اهربوا أو استخبوا ولا تنتظروا مساعدتنا، أمريكا تطالب رعاياها بمغادرة إيران فورا    اليوم، قطع المياه عن 11 منطقة في قنا لمدة 10 ساعات    البيت الأبيض: ترامب يريد معرفة إمكانية إبرام اتفاق مع إيران    بعد حجب «روبلوكس» في مصر.. ياسمين عز توجه رسالة حاسمة للأهالي: أولادكم أذكى منكم وممكن يرجعوها بطرق غير شرعية    من ضمن 3 آلاف قضية مماثلة، عقوبة ضخمة ضد "أوبر" في قضية اعتداء جنسي    انتصار تكشف كواليس "إعلام وراثة": صراع الميراث يفضح النفوس ويختبر الأخلاق في دراما إنسانية مشتعلة    محمود عامر يحذّر من شبكة نصب باسم الإنتاج الإذاعي ويطالب راديو 88.7 برد رسمي فوري    روجينا ترفع سقف التحدي في رمضان 2026.. "حد أقصى" دراما اجتماعية تكشف الوجه الخفي لغسيل الأموال وصراعات البشر    انفراجة في ملف تجديد أحمد حمدي مع الزمالك    «صلاح ومرموش» على موعد مع الإثارة في قمة الأسبوع 25 من الدوري الإنجليزي    بصوت مغلف بالدفء، غادة رجب تصدح في أوبر الإسكندرية بعصا المايسترو علاء عبد السلام (صور)    بعثة الزمالك تغادر القاهرة استعدادا لمواجهة زيسكو الزامبي بالكونفدرالية (صور)    كشف ملابسات واقعة التعدي على مديرة دار رعاية مسنين بالجيزة    محادثات أوكرانية - روسية - أميركية جديدة مرتقبة في الأسابيع المقبلة    أتربة واضطراب ملاحة.. الأرصاد تحذر من طقس الساعات المقبلة    المنتج جابي خوري: انتقلت من هندسة الكهرباء إلى السينما بطلب من خالي يوسف شاهين    شعبة السيارات: هناك شركات أعلنت وصولها إلى نهاية التخفيضات ولن تخفض أسعارها مجددا    فرح يتحول لعزاء.. تفاصيل وفاة عروس وشقيقتها ويلحق بهم العريس في حادث زفاف المنيا    اعتداءً على الفقراء والمحتاجين.. ما حكم بيع الدقيق المدعّم في السوق السوداء؟    أسعار الذهب في انخفاض مفاجئ.. المستثمرون يتجهون نحو الأصول الأخرى    بعثة الزمالك تتوجه إلى زامبيا استعدادًا لمواجهة زيسكو بالكونفدرالية    الفضة تسجل أكبر تراجع يومي وتكسر مستوى 67 دولارًا للأوقية    إصابة فلسطيني في قصف جوي للاحتلال استهدف منزلًا بخان يونس    «الأزهر العالمي للفتوى» يختتم دورة تأهيلية للمقبلين على الزواج بالمشيخة    لماذا لا تقبل شهادة مربي الحمام؟.. حكم شرعي يهم كثيرين    بينهم نائب بمجلس النواب.. أسماء مصابي حادث الحر بالقليوبية    الفنانة حياة الفهد تفقد الوعي نهائيا ومدير أعمالها يؤكد تدهور حالتها ومنع الزيارة عنها    رئيس شعبة المواد الغذائية: نعيش العصر الذهبي للسلع الغذائية بوجه عام والسكر بشكل خاص    بعد حديث ترامب عن دخول الجنة.. ماذا يعني ذلك في الإسلام؟    الزمالك يعلن تعاقده مع كاديدو لتدريب فريق الطائرة    تعثر انتقال يوسف أوباما للكرمة العراقي بسبب إجراءات القيد    كأس إسبانيا - أتلتيكو إلى نصف النهائي بخماسية في شباك ريال بيتيس    استعدادا لشهر رمضان المبارك، طريقة عمل مخلل الفلفل الأحمر الحار    «الرشوة الوهمية» تنتهى فى الزنزانة.. الأمن يكشف كذب ادعاء سائق وعامل ضد ضابط مرور    السجن المشدد 10 سنوات لعاطل حاول التعدى على طفلة بقنا    بقى عجينة، صور مرعبة من انهيار سور بلكونة على "تاكسي" متوقف أسفل منزل بالغربية    أخبار × 24 ساعة.. الخميس 19 فبراير 2026 أول أيام شهر رمضان فلكيًا    النائبة ولاء الصبان تشارك وزيرة التنمية المحلية ومحافظ الدقهلية افتتاح المجزر الآلي الجديد ومعارض أهلا رمضان    الأخدود ضد الهلال.. بنزيما يعادل إنجاز مالكوم التاريخى مع الزعيم    اتحاد بلديات غزة: أزمة الوقود تُعمق معاناة المواطنين والنازحين    ستراسبورج يتأهل لربع نهائي كأس فرنسا على حساب موناكو    أتلتيكو مدريد يكتسح ريال بيتيس بخماسية ويتأهل لنصف نهائى كأس ملك إسبانيا    سوريا ولبنان يوقعان غدا اتفاقية لنقل المحكومين    تطورات خطيرة في الحالة الصحية لنهال القاضي بعد تعرضها لحادث سير    بعد إهداء أردوغان "تووج" التركية الكهربائية في مصر .. مراقبون: أين سيارة "صنع في مصر"؟    جامعة عين شمس تستضيف الجامعة الشتوية لمشروع FEF مصر «REINVENTE»    ترك إرثًا علميًا وتربويًا ..أكاديميون ينعون د. أنور لبن الأستاذ بجامعة الزقازيق    "مش هشوف ابني تاني".. والدة الطفل ضحية حقنة البنج تبكي على الهواء    وزير الصحة يتفقد معبر رفح لمتابعة استقبال وعلاج المصابين القادمين من غزة    شيخ الأزهر يستقبل الطالبة الكفيفة مريم حافظة كتاب الله ويوجّه بتبنى موهبتها    تعظيم سلام للأبطال| جولات لأسر الشهداء فى الأكاديمية العسكرية    سكرتير محافظة سوهاج يشهد تدشين فعاليات المؤتمر الدولى الخامس لطب الأسنان    خالد الجندي يوضح معنى الإيثار ويحذّر من المفاهيم الخاطئة    تعليم القليوبية تدشن فعاليات منتدى وبرلمان الطفل المصري    رئيس التنظيم والإدارة يشارك في القمة العالمية للحكومات بدبي    هل يجوز الصيام بعد النصف من شعبان.. الأزهر للفتوى يجيب    التقرير الطبي يكشف تفاصيل إصابة خفير بطلق ناري على يد زميله بالصف    صحة المنيا: مستشفى أبو قرقاص استقبلت 20 ألف مواطن وأجرت 193 عملية خلال يناير    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من أسرار القرآن (‏366)
نشر في الأهرام اليومي يوم 23 - 10 - 2010

يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلي الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلي المرافق هذا النص القرآني الكريم جاء في أوائل سورة المائدة وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها مائة وعشرون‏(120)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي من طوال سور القرآن الكريم‏,‏ ومن أواخرها نزولا‏. فقد أنزلت في السنة السادسة من الهجرة بعد صلح الحديبية‏,‏ وقد سميت السورة بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي المائدة التي أنزلها الله‏-‏ تعالي‏-‏ من السماء كرامة لعبده ورسوله المسيح عيسي بن مريم‏(‏ عليهما السلام‏).‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة المائدة حول التشريع بأحكام الدولة الإسلامية‏,‏ وتنظيم مجتمعاتها علي أساس من الإيمان بوحدانية الخالق‏(‏ سبحانه وتعالي‏),‏ وعبادته وحده‏(‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد‏),‏ وتنزيهه فوق جميع صفات خلقه‏,‏ وفوق كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ ومن هنا كان حقه في التشريع لعباده‏.‏ وكانت أول بنود هذا التشريع الإسلامي هو عقد الإيمان بالله تعالي‏-‏ ربا وبالإسلام دينا‏,‏ وبسيدنا محمد‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ نبيا ورسولا‏.‏ وهذا العقد هو القاعدة التي يقوم عليها سائر العقود في حياة المسلم‏,‏ ومن هنا استهلت هذه السورة الكريمة بمطالبة الذين آمنوا بالوفاء بالعقود‏.‏ هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة المائدة‏,‏ وما جاء فيها من التشريعات‏,‏ وركائز العقيدة‏,‏ والإشارات العلمية‏,‏ ونركز هنا علي وجه الإعجاز التشريعي في النص الذي اخترناه عنوانا لهذا المقال‏.‏
من فقه الوضوء
يقول ربنا تبارك وتعالي‏-‏ في محكم كتابه‏:(‏ يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلي الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلي المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلي الكعبين‏....)(‏ المائدة‏:6).‏
والقيام إلي الصلاة هو تهيؤ للوقوف بين يدي الله‏-‏ سبحانه وتعالي‏-‏ خالق الخلق ومبدع الوجود‏,‏ رب هذا الكون ومليكه‏,‏ موجده وسيده ومصرف أمره‏,‏ ولا بد لهدا الموقف من طهارة مادية ومعنوية كبيرة‏,‏ ومن هنا كان تشريع الوضوء‏,‏ ومن فرائضه غسل الوجه‏,‏ وغسل اليدين إلي المرافق‏,‏ ومسح الرأس‏,‏ وغسل الرجلين إلي الكعبين‏,‏ ولذلك قال المصطفي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ لا يقبل الله صلاة أحدكم أذا أحدث حتي يتوضأ‏(‏ روا الشيخان‏,‏ وأبو داود‏,‏ والترمذي‏).‏ والوضوء في حق المحدث واجب‏,‏ وفي حق المتطهر ندب‏,‏ وكان النبي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ يتوضأ عند كل صلاة‏,‏ فلما كان عام الفتح توضأ ومسح علي خفيه وصلي الصلوات بوضوء واحد من أجل التشريع بالأمرين‏.‏ وعنه‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ أنه قال‏:‏ من توضأ علي طهر كتب له عشر حسنات‏.‏
وقد استدل عدد من العلماء بقوله‏-‏ تعالي‏-(‏ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلي الصلاة فاغسلوا وجوهكم‏...)‏علي وجوب النية في الوضوء‏.‏ ويستحب للمسلم قبل غسل الوجه أن يذكر اسم الله‏-‏ تعالي‏-‏ علي وضوئه‏.‏ وذلك لقول المصطفي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-:‏ لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه‏.‏ كذلك يستحب أن يغسل كفيه ثلاثا قبل البدء في الوضوء خاصة عند القيام من النوم‏.‏ وحد الوجه عند الفقهاء ما بين منابت الشعر إلي منتهي اللحيين والذقن طولا ومن الأذن إلي الأذن عرضا‏,‏ ويستحب للمتوضئ أن يخلل لحيته إذا كانت كثيفة‏.‏ وقد ثبت عن رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ أنه كان إذا توضأ تمضمض واستنشق ثلاثا لقوله‏:‏ من توضأ فليستنشق وفي رواية‏:‏ إذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينثر والانتثار هو المبالغة في الاستنشاق‏.‏ وفي قوله‏-‏ تعالي‏-:(‏ وأيديكم إلي المرافق‏)‏ معناه مع المرافق‏,‏ ويستحب للمتوضئ أن يبدأ بالعضد فيغسله مع ذراعيه‏,‏ لقول المصطفي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء‏,‏ فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل‏(‏ البخاري‏,‏ مسلم‏);‏ ولقوله تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء‏(‏ مسلم‏).‏
وفي قوله‏-‏ تعالي‏-:(‏ وامسحوا برؤوسكم‏)‏ وفسرت‏(‏ الباء‏)‏ هنا بأنها للإلصاق‏(‏ وهو الأظهر‏)‏ أو للتبعيض‏,‏ فذهب بعض الفقهاء إلي تكميل مسح جميع الرأس من مقدمته إلي القفا مقبلا ومدبرا‏(‏ مرة واحدة أو ثلاث مرات‏).‏
وفي قوله‏-‏ تعالي‏-:(‏ وأرجلكم إلي الكعبين‏)‏ فالواجب هو غسل الرجلين إلي الكعبين‏(‏ والكعبان هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم‏),‏ ولذلك قال المصطفي‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-:‏ أسبغوا الوضوء‏,‏ ويل للأعقاب من النار‏,‏ وفي رواية‏:‏ ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار إسباغ الوضوء إتمامه‏(‏ رواه البيهقي والحاكم‏).‏
وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن الخليفة الثالث عثمان بن عفان‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم‏-‏ توضأ ثلاثا ثلاثا‏.‏
كذلك أخرج الإمام أحمد عن عمرو بن عبسة أنه قال‏:‏ قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء ؟ قال‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ويستنشق وينتثر إلا خرت خطاياه من فمه وخياشيمه مع الماء حين ينتثر‏,‏ ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء‏,‏ ثم يغسل يديه إلي المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أطراف أنامله‏,‏ ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء‏,‏ ثم يغسل قدميه إلي الكعبين كما أمره الله إلا خرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء‏,‏ ثم يقوم فيحمد الله ويثني عليه بالذي هو له أهل‏,‏ ثم يركع ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه‏(‏ أحمد‏,‏ مسلم‏).‏
وعن أنس‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ أن رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ قال إن الخصلة الصالحة تكون في الرجل يصلح الله بها عمله كله‏,‏ وطهور الرجل لصلاته يكفر الله بطهوره ذنوبه وتبقي صلاته له نافلة‏(‏ أبو يعلي‏,‏ البزار‏,‏ الطبراني‏)‏
وعن أبي هريرة‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ أن رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ قال ألا أدلكم علي ما يمحو الله به الخطايا‏,‏ ويرفع به الدرجات‏,‏ قالوا بلي يا رسول الله‏,‏ قال‏:‏ إسباغ الوضوء علي المكاره‏,‏ وكثرة الخطي إلي المساجد‏,‏ وانتظار الصلاة بعد الصلاة‏,‏ فذلكم الرباط فذلكم الرباط‏(‏ رواه مالك‏,‏ مسلم‏,‏ الترمذي‏,‏ النسائي‏).‏
وعلي ذلك فإن فرائض الوضوء هي‏:‏ النية‏,‏ غسل الوجه‏,‏ غسل اليدين إلي المرفقين‏,‏ مسح الرأس‏,‏ غسل الرجلين مع الكعبين‏,‏ بهذا الترتيب‏.‏
ومن سنن الوضوء‏:‏ التسمية في أوله‏,‏ السواك‏,‏ غسل الكفين ثلاثا في أول الوضوء‏,‏ المضمضة ثلاثا والاستنشاق والاستنثار ثلاثا‏,‏ تخليل اللحية‏,‏ تخليل الأصابع‏,‏ التيامن‏,‏ الدلك‏,‏ الموالاة‏,‏ مسح الأذنين‏,‏ إطالة الغرة‏(‏ بالزيادة عن المفروض في غسل الوجه‏),‏ وإطالة التحجيل‏(‏ بغسل ما فوق المرفقين والكعبين‏),‏ الاقتصاد في الماء‏,‏ الدعاء أثناءه وبعده‏,‏ وصلاة ركعتين بعده‏.‏ ويجب الوضوء للصلاة مطلقا‏,‏ وللطواف بالبيت الحرام‏,‏ وللمس المصحف الشريف‏.‏
من أوجه الإعجاز التشريعي في فريضة الوضوء
الأصل في العبادات أنها تؤدي طاعة لله‏-‏ تعالي‏-‏ ولرسوله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ دون تعليل‏,‏ وذلك لأن المفهوم اللغوي لكلمة العبادة هو الخضوع لله‏-‏ تعالي‏-‏ بالطاعة والتذلل‏,‏ والعبادة ضربان‏:‏ عبادة بالتسخير وهي للخلق غير المكلف‏,‏ وعبادة بالاختيار وهي للخلق المكلف‏.‏ والعبد المكلف إذا فهم الحكمة من وراء العبادة التي كلفه الله‏-‏ تعالي‏-‏ بها فإنه يؤديها بطريقة أفضل ويتمتع بأدائها متعة أكبر‏,‏ ويؤجر علي ذلك أجرا أوفي وأوفر‏.‏ وانطلاقا من هذا الفهم نورد هنا بعض ما استشفه العلماء من حكمة تشريع الوضوء في النقاط المحددة التالية‏:‏
‏(1)‏ يتعرض جسم الإنسان خاصة الأجزاء المكشوفة منه لأعداد مهولة من الميكروبات تعد بالملايين في كل سنتمتر مكعب من الهواء‏(‏ خاصة في زمن تلوث البيئة الذي يعاني منه إنسان اليوم وحيوانه ونباته‏).‏ وهذه الميكروبات في حالة هجوم دائم علي الإنسان خاصة علي الأجزاء غير المستورة من جسمه كاليدين والوجه والرأس والرجلين إلي الكعبين وكلا من الفم والأنف‏,‏ وبالوضوء تكسح هذه الميكروبات أولا بأول من فوق سطح الجلد ومن فتحات كل من الأنف والفم والعينين والأذنين خاصة مع إتقان الوضوء وإسباغه‏,‏ وحسن تدليك الجلد والعضلات والأعصاب السطحية‏,‏ ومع تكرار الوضوء خمس مرات في اليوم الواحد فلا يبقي أثر للأدران أو الجراثيم علي جسم الإنسان الذي أكرمه الله‏-‏ تعالي‏-‏ بنعمة الإسلام‏.‏
‏(2)‏ تنتقل معظم الأمراض المعدية عن طريق اليدين الملوثتين بالجراثيم‏,‏ وعلي ذلك فإن غسل اليدين جيدا قبل الدخول في الوضوء يعتبر وقاية جيدة من العديد من الأمراض‏.‏
‏(3)‏ عملية المضمضة في مقدمة الوضوء تطرد فضلات الطعام المتبقية في الفم بعد تناوله‏,‏ والتي لو تركت في الفم لتعفنت‏,‏ وأدت إلي تغير رائحة الفم‏,‏ وإلي تسوس الأسنان والتهاب اللثة وتقيحها‏.‏ هذا بالإضافة إلي أن المضمضة تقوي عضلات الوجه‏,‏ وتحفظ عليه نضارته وحيويته‏.‏
‏(4)‏ إن عملية الاستنشاق والاستنثار في مقدمة الوضوء تطهر مجاري الأنف من النفايات والجراثيم التي يمكن أن تتجمع في جوانبها‏,‏ كما تدفع بما قد يتعلق منها بالشعر الموجود بالأنف‏,‏ وبذلك يكون في الوضوء تطهير لتجاويف الأنف من الأوساخ والجراثيم‏.‏ وهذه التجاويف هي المدخل إلي الجهاز التنفسي الذي إذا وصل إليه شئ من تلك الجراثيم فسرعان ما تلهبه التهابات مؤقتة أو مزمنة‏.‏
‏(5)‏ إن في التنظيف المستمر بالوضوء خمس مرات في اليوم للأجزاء المكشوفة من الجسم كاليدين‏,‏ والوجه‏,‏ والرأس‏,‏ والرقبة‏,‏ والأذنين والرجلين يقي بإذن الله‏-‏ تعالي‏-‏ من العديد من الأمراض الجلدية التي قد تنتج عن التكاثر المفزع للملايين من جراثيم الجو في زمن التلوث البيئي الذي نعيشه أو عن طريق العدوي بالاحتكاك‏,‏ أو بتراكم الملوثات البيئية علي جلد الإنسان‏.‏ والتنظيف المستمر للجلد بالوضوء يؤدي إلي تفتح مسام الغدد العرقية والدهنية فيه‏,‏ وبالتالي يؤدي إلي عدم تراكم الأدران والأوساخ عليه ويحفظ للجلد البشري وظائفه التي أوجده الخالق‏-‏ سبحانه وتعالي للقيام بها‏.‏
‏(6)‏ إن الوضوء خمس مرات في اليوم يؤدي إلي انقباض وانبساط الشعيرات الدموية بالجلد مما يزيد من تحرك الدم إليها‏,‏ وبالتالي يؤدي إلي تنشيط الدورة الدموية بالجسم كله‏,‏ وينشط عملية التنفس مما ينعكس علي بقية أعضاء وأجهزة الجسم‏.‏
‏(7)‏ ومع تنشيط الدورة الدموية بالجسم كله تنشط غدد العرق الموجودة بالجلد في امتصاص قدر من نفايات الدم وإزاحتها إلي الخارج عبر مسام الجلد فتغسلها مياه الوضوء أولا بأول مما يعين علي تطهر جسم الإنسان منها‏,‏ ويؤدي ذلك إلي نشاط النهايات العصبية في الجلد‏,‏ وإلي شئ من راحة القلب‏,‏ وعودة الشعور بالحيوية إلي الجسم‏.‏
‏(8)‏ من سنن الوضوء السواك وهو دلك الأسنان بعود من الاراك أو ما يشبهه من الخشب النباتي‏,‏ وفي ذلك يروي أبو هريرة‏-‏ رضي الله عنه‏-‏ أن رسول الله‏-‏ صلي الله عليه وسلم‏-‏ قال‏:‏ لولا أن أشق علي أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء‏(‏ مالك‏,‏ الشافعي‏,‏ البيهقي‏,‏ الحاكم‏).‏ وعن أم المؤمنين السيدة عائشة‏-‏ رضي الله عنها‏-‏ أن رسول الله‏-‏ صلي الله عليه‏:‏ قال‏:‏السواك مطهرة للفم‏,‏ مرضاة للرب‏(‏ أحمد‏,‏ النسائي ألترمذي‏).‏
والفم مدخل الخير والشر إلي جسم الإنسان فإذا نظف وتطهر بالمداومة علي الوضوء والسواك سلم بدن الإنسان‏.‏
‏(9)‏ الوضوء ليس مجرد تطهير للبدن‏,‏ وإنما هو إحياء لعلاقة الإنسان بربه‏,‏ وتهيؤ للوقوف بين يدي خالقه سبحانه وتعالي‏-‏ وهذا الموقف يتطلب الطهارة المعنوية كما يتطلب الطهارة المادية‏,‏ ومن هنا كان للوضوء السابغ المتقن أثره النفسي علي المسلم‏,‏ فيخرج منه يقظا‏,‏ حيا‏,‏ متألقا‏,‏ مستعدا للوقوف بين يدي الله‏-‏ جل جلاله‏-‏ وما أروعه من شعور‏,‏ وهنا يتضح وجه الإعجاز التشريعي في فريضة الوضوء‏,‏ وما أجملها من فريضة‏,‏ فالحمد لله علي نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله علي نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله علي بعثة خير الأنام‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏

المزيد من مقالات د. زغلول النجار


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.