بعد أن سرقت جماعة المتأسلمين هدوء يوم الجمعة ، صار يوم الأجازة هو ساعات مزدحمة بضجيج الكذب والكراهية الذى يأخذ شكل مظاهرات قليلة العدد عالية الصوت ، تتجمع حيث أسكن فى الشارع الفاصل بين مدينة المهندسين وبولاق الدكرور . وأحاول فهم ألاعيب المتأسلمين ومن يستأجرونهم للالتفاف على حقيقة واضحة ، ألا وهى كراهية عموم المصريين لأسلوبهم الملتوى وغير الأخلاقى فى التلاعب بالمشاعر، بعد تلك السرقة الواضحة لحقى الطبيعى فى التواصل مع الأصدقاء والأقارب يوم الإجازة، صار الجلوس بالمنزل كل جمعةّ هو الأمر المفروض بحكم الضجيج الذى يفور أحيانا بثلة من المأجورين الهاتفين ضد ما اخترناه من إسقاط لشرعية المتأسلمين الكاذبين . ولا يبقى لى سوى السفر بذاكرتى إلى ما سبق وشاهدته من عيون مأجورة فى بانكوك عاصمة تايلاند ، ولم تكن عيونا مأجورة فى مظاهرات عشوائية ، ولكنها عيون تعانى من قهر اجتماعى واضح المعالم ، وتحاول الانتصار على حالة العجز عن الثقة بالمستقبل ، وتتمثل المحاولة فى خداع أى زائر لبانكوك، وإقناعه بشراء بضائع مزورة مهربة من أى مكان فى العالم، متظاهرو التأسلم أن يبيعوا لنا دينا يأخد اسم الإسلام والإسلام منه براء، وكان من الطبيعى أن تتجاور فى ذاكرتى عيون بانكوك مع عيون اليابان التى زرتها بعد تايلاند. فمنذ خطوتى الأولى على أرض طوكيو حتى التفت إلى عيون اليابنيين التى تنظر إليك بإحترام ومودة وقادرة على أن تؤدى ما تطلبه إن كان لك طلب لديها ،عيون منتبهة ، تقوم بعملها كأداة لإستكشاف ما هو أمام الإنسان، وتحترم خصوصية من تلتقى بهم، والكل ينحنى بتحية سريعة لمن يعرفهم . والوقوف عند محطة القطار حسب رقم المقعد ، ولأن حقائبى كانت كثيرة فوجئت بأن سيدة فوق الستين تعمل فى وظيفة «الشيال»، تأتى بعربة تسهل لها رفع الحقيبة من على الأرض ، ويمكنها أن تنزلها، وحين سألت « أليست السيدة فى عمر يستدعى التقاعد ؟ أجابنى المترجم «لا أحد يحب التقاعد فى اليابان» . إندهشت تماما لأن الرأسمالية موجودة باليابان ، لكنها تختلف عن رأسمالية تايلاند ، فحين سرت فى شوارع بانكوك أذهلنى الثراء الفاضح الفاجع لرأسمالية إستهلاكية تزرع الفقر فى عموم تايلاند ، وحين التقيت ببعض من نماذج أثرياء اليابان وجدت أى ثرى منهم يضع المسئولية الإجتماعية فوق أى إعتبار آخر ، ويضع مهمة رعاية مستقل عموم اليابانيين فوق أى مكسب لاداعى للمقارنة بين رأسمالية تايلاند الإستهلاكية، ورأسمالية اليابان المنتجة، فهناك فارق أساسى بين المجتمعين ، فالحد الأدنى للحياة فى اليابان لا يسمح لأحد بأن يحترف الخداع إلا لمن يحتاجون لعلاج نفسى أو يعانون من خلل عقلى ، ويقوم المجتمع بتنظيم إشباع إحتياجات أفراده بشكل يحقق على أرض الواقع ؛ما سبق و تغنى به توفيق الحكيم فى «عودة الروح» ويمكن أن نجده مكتوبا فى البرديات المصرية القديمة ، ألا وهو «الكل فى واحد». والتدريب على العمل الجماعى يبدأ من الحضانة، وفى المدرسة الإبتدائية شاهدت بعيونى أطفالا يقومون بتنظيف دورات المياه دون قرف او تعال ، طبعا بسبب توافر أدوات التنظيف . فخدمة النفس أمر طبيعي. طبعا اليابان دولة رأسمالية ، لكنها دولة منتجة للتكنولوجيا المتقدمة. ولا يوجد بها ثرثرة سياسية ذات ضجيج مثل الضجيج الذى نحياه ، وأرجو أن يقبل الجميع اعتذارى حين أتهم ضجيجنا الظاهر بأنه غير منتج إلا لمزيد من إحساس أى منا بالوحدة، وأنه من فرط إحساسه بالوحدة يسرع بالصوت العالى . لا أريد أن أغرق فى لوم النفس أو لوم الغير ، ولا أريد أيضا أن أسبح فى بحر التفاخر بمصريتنا وكأنها ستجعل الأرض تخرج من خيراتها ما يطعمنا دون إنتظامنا جميعا فى نسيج مكتوب فى البرديات وفى رسائل الأنبياء والرسل ، وطبقته دول صارت متقدمة، ولكنى أحلم بأن يحاول أى منا قبل أن يلوك كل الكلمات الكبيرة، ألا يدخل أثناء قيادته لسيارته فى دوامة جنون الأنانية بمحاولة أن يسبق جاره، وأن نقلل من تحفز بعضنا ضد البعض. لا أريد أن أغرق فى دوامة لوم النفس و لوم الغير، ولكن يؤلمنى كما يؤلم غيرى أن يتحول القتلة إلى مظلومين يصرخون بتظاهرات ضد من قاموا بمحاولة فتح طريق لأمل مصرى جاء نشارك فيه جميعا. ويؤلمنى بطبيعة الحال مثلما يؤلم غيرى تلك الجريمة المتكررة التى تحدث كل جمعة حين يقوم المتأسلمون بفرض العزلة على كائن يريد التواصل مع الأصدقاء والأقارب كما كان يحدث طوال أعوام كثيفة كثيرة، فيسرق هؤلاء المتأسلمون حقنا فى الاستمتاع بأجازة يوم الجمعة . وصار من الطبيعى على من يفكر فى الخروج يوم الجمعة أن يتساءل أى طريق ستسلكه مظاهرة التأسلم الكاذب . لمزيد من مقالات منير عامر