بقلم: مصطفى أمين الأستاذ محمد التابعى مسح بى الأرض، صورنى للقراء بصورة الحيوان الذى لا يفهم شيئاً فى أصول الغناء.. لأننى ذات مرة كنت أتكلم مع رياض الصلح رئيس وزراء لبنان عندما كانت أم كلثوم تغنى.. فقال الأستاذ التابعى : أنا أكره السهرات الغنائية للسيدة أم كلثوم التى يحضرها مصطفى أمين ! فطلبت من أم كلثوم أن تدافع عنى فرفضت بإباء وشمم ! قالت : إنها متفقة مع الأستاذ التابعى فى كل ما قال! استحلفتها بالعيش والملح.. لكنها أكدت أنها لم تأكل عيشاً وملحاً.. لا معى ولا مع سواى.. لأنها تعيش طوال حياتها على «الريجيم».. ومن أصول المحافظة على القوام ألا تأكل العيش ولا الملح.. ولهذا كان لابد من أن أدافع عن نفسى كما يفعل المتهمون المُقدمون لمحكمة الشعب! إذا أقام الأستاذ محمد التابعى مأدبة أو حفلة أعلن فيها الأحكام العرفية والرقابة الصحفية! يجب أن يحضر المدعوون فى وقتٍ محدد.. ويخرجوا فى وقتٍ محدد.. ويأكلوا فى ساعة معينة.. ويشربوا فى ساعة معينة.. ويضحكوا فى وقت معين.. ويتكلموا فى وقت معين! وعندما نذهب إلى حفلة يقيمها الأستاذ محمد التابعى فى بيته لأم كلثوم.. أشعر بنفس الشعور الذى كنت أحس به ونحن فى طابور المدرسة الابتدائية! إننى أحيانا أنسى وأنا واقف على باب شقة الأستاذ التابعى أننى كبرت وانتهيت من الدراسة.. فقبل أن أدق الجرس.. أمسح حذائى فى رجل البنطلون! والأستاذ محمد التابعى يطلب منا إذا جلسنا فى حفلته لنسمع أم كلثوم.. أن نضع أيدينا على صدورنا.. وألا نتنفس إلا فى مقاطع معينة.. والويل لو واحد منا عطس وأم كلثوم تغنى رباعيات الخيام ! يجب أن نحبس «العطسة» إلى أن ينتهى الغناء وتبدأ موسيقى السنباطى! والويل لك إذا لم تقل «الله» فى الوقت الذى حدده الأستاذ.. فهناك مقاطع معينة يجب أن تقول فيها «الله».. وإذا لم تقل «الله» فى هذا المقطع فأنت لا تفهم أصول الفن. ولا تفهم الفرق بين القصيدة والطقطوقة. ولا تفهم الفرق بين بيتهوفن وشكوكو. فإذا حدث مثلاً وقال أحد الحاضرين نكتة.. فليس لك إلا أن تنتظر وتضحك عليها بعد انتهاء السهرة.. لأن الضحك فى أثناء الاستماع لأم كلثوم لا يتفق مع أصول الفن الرفيع. ومن المدهش أن السيدة أم كلثوم عندما تغنى فى منزل الأستاذ محمد التابعى.. تنقلب إلى تلميذة هى الأخرى.. إنها تقف وتجلس طبقاً للأوقات التى يحددها الأستاذ التابعى.. فالتابعى عنده آلة تسجيل ويجب ألا تغنى أم كلثوم أكثر من طول الشريط! ولم أرِ فى حياتى أم كلثوم تحافظ على مواعيد حفلة كما تحافظ على مواعيد حفلات التابعى. كنت ذات مرة جالساً معها.. وإذا بها تنظر إلى الساعة فى فزع وتقول : «ليلتنا سودة.. لقد ضرب الجرس من خمس دقائق».. ولم أفهم ماذا تريد أن تقول أم كلثوم.. ثم فهمت بعد ذلك! لقد دعاها الأستاذ محمد التابعى للعشاء الساعة الثامنة والنصف.. وكانت ساعة أم كلثوم الثامنة والنصف! فخرجت مسرعة من بيتها فى طريقها للأستاذ التابعى.. ونسيت أن تأخذ معها حقيبة يدها! ونسيت معطفها! نسيتنى أنا أيضاً فى البيت! «الأخبار» - 10 نوفمبر 1954