوبة وتعقيدًا، بعدما نجحت فى إنهاء حالة الحرب فى غزة، وأثبتت قدرتها على إدارة ملفات محلية وإقليمية شديدة التشابك، بحكمة الدولة، وخبرة التاريخ، وثبات الإرادة. يمكن القول إن العام الذى يودّعنا كان بحق عامًا لحصاد إنجازات متعددة المستويات. سياسيًا، أوقفت مصر مخطط التهجير، واستعادت مسار السلام على أرض غزة، وقدّمت رؤية واقعية ومسؤولة لليوم التالي، فى وقتٍ واجهت فيه عنفوان حكومة إسرائيلية متطرفة بهدوء محسوب، وثبات دولة تعرف وزنها، وتُدرك حدود قوتها، فلا تنجرّ إلى الفوضى، ولا تنساق خلف المزايدات. وقد حظى الرئيس عبد الفتاح السيسى بتقدير دولى واسع لدوره المحورى فى وقف الحرب على غزة بعد عامين من صراع دموى مدمّر، وتُوِّجت تلك الجهود بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار خلال قمة السلام التى استضافتها شرم الشيخ، بحضور الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وعدد من قادة العالم، فى مشهدٍ أكد مجددًا ريادة مصر، ودورها المركزى فى صناعة السلام، وحماية الاستقرار الإقليمي. وعلى الصعيد الثقافى، حققت مصر إنجازًا عالميًا استثنائيًا بافتتاح المتحف المصرى الكبير، الذى استحوذ على اهتمام دولى غير مسبوق، ووضع مصر بقوة على خريطة السياحة الثقافية العالمية، قبل أن تُتوَّج الجهود المصرية بفوز الدكتور خالد العنانى بمنصب مدير عام منظمة اليونسكو، فى تأكيد جديد على الثقة الدولية فى الكفاءات المصرية، وعلى الدور الحضارى العميق الذى تضطلع به الدولة المصرية. اقتصاديًا، بدأت المؤشرات الإيجابية فى التوالي؛ تراجع معدلات التضخم، وارتفاع الاحتياطى النقدى الأجنبى إلى مستويات قياسية، بما أعاد قدرًا معتبرًا من الثقة فى الاقتصاد المصري، ورفع شهية الاستثمار، بوصف ذلك نتيجة مباشرة لسياسات إصلاح اقتصادى شاملة، والانخراط الواعى فى الأسواق العالمية، والاهتمام الجاد بالزراعة والصناعة، وزيادة الصادرات، وترشيد الواردات. غير أن هذه النجاحات مجتمعة لم تمر دون ثمن؛ إذ نتج عنها تصاعد محاولات النيل من الدولة المصرية، وارتفاع منسوب التربص بها من قِبل قوى لا تريد لمصر نهوضًا ولا استقرارًا، وتُقلقها عودة الدور المصرى الإقليمي، وقدرته على إدارة الصراعات بحنكة، وبمنهج الدولة لا بردود الأفعال. الإخوان وتخريب الدولة ولا يخفى على أحد أن تنظيمًا إرهابيًا دوليًا، كجماعة الإخوان، يواصل حشد كل أدواته لتخريب الدولة المصرية، مستخدمًا أساليب الحروب الحديثة التى تستهدف تفكيك الدول من الداخل، بعدما أثبتت القوات المسلحة المصرية قدرتها على دحر الإرهاب، وتأمين الحدود، والتصدى الحاسم لأى تهديد من مختلف الاتجاهات الاستراتيجية. إن الهدف الرئيسى لهذا التخطيط المعادى هو عقل المواطن المصري؛ عبر استغلال الأعباء المعيشية المصاحبة لبرامج الإصلاح الاقتصادي، وتحريك الغضب، وزرع الشك، والتشكيك فى كل مؤسسة، وكان آخر هذه المحاولات، وأخطرها، استهداف البرلمان المصرى القادم، فى محاولة لضرب أحد أركان الدولة الدستورية، وإضعاف الثقة فى المسار السياسى برمّته. وبالتأكيد، شهدت الانتخابات البرلمانية تجاوزات فردية، ناتجة عن ضعف الوعى السياسى لدى بعض المرشحين والناخبين، وعلينا أن نعترف بحاجتنا إلى حملات مكثفة تقودها الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدنى للتثقيف السياسى بدور البرلمان والنواب، حتى لا تتكرر هذه التجاوزات. غير أن الخطأ الجسيم هو تعميم هذه الأخطاء على العملية الانتخابية برمتها، خاصة أن الرئيس السيسى شدد بوضوح على ضرورة التصدى لأى تجاوزات، والعمل على تصحيح أى خلل، مؤكدًا حياد أجهزة الدولة تجاه جميع القوى السياسية المتنافسة. وقد تابعنا التحرك الحاسم لوزارة الداخلية ضد التجاوزات خارج اللجان الانتخابية، والإعلان عن توقيف كل من حاول التأثير على إرادة الناخبين أو شراء أصواتهم، مع نشر التفاصيل بشفافية عبر قنواتها الرسمية. الهيئة الوطنية للانتخابات كما شهدنا موقفًا صارمًا من جانب الهيئة الوطنية للانتخابات، تمثّل فى إلغاء نتائج دوائر ثبت تأثرها بتجاوزات أثّرت على النتائج، وهى مشاهد تحدث للمرة الأولى فى التاريخ النيابى المصري، وأسفرت عن عملية انتخابية طالت مراحلها، وتعددت جولاتها، وشهدت إعادةً وإلغاءً وتصحيحًا، لكنها فى محصلتها النهائية أعادت الاعتبار لمفهوم جوهرى طالما تآكل فى الوعى العام: أن الشرعية لا تُمنح، بل تُصنع عبر صندوق انتخابى نزيه، وقضاء مستقل، ومؤسسات تقف على مسافة واحدة من الجميع. وقد مثّلت هذه الانتخابات اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على تغليب المضمون على الشكل، فاختارت مسار التصحيح الذاتى بدل الاكتفاء بإغلاق المشهد سريعًا. لم تُمرَّر النتائج المعيوبة، ولم يُنظر إلى إعادة الانتخابات باعتبارها أزمة، بل باعتبارها دليل جدية، واحترامًا لإرادة الناخبين، وأحكام القضاء، حتى وإن ترتب على ذلك إطالة أمد الانتخابات، وإرهاق الجميع. ورغم التفاوت الواضح فى نسب المشاركة بين الريف والحضر، وبين دوائر شهدت تنافسًا محتدمًا وأخرى بدا الإقبال فيها محدودًا، فإن المشهد العام يكشف عن ضعف نسبى فى قدرة بعض الأحزاب على الحشد. ومع ذلك، ظل الناخب المصرى حاضرًا، واحتفظ كل صوت بقيمته، داخل البلاد وخارجها، فى رسالة واضحة مفادها أن فكرة المشاركة لم تمت، لكنها تحتاج إلى إعادة بناء ووعى متراكم. أما النتائج التى أفرزتها الانتخابات، وخاصة فى مرحلتها الثانية، فقد قدّمت صورة أكثر وضوحًا لشكل البرلمان القادم؛ حيث خسرت أحزاب كبيرة، ونجح عدد معتبر من المستقلين وأحزاب المعارضة، بما يعكس أن المنافسة لم تكن شكلية، وأن الصندوق كان قادرًا على إعادة توزيع الأوراق، وأعطى مؤشرًا على استمرار ثقة قطاعات من الناخبين فى الشخصيات ذات الحضور المحلى المباشر، بعيدًا عن اللافتات الحزبية. وهو ما أنتج برلمانًا لا يمكن وصفه بأنه أحادى اللون، بل مجلسًا تشكّلت داخله كتل حزبية رئيسية، إلى جانب كتلة مستقلة وازنة، تفرض على الجميع منطق التفاوض وبناء التحالفات. هذا التشكيل يفتح الباب أمام مشهد برلمانى أكثر حيوية، تتنافس فيه الكتل على رئاسة اللجان النوعية، وصياغة الأجندة التشريعية، والتأثير فى أولويات المجلس خلال دور الانعقاد القادم، كما يعيد الاعتبار لفكرة المعارضة البرلمانية، الحزبية والفردية، باعتبارها عنصر توازن لا غنى عنه، لا خصمًا يجب تحييده. معارضة وطنية مسؤولة تُقدّم بدائل، وتُثرى النقاش، وتُحسّن جودة التشريع، دون صخب أو مزايدة. غير أن نجاح هذا البرلمان لا يتوقف على شكل نتائجه فقط، بل على تصحيح خللٍ مزمن فى الوعى العام بدور عضو مجلس النواب. فالمواطن المصرى ما زال فى حاجة إلى توعية انتخابية مستمرة تُوضح أن النائب ليس مسؤول خدمات، ولا بديلًا عن الجهاز التنفيذي، بل مشرّعًا ورقيبًا فى المقام الأول. وقد ساهم غياب المجالس المحلية المنتخبة فى ترسيخ هذا الخلط، فبات النائب مُحمّلًا بأعباء خدمية على حساب دوره التشريعى والرقابى الأصيل. ومن هنا، فإن ما نريده من البرلمان القادم هو استعادة هذا التوازن. نائب يدرك أن حل مشكلات دائرته لا يكون فقط عبر تدخلات فردية أو وعود آنية، بل من خلال تشريع رشيد، ورقابة حقيقية على أداء الحكومة، وصياغة قوانين تعالج جذور الأزمات لا أعراضها. نائب يمتلك أدوات التشريع، ويفهم تعقيدات الاقتصاد والمجتمع، ويُدرك أن القانون الجيد هو الذى يخفف عن الناس، لا الذى يُثقل كاهلهم. وتأتى منظومة الرعاية الاجتماعية والاحتياجات الأساسية للمواطنين فى قلب هذه الأولويات. فالبرلمان القادم سيكون شريكًا مباشرًا فى رسم السياسات الاجتماعية، ومطالبًا بدعم الفئات الأولى بالرعاية، وتحقيق توازن دقيق بين الإصلاح الاقتصادى والعدالة الاجتماعية، وإصدار تشريعات تحمى حق المواطن فى الصحة والتعليم والعمل والسكن، وتُحسّن جودة الحياة، دون الوقوع فى فخ الشعبوية أو الإنكار. أما الدور الرقابي، فهو الاختبار الحقيقى لجدية المجلس؛ رقابة مؤسسية هادئة، تُمارَس بأدوات دستورية، وتهدف إلى الإصلاح لا الإرباك، وإلى التقويم لا الهدم. رقابة تُعيد الاعتبار لمفهوم المساءلة، وتحمى المال العام، وتُعزّز كفاءة الجهاز التنفيذي، فى إطار شراكة مسؤولة لا خصومة دائمة. مجلس النواب الجديد قولًا واحدًا، ومن الزاوية القانونية والدستورية، فإن الجدل الذى صاحب العملية الانتخابية لا ينال من شرعية المجلس، بل يؤكدها. فإعادة الانتخابات فى عدد من الدوائر جاءت فى إطار احترام حق التقاضي، ونصف المجلس انتُخب بنظام القوائم دون أى إشكال، والنصف الآخر خضع لنتيجة الصندوق الانتخابي، وبالتالى فإن المجلس الجديد سينعقد فى موعده القانوني، بوصفه ركنًا أساسيًا من أركان الدولة المصرية، وشريكًا أصيلًا فى التشريع والرقابة وصناعة السياسات. ولا محل لمحاولات التشكيك، سواء من مرشحين حاولوا فرض وجودهم عبر منطق الضغط وصخب منصات التواصل، أو من مزايدات بعض برامج «التوك شو»، فالاستحقاق الدستورى لا يخضع لهواه ركوب الترندات وعبيد «اللايك» و«الشير»! نحن إذن أمام مجلس راحل حمل أجندة تشريعية ثقيلة، ومجلس قادم تتجه إليه الأنظار، وبينهما مواطن بات أكثر قدرة على المراقبة والمحاسبة. وإذا كانت الانتخابات قد عبّرت عن إرادة الناخبين، فإن البرلمان القادم مطالب بأن يُحوّل هذه الإرادة إلى فعل: تشريع عادل، ورقابة رشيدة، وأداء سياسى يليق بدولة تُعيد بناء جمهوريتها على أساس من الدستور، والمؤسسات، والقانون. ذلك هو الرهان الحقيقي... وتلك هى معركة البرلمان القادم.