لجنة انتخابات حزب الوفد تتلقى الطعون من المرشحين.. غدًا    النائب أحمد جبيلي: القضايا العامة في مقدمة أولويات البرلمان    الإسكان تطرح أراضي استثمارية مميزة بالعلمين الجديدة والسادات بنظام البيع    المشاط: تطوير منظومتي التخطيط والمتابعة وفق منهجية «البرامج والأداء»    قادة الاتحاد الأوروبي يتعهدون خلال زيارة لدمشق بدعم تعافي سوريا بعد الحرب    الحرس الثوري: سنقف إلى جانب الشعب الإيراني حتى ضمان أمن المواطنين    وزير الخارجية يشدد على رفض أي ممارسات من شأنها تقويض وحدة الأراضي الفلسطينية أو تقسيم قطاع غزة    آرسنال يتوصل لاتفاق لتجديد عقد طويل الأمد ل ساكا    مباراة السنغال ومالي تشتعل في ربع نهائي كأس الأمم الأفريقية 2025    مران الزمالك - انتظام شيكو بانزا.. وتخفيف الأحمال استعدادا لمواجهة زد    حصاد الوزارات.. رئيس الرعاية الصحية: الهيئة حققت أكثر من 30 ألف قصة نجاح    وفاة ابنة الفنان أحمد عبد الحميد    إيرادات الخميس.. إن غاب القط يواصل صدارة شباك التذاكر وجوازة ولا جنازة يتراجع للمركز الثالث    تداول صورة لفضل شاكر أمام المحكمة العسكرية اللبنانية في جلسة سرية    الصحة: تنفذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    مدرب الجزائر: جاهزون ذهنيًا لمواجهة نيجيريا ونواجه صعوبات    ارتفاع مفاجئ في أسعار الذهب| عيار 21 يلامس 6000 جنيه بمنتصف التعاملات    الجيش السورى يطالب أهالى حى الشيخ مقصود بإخلاء 3 مواقع تابعة لقسد لقصفها    بُناة مصر الرقمية.. منحة تدريبية مجانية لتأهيل الخريجين لسوق العمل التكنولوجي    رئيس الرعاية الصحية: الهيئة حققت أكثر من 30 ألف قصة نجاح فى علاج المرضى الأجانب    رضوى الشربيني ل إيمان الزيدي: كنا حابين نشوفك بصور الزفاف الأول قبل الطلاق    جوارديولا: الجميع يعرف قدرات سيمينيو    غزة: ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 71،409 والإصابات إلى 171،304 منذ بدء العدوان الإسرائيلي    «الصحة»: فحص 4 ملايين طالب ضمن أعمال الفحص الطبي الدوري الشامل بالمدارس    شاهد.. لقطات من كواليس تصوير مسلسل «قسمة العدل» قبل عرضه على ON    «طوبة».. حين يتكلم البرد بلسان الأمثال الشعبية    تنفيذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    وزارة التضامن تشارك في معرض الصناعة التقليدية بالمغرب ضمن فعاليات كأس الأمم    محافظ سوهاج يتابع مقترح التطوير التنفيذي لشارع المحطة وفق الهوية البصرية    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    الأمن يفحص فيديو استغاثة لسيدة تزعم تعرضها هي وبناتها للاعتداء من والدهن في قنا    ضبط قضايا اتجار في النقد الأجنبي بقيمة 11 مليون جنيه    مصرع شاب في انقلاب دراجة نارية بطريق اللاهون بالفيوم    ترامب: ألغيت موجة ثانية من الهجمات العسكرية على فنزويلا بعد عملية السبت    رانيا المشاط: تطبيق دليل "خطة التنمية المستجيبة للنوع" لتمكين ذوي الهمم    حبس عامل 4 أيام لاتهامه بقتل زوجته الحامل إثر خلافات أسرية بقنا    محافظ أسوان يتابع تداعيات العاصفة الترابية ويقرر غلق الملاحة النهرية والتنبيه على قائدي المركبات    ختام فعاليات أوبريت «الليلة الكبيرة» بقرى حياة كريمة في أسيوط    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    حبس عامل دليفري لاتهامه بالتحرش بفتاتين بالسلام    «رجال سلة الأهلي» يواجه الاتحاد فى دوري السوبر    عضو مجلس الزمالك: فوجئت بتعيين معتمد جمال مديرًا فنيًا للزمالك من الإعلام    الجيل الديمقراطي: ذكرى السد العالي تجسد قدرة مصر على حماية أمنها القومي    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    13 قطاعًا تتصدر قيم التداول بالبورصة بجلسات نهاية الأسبوع    تعليم سوهاج تنهي استعداداتها لاستقبال امتحانات النقل للفصل الدراسي الأول    قراران جمهوريان وتكليفات حاسمة من السيسي للحكومة ورسائل قوية للمصريين    استقرار بيتكوين قرب 91 ألف دولار مع ترقب بيانات الوظائف الأمريكية    خطوة بخطوة، طريقة عمل شيش الكبدة بمذاق مميز وشهي    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    هويدا حافظ يكتب: من الميلاد.. إلى المعراج    سنن وآداب يوم الجمعة يوم بركة وعبادة في حياة المسلم    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    الدنمارك ترحب بالحوار مع واشنطن بشأن جزر جرينلاند    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أوراق لمحمود درويش لم تنشر
قال إن كفافيس قضى على الأقل على ثلاثين شاعراً عربياً
نشر في اليوم السابع يوم 21 - 09 - 2008

رغم ما بيننا من محبَّةٍ لم أُجْرِ حوارًا واحدًا مع محمود درويش، لكنَّنى سألتُهُ مئاتِ الأسئلةِ، وتحدثنا فى موضوعاتٍ شتَّى، وليس لدى سببٌ لأذكَرَهُ عن لماذا لم أحاوره، رغم أنَّنى حاورتُ أحمد عبد المعطى حجازى، ومحمد الماغوط، وأدونيس، ونزار قبانى وغيرهم طبعًا.
هل لأنَّه الأقربُ لى شعريًّا، ربَّما، هل لأُحافظَ عَلَى المسافةِ بين حَرْفٍ وآخر ربَّما.
فَتَحتُ صفحات مجلة 'نصف الدنيا' – التى يصدرها الأهرام أسبوعيًّا - حيث أعملُ نائباً لرئيس التحرير، لنشر سلسلةٍ من الحواراتِ معه أَتَتْ من دولٍ عربيةٍ شَتَّى، كما كان أحد الكبار فى برنامجٍ تليفزيونى شاركتُ فيه، أنتجتْهُ قناةُ النِّيل الثقافية، وقد تحدَّثَ فيه درويش عن أشياء جديدةٍ ومختلفةٍ وزوايا مغايرةٍ لا يعرفُها عنه جمهورُهُ
أصدقاؤنا المشتركون حاوروه، ربَّما أكثر من مرَّةٍ، وجاءت حواراتهم وثائقَ مهمةً ستبقى طويلاً، ومن هذه الحوارات ما نُشِرَ فى كُتبٍ. لكنَّنى كُنْتُ أفعلُ أشياءً أُخْرى لمن أُحبُّ، ومحمود فى مقدمةِ هؤلاء من الشُّعراء، مِنْهَا دعوتى إياه إلى مكتبةِ الإسكندريةِ، إذْ أمضينا أَيّامًا مُهمةً: محمود وصبحى حديدى وأنا، كُنَّا فى ضيافةِ الإسكندريةِ برعايةِ وحبِّ صديقى د.يوسف زيدان مدير مركز المخطوطات بمكتبةِ الإسكندرية، وَدَعَوْنَا على الحجَّار ليغنِّى من شِعْرِ محمود، وجاء أصدقاؤنا الشُّعراء والصحفيون والنقَّاد والكتَّاب من القاهرةِ.
وكانت أيام محمود فى الإسكندرية فى مايو 2003 ثريةً وخاصَّةً ومحتشدةً بالذكرياتِ والشِّعرِ والفَيْضِ والتذكُّرِ والحنينِ إلى مصر، والسبعينيات من القرن الماضي، حيث عاش محمود فى القاهرةِ، التى كانت أوَّلَ مدينةٍ عربيةٍ يراها بعد خروجِهِ التاريخى من فلسطين.
قررتُ وكان معى المصوِّر الصَّحفى محمد حجازى، أن أُسَجِّلَ هذه الأيامَ بالقلمِ والكاميرا. وأعلمتُ محمود أنَّنى سأدوِّن كُلَّ ما يذكرُهُ، وأخرجتُ من جيبى قلمى الأَسْوَدَ، ومفكَرةً صغيرةً قرمزيةَ الَّلونِ، عثرتُ عليها بسهولةٍ يوم السبت التاسع من أغسطس 2008 (تاريخ رحيل محمود فى مدينة هيوستن الأمريكية).
ويوم السَّبت هذا حدَّده محمود من قبل فى كتابِهِ الأخيرِ 'أثر الفراشة' موعدًا لموتِهِ، إنه استشرافٌ مثيرٌ وشفيفٌ فى آنٍ:
'صدَّقتُ أنِّى مِتُّ يوم السَّبتِ،
قَلْتُ: على أن أُوصِى بشىء ما
فلم أَعْثُرْ على شىء
وقلتُ: على أن أدعو صديقًا ما
لأخبَرهُ بأنِّى مِتُّ
لكنْ لم أجدْ أحدًا.
وقلتُ: على أَنْ أمضى إلى قبرى
لأملأَهُ، فلم أجد الطَّريقَ
وظلَّ قبرى خاليًا منِّى
....'
إلى نهايةِ القصيدةِ التى عنوانها 'إجازةٌ قصيرةٌ' كأنَّ محمود كان يُشيِّعُ نَفْسَهُ يوم كَتَبَ هذه القصيدةَ بين صيف 2006 وصيف 2007 (هو لم يحدِّد. لأنَّه غالبًا لا يؤرِّخُ قصائَدُه ولا يحدِّد أمكنةَ كتابتها، خصوصًا فى سنواتِهِ الأخيرةِ).
'وأُشيِّعُ نفسى بحاشيةِ من كمنجاتِ إسبانيا
ثُمَّ
أمشى
إلى المقبرة'.
'لم أكتب السَّطْرَ الأخيرَ من الوصيِّةِ،
لم أُسَدِّد أى دَيْنٍ للحياة'.
'وَطَارَ الموتُ من لُغَتى إلى أشغالِهِ'.
كأنَّ محمود فى كتابهِ الأخيرِ 'أَثَرُ الفَرَاشَةِ'، كان يودِّعنا، يودِّع لُغته، مَاءَ قصيدتِهِ، صَوْتَهُ فى رنَّة الذَّهَبِ حينما يَنْزِلُ من نَارِهِ.
وَافَقَ محمود أن أدوِّنَ، دُونَ أَنْ أخدشَ صَمْتَهُ، أو استرسالَهُ، وكان يتحدَّثُ دون أَنْ أَعِدَ بالنَّشْرِ قريبًا. ومحمد حجازى يُصوِّرُ، ولم نَنْشُرْ صورةً أو كَلِمةً واحدةً قبل موتِهِ.
وظلَّت الذكرياتُ محفوظةً بتدوينها الأولى فى مفكِّرتى، وأنا أَسَاسًا لا أستخدمُ المفكِّراتِ فى التدوينِ، وهى المرَّةُ الأولى فى حياتى التى أدوِّنُ فيها لصديقٍ. فَأَنَا عادةً أدوِّنُ لنفسى فى رحلاتى فقط، أو فيما يتعلَّقُ بشعرى.
وما سأكتبُهُ الآَنَ ليس كُلّ ما دوَّنْتُهُ، لأنَّ بَعْضَ ما قال محمود، لا يجوزُ أَنْ يُنْشَرَ الآنَ، لكنَّه قَال، ويدركُ أَنّهُ سَيُنْشَرُ يومًا ما، كأنَّ عبئًا ما كان يحملُ، هى وجهاتُ نَظَرٍ أراد أن يقولَها حتَّى لو عَرفَها شَخْصٌ واحدٌ على هذه الأرض، هو أنا.
بدأتُ التدوينَ فى يوم الخميس الثانى والعشرين من مايو 2003 ميلادية. وسأكتفى بأجزاءٍ مما دوَّنتُ، كى يتعرّفَ قارئُ محمود جَوَانبَ من حياتِهِ الشخصيةِ.
وسأعلِّق أحيانًا لأضِئَ، أو أضيفَ؛ كى يكتملَ المشْهَدُ (مع أنَّ المَشَاهِدَ تظلُّ دوماً ناقصةً حتَّى بعد مَوْتِنَا).
أعشقُ صوتَ الشِّيخ عبد الباسط عبد الصَّمد (عادةً ما يقومُ محمود من نومه فى التاسعةِ صباحًا، ويتناولُ قهوته مضبوطةً و'من غير وش' على حدِّ تعبيره). ولا يتناولُ إفطارَهُ فى مطعم الفندق إذا كان على سَفَرٍ، إذْ يفضِّل الأكلَ فى الغرِفةِ، وهو عمومًا لا يأكلُ كثيرًا، ولا يأكلُ الأرزَ.
فى أوائل عام 1971 جاء محمود إلى مصر، حيث كان يسكنُ فى حى جاردن سيتى فى وسط المدينةِ، وقبل ذلك كان نزيلاً فى فندق شبرد، وعمل فى جريدة الأهرام وكان يتقاضى راتبًا قدره (مئة وخمسون جنيهًا مصريًّا)، وكان مكتبه فى الطابقِ السَّادسِ من برج الأهرام مع كُتَّابِ الأهرام نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس ولويس عوض وزكى نجيب محمود وبنت الشاطئ وآخرين.
وفى تلكَ الفترةِ زار بورسعيد والإسماعيلية والسويس والأقصر وأسوان، (نزل فى فندق كتراكت)، والإسكندرية إذْ حَضَرَ حَفْلاً لعبد الحليم حافظ وكان يشدو وقتذاك أغنية 'مدَّاح القمر' – كلمات محمد حمزة وألحان بليغ حمدى'7من أكتوبر1932-17من سبتمبر1993' – أى قبل ست سنوات من موت عبد الحليم (30 من مارس 1977 ميلادية).
وكانت رحلة محمود درويش هى الثالثة إلى الإسكندرية، أمَّا الرابعة فكان مُحَدَّدًا لها فى أكتوبر أو نوفمبر 2008، خمسة عشر يوماً، وسبع أمسيات شعرية، وتسجيل ما تيسَّر من شعره على سبع إسطوانات DVD فى استوديو مكتبة الإسكندرية، على أن تُهدى المكتبةُ هذه التسجيلات إلى مكتباتِ العالم والمراكزِ الثقافيةِ فى كلِّ مكان.
يقول د.يوسف زيدان: قلتُ له: سأرتِّب لك إقامةً فى قصر السلاملك، فهو أفضلُ مكانٍ بالإسكندرية يليقُ بالشُّعراء. فقال: ليس هذا هو المهم، المهم أن تدعوَ أحمد الشّهاوى ليكونَ معنا .. قلتُ: سوف أعتقلُهُ فى الإسكندرية طوال أيامِ بقائِكَ بها، ولن أسمحَ له بالخروج منها ما دمتَ موجودًا، ضحك محمود درويش، وقال ما نصّه: 'هذا جيِّدٌ، حتَّى نسترجعَ ذكرياتِ الزيارةِ السَّابقةِ'.
فى المرَّة السابقة مايو 2003، نزل محمود فى الغرفة رقم 308 بفندق سيسل (تأسَّسَ عام 1929) بجوار غرفة أم كلثوم'4من مايو 1889-3 من فبراير1975'، وهى الغرفة التى كانت تقيم فيها وقد أحبَّ محمود هذا الفندقَ، أو تلك الإقامةَ لأسبابٍ كثيرةٍ منها أنه قريبٌ من بيت الشَّاعر اليونانى السكندرى قسطنطين كفافيس (29 من أبريل 1863 – 29 من أبريل 1933) وأنه – أيضًا – شهد كتابةَ لورانس داريل'27من فبراير 1912-1990' ل 'رباعية الإسكندرية' كما أنَّ بعض غُرَفِهِ تحملُ أسماءً لفنانين وكُتَّابٍ ومبدعين نزلوا فيه، ويحبُّهم محمود أو شَاهَدَ أعمالهم وهو المُتيَّمُ بالسينما: عمر الشريف، طه حُسَيْن، أجاثا كريستى وغيرهم.
وبمناسبة كفافيس الذى زرنا بيته (متحفه)، وكلانا حصل على جائزة كفافيس فى الشِّعر، فقد طلبتُ منه كتابةَ كلمةٍ فى 'دفتر سجل الزيارات' كما جرت العادةُ مع كبار الزائرين، فكانت كلمته مدهشةً: 'زرتُ اليومَ غيابَ الشَّاعر قسطنطين كفافيس، فوجدته حاضرًا بأشيائِهِ الصُّغرى فى المكان، ولكنَّه حَاضِرٌ أكثر فى شِعْرِهِ العظيم، لأنَّ مَكَانَ الشَّاعر الحقيقى والطبيعى هو القصيدةُ فقط التى يضيقُ بها المكان'.
(وكانت زيارة محمود يوم الجمعة، الثالث والعشرون من مايو 2003). أما أجملُ الأسبابِ لفرحِ وابتهاجِ درويش بإقامتِهِ، فهو بسببِ تجاور غرفتِهِ غرفة أم كلثوم، وهى بالنسبة إليه 'إدمان الوحيد'.
قال لى: 'أم كلثوم معجزةٌ/وهى من الظَّواهرِ الكونيةِ/عبقريةٌ خَارِقَةٌ صوتُها فيه قوةٌ تعبيريةٌ'. حدَّثتُ محمود عن انزعاجى من كتاب 'الهَوى دونُ أَهْلِهِ' الذى كتبه حازم صاغية، وهو كتابٌ فى ذَمِّ أم كلثوم.
وبعد سنواتٍ فاجأنى محمود بنصِّه المدهشِ فى كتابِهِ الأخير 'أَثَرُ الفَراشَةِ'، عن أم كلثوم أسماه 'إدمان الوحيد':
'أستمعُ إلى أم كلثوم كلّ ليلةٍ، منذ كان الخميسُ جوهرتَها النادرةَ، وسائر الأيام كالعقدِ الفريدِ. هى إدمانُ الوحيدِ. وإيقاظُ البعيدِ على صهيلِ فرسٍ لا تُروَّض بسرجٍ ولجامٍ. نسمعها معًا فنطربُ واقفين وعلى حدة فنظلُّ واقفين .. إلى أن تُومئَ لنا الملكةُ بالجلوسِ فنجلسُ على مترٍ من ريحٍ.
تقطِّعنا مقطعًا مقطعًا بوترٍ سحرى لا يحتاجُ إلى عودٍ وكمانٍ .. ففى حنجرتها جوقةُ إنشادٍ وأوركسترا كاملة، وسرّ من أسرار الله. هى سماءٌ تزورنا فى غيرِ أوقاتِ الصلاةِ، فَنُصلِّى على طريقتها الخاصة فى التجلِّى. وهى أرضٌ خفيفةٌ كفراشةٍ لا نعرفُ إن كانت تَحْضِرُ أم تغيبُ فى قطرةِ ضوءٍ أو فى تلويحةِ يدِ الحبيب. لآهتها المتلألئةِ كماسةٍ مكسورةٍ أن تقودَ جيشًا إلى معركةٍ.
ولصرختها أن تعيدَنَا من التهلكةِ سالمين. ولهمستها أن تُمْهِلَ الَّليْلَ فلا يتعجَّلُ قبل أن تفتحَ هى أولاً بابَ الفَجْرِ...'
إلى آخرِ النصِّ الذى أدعو حازم صاغية إلى قراءته علَّه يعيدُ النَّظَرَ فى كتابه الذى لم يُكْتَبُ له 'النجاح' الذى أراده له.
هل قُلْتُ إنَّ درويش ونحن خارجان من بيتِ كفافيس الذى صار مُتْحَفًا، قال لى إن 'كفافيس قَضَى على الأقلِّ على ثلاثين شاعرًا عربيًّا'.
ومقولته واضحةٌ، وخطيرةٌ وَدَالَّةٌ وحقيقيةٌ، لكنَّه لم يُسْم أحدًا ممن قَضَوْا تحت 'سنابك' كفافيس فى معركةِ التأثُّرِ والتقليدِ والمحاكاةِ.
كان محمود يعرفُ أنَّنى أحبُّ صوت عفاف راضى، وأنَّها قريبةٌ منِّى روحًا وَشَخْصًا فقال لى: 'عفاف راضى صوتها خاصٌّ جدًّا'. بالمناسبةِ هو لم يحب صوت محمد فوزى'28 من أغسطس 1918-20 من أكتوبر 1966'، لكنَّه فاجأنى بحبِّه لموسيقى أغنية 'العتبة قزاز والسلم نايلو فى نايلو' التى غَنَّتها ليلى نَظْمى (وهى أغنيةٌ شهيرةٌ ذاعت بعد هزيمة 1967 وهى من ألحان الموسيقار الطليعى على إسماعيل (الخميس 28 من ديسمبر 1922- الأحد 16 من يونيو 1974).
كان مذياع السيارة التى تُقلُّنا محمود وأنا مفتوحًا على 'إذاعةِ الأغانى'، وأطلَّ على آذاننا كمال حُسنى'1929-أبريل2005' بأغنيته: 'لو سلمتك قلبى واديت لك مفتاحه' وحاول محمود أن يتذكَّرَ الأغنيةَ، باعتبارها من الأغنياتِ التى يحبُّها، والصَّادرةِ عن صوتِ كمال حسنى الذى يُحِبُّ، وهذه الأغنيةُ وُضعت بمناسبةِ الوحدةِ بين مصر وسوريا عام 1958 ميلادية.
قال لى: 'الشَّاعر ينضجُ فى الأربعين، أُفضِّلُ شِعْرَ أحمد شوقى فى المسرحياتِ والغزلياتِ، وهو من أمتن الشُّعراءِ فى القرنِ العشرينِ. لقد تحقَّقَ شعر صلاح عبد الصبور فى المسرحيات، فالصنعةُ عنده مُحْكَمةٌ. لم أحب شِعْرَ حافظ إبراهيم.
قال لى فى نَدَمٍ: 'نشرتُ شِعْرِى مُبَكِّرًا'. ، أَخْطَرُ شئٍ أَنْ يُقَرِّرَ الشَّاعرُ قصيدتَهُ سَلَفًا.
قال لى: سِياقُ المقطعِ الأوَّلِ هُوَ الذى يُقَرِّرُ القصيدةَ. وهذا هو الفَرْقُ بَيْنَ النَّظْمِ والكتابةِ. وأصعبُ قافيةٍ هى السَّهْلةُ، لأنَّها مُسْتَهْلَكَةٌ، ولابدَّ عِنْدَمَا تستخدمُها أن تجدِّدَهَا، لم أقرأْ العَرُوضَ، ولم أتعلَّمْهُ، وليس لدى كِتَابُ عَرُوضٍ وَاحِدٍ. فيما بعد اطَّلعتُ على كتابٍ بسيطٍ فى العَرُوض. لم أتعلِّمْ العَرُوضَ بتاتًا، كان ذلك بالسليقةِ، وقرأتُ – فقط – كتابًا لضبطِ القواعدِ. وَأُحسُّ أنَّ لدى سَيْطَرةً على العَرُوضِ.
قال لى: أَنَا من أَكْثرِ الشُّعراءِ نكدًا. فَأَنَا أكتبُ القصيدةَ أَرْبَع مرَّاتٍ، معدَّل مَا أَنْشُرُهُ هو ثلثا ما أكتبُ، والثلث الآَخَرُ للإبادةِ. ولا يوجدُ نصٌّ شعرى شِبْه مُنَزَّلٍ، فَلاَبُدَّ أَنْ تَعْمَلَ 'كولاج ومونتاج'، أؤمنُ بالصَّنْعَةِ بَعْدَمَا تقومُ السَّليقةُ بدورها، السُّلوك يُنْسَى (سُلُوكُ الشَّاعِرِ)، ولكنَّ النَّصَّ يَبْقَى، إِذَا فَقَدَ الشَّاعِرُ أسلوبَهُ فَقَدَ شخصيتَهُ.
قال لى: لدى نظامٌ للفوضى، كلُّ شىء فى حياتى مُنظَّمٌ إلاَّ مكتبى، فَإِذَا رُتِّبَ أَضِيعُ. أُكَدِّسُ الجرائدَ والمجلاتِ ثم بعد عامين أرميها. إنَّ ًأصعبَ شىء على ترتيب الأوراقِ والمكتبِ الخاصِّ بى. ولا أكتبُ حَرْفًا واحدًا بالَّليل. إنَّ ذروةَ العملِ عندى من العاشرةِ صباحًا وحتَّى الثانيةِ ظهرًا. فأنا لستُ صديقًا لليل، مع أنَّه صديقٌ للشُّعراء، وما لا أَرْضَى عَنْهُ من شِعْرٍ أَتَخلَّصُ مِنْهُ نهائيًّا، إلاَّ ما أرى فيهِ قد يَصْلُحُ فى عَمَلٍ آَخَر، وما لا نَرْصَى عنه هو 'عورات الشُّعراء' فلا ينبغى أن تظهرَ على النَّاس.
قال لى: نتأخَّرُ أَحْيَاءً، وَلاَ نَصِلُ مَوْتَى. (فى مَسْأَلَةِ قَلَقِ المُسَافِرِ. كان محمود يطلبُ من السَّائِقِ أن يقودَ السيَّارةَ بسرعةٍ تتراوحُ بين تسعين إلى مئة كيلو متر فى السَّاعة. ولم أر شاعرًا قَلِقًا مِثْل محمود درويش فى حياتى)، فى الرابع والعشرين من مايو 2003 ذهبنا إلى أحد أشهر مطاعم الأسماك فى الإسكندرية وهو 'سى جل' بمنطقة الماكس، وجلسنا على المنضدةِ رقم 131. وكان شعار المطعم 'من البحرِ إلى المائدة'، فقال محمود مُعَلِّقًا – وهو السَّاخر العظيم لمن لا يعرفُ – 'من البَحْرِ إلى المَعِدَة'.
قال لى: ما تزالُ مفكرتى القرمزية بلونِ دم شَفِقِ الأيامِ مَْلأَى بذكرياتٍ، وحِكَمٍ، وآراءٍ، وقفشاتٍ، ونكاتٍ، وعوالم محمود درويش لكنَّ بَعْضَ مَادَوَّنْتُ هَلْ أَنْشَرُهُ، أَمْ أَنْتَظِرُ، أم أَحْفَظُهُ فى روحى إلى أَنْ أرى محمود بَعْدَ أَنْ تموتَ أشيائى التى لن تُدْفَنَ معى يَوْمَ أَمُوتُ، لأنَّها لا تموتُ مِثْلى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.