آلاء أشرف فى كل صباحٍ تقريبًا، أمرُّ عند منعطف الشارع القديم المؤدى إلى محطة الميكروباص، ذلك المنعطف الذى يبدو كأن الزمن توقّف عنده منذ عقود. ورغم أنّ خطواتى عليه متشابِهة، فإن شيئًا داخلى يتغيّر فى كل مرة، لأنّ المكان نفسه يملك القدرة العجيبة على فتح نافذة خفية للذاكرة. أوّل مرة مررتُ به كنتُ طالبًا فى الجامعة، أحمل حقيبةً أثقل من أحلامى، وأمشى بسرعة خشية التأخير كان رخامُ الواجهة المتهالكة للمحلّ القديم يلمع فى الصباح، وكانت الأرغفة الساخنة التى يخرجها الخبّاز كفيلة بأن تجعل الشارع يبدو وكأنه يحتفل بقدوم النهار فى ذلك اليوم، رأيتُ رجلاً مسنًا يجلس على كرسى خشبى، ممسكًا جريدة مطوية بعناية كان يتظاهر بقراءتها، لكنّ عينيه كانتا معلّقتين بالعابرين. لا أعرف لماذا شعرتُ أنه كان ينتظر أحدًا لم يأتِ منذ زمن. مرت السنوات، وانشغلتُ بالحياة والعمل، وظننتُ أن الشارع لم يعد يعرفنى، حتى عدتُ إليه بعد عقدٍ كامل. كان كل شىء قد تغيّر... إلا الرجل المسن نفس الكرسى، نفس الجريدة، لكنّ عينيه هذه المرة كانتا أكثر انكسارًا، كأن الزمن صار يجلس معه أيضًا اقتربتُ منه بلا قصد، فرفع رأسه وقال لى بلهجة هادئة: «لما تكبر... هتعرف إن الانتظار عادة مش بنتخلص منها بسهولة». مضيتُ بعدها مشغولًا بتفسير جملته. ماذا ينتظر؟ ومَن الذى تأخر عنه؟ هل كان ينتظر ابنًا هاجر؟ أم صديقًا غاب؟ أم زمنًا مضى ولن يعود؟ أحببتُ ألا أعرف، كأن الجهل أحيانًا أكثر رحمة من الحقيقة. فى الأسبوع الماضى فقط، عدتُ إلى المنعطف كالعادة، لكن الكرسى كان فارغًا الجريدة مطوية فوقه، وقد أثقلتها الريح بالتراب. سألتُ الخبّاز عنه، فخفض عينيه وقال: "مات من أسبوع... وكان ييجى لحد آخر يوم. قال قبل ما يمشى: سيبوا الكرسى.. يمكن اللى بينتظره ييجى." وقفتُ طويلًا أمام الكرسى، وشعرتُ بأن المكان صار فجأة أوسع، وأثقل أدركتُ أن حياة كاملة كانت تجرى أمامنا دون أن نراها، وأنّ كلّ واحد منا يملك كرسيًا يشبه ذلك، كرسيًا داخليًا نجلس عليه فى انتظار شىءٍ لم نجرؤ يومًا أن نسأله لماذا يتأخر. بعدها، لم أعد أنظر إلى المنعطف كطريقٍ عابر. صار درسًا هادئًا فى الصبر الإنسانى، فى هشاشة القلوب، وفى تلك الحكايات الصغيرة التى نمرّ عليها كل يوم دون أن نلتفت اكتشفتُ أن الشوارع تحفظنا كما نحفظها، وأن الأماكن التى نظنها جامدة، فى الحقيقة تمتلئ بالرفق والذاكرة والأثر. واليوم، وأنا أكتب هذه السطور، أدرك أن الرجل العجوز لم يكن ينتظر شخصًا بعينه. كان يمثلنا جميعًا — نحن الذين ننتظر حلمًا، أو فرصة، أو تصالحًا مع أنفسنا. وربما.. كان ينتظر من يلتفت إليه مرة واحدة فقط، ليخبره أن الزمن لم ينسه.