هذه رواية ملحة. لن تطاوعك نفسك أن تتجاهلها، ولن تواصل تأجيلها مثل كل مرة تستغرق فى القراءة ولا يلمسك العمق. سترتضى الحكى غاية، رغم ظنك المبدئى بأنه مجانى، وتتبع عشرات السير الذاتية المرصوصة، كأنما فى أرشيف للحيوات والمصائر، وتقرأ، كأنما تستمع، الحكايات والوقائع المروية بأكثر من لسان، على لسان راو شديد العلم، لكنه قليل التورط إلى ما بعد منتصف الرواية، وستخجل من أنك ظللت كل هذه الصفحات تتلصص على حكايةٍ مركزية ذات عقدة، على طريقة حوادث التاريخ فى كتب الثانوية العامة، إلى أن تكتشف الهم الضاغط الذى مهدت له كل هذه العناصر، شديدة الفنية والامتاع. فى «أرض النبى» الرواية الأحدث للكاتب خالد إسماعيل، عن دار ميريت، الأستاذ حمزة هو البطل والراوى، ورغم التصاقه الشديد بالأحداث يصدر نفسه كمجرد شاهد عيان، بشكل يفضح سمته الأساسية، التى يتقاسمها معه مثقفون أفرطوا فى الحٌلم وحفظ أشعار الأبنودى، وأمل دنقل، وفؤاد حداد، وأغنيات فيروز والشيخ إمام، ثم أفرطوا فى النسيان، والتزموا كواليس وطن، تقاسمه بالتواطؤ ذوو اللحى وحملة الصليب. الرواية تمتد زمانيا منذ مطلع القرن العشرين إلى ما قبل ثورة يناير بشهور، على مسرح بنى عيش، إحدى قرى مركز طما بسوهاج، حيث رجال يزرعون البرسيم والبقول، ويربون المواشى، ويدخنون الحشيش والأفيون، ويتمسكون بالثأر. ونساء ينجبن حفاة وأفندية، ويؤدين الفرائض، ويحضرن الزار، ويمضغن الحكايات. وأطفال لعمد، وتجار، وشحاذين، وأرامل، ومفقودين، يشكلون مشهد ما بعد التحول الرأسمالى فى القرية. ولطيفة البورى هى ابنة ياسين البورى المناضل الماركسى القديم، الذى عُذب حتى الموت عقب إضراب عمال السكك الحديدية عام 1986، جاءت بنى عيش مع أخيها لينين مدرس الموسيقى عقب وفاة والدهما، وأسسا مشروعين طموحين كان يمكن أن يستبدلا وجه القرية القديم، مشروع المكتبة العامة الذى تبنته لطيفة، وفريق كورال أبناء الفقراء الذى يردد أغنيات سيد درويش «التى ولدت مع زخم ثورة 1919» وأسسه لينين. أما غراب الخولى فمستشار متقاعد، «أعير إلى دولة الكويت، ودامت الإعارة عشرين سنة، عاد بعدها ليعمل مستشارا منتدبا فى وزارة «الإسكان»، وفتحت أمامه أبواب الثروة، فاشترى «أرض مبانى» من تلك الأراضى التى تطرحها وزارة الإسكان فى مزادات علنية، فأصبح يملك «الملايين» و«العمارات»، وحج بيت الله الحرام، هو وزوجته، سبع مرات، وأنشأ جمعية «مصعب بن عمير»، وعددا من المشاريع والأنشطة الخدمية الأخرى بدعم من الإخوان المسلمين، انخرط فيها عمال وخريجى القرية. فى المقابل كان هناك عايدة ميخائيل وأخيها القس صليب، وبظهورهما ظهرت «جمعية حاملى الصليب الأرثوذوكسية»، ومجلة «الأنبا فام» ومكتبة «قلب يسوع»، وتحولت عايدة من فتاة قبطية وديعة «تسمع الشيخ إمام وتقرا شعر أمل دنقل، وتحكى عن صحابها ف الكلية» إلى امرأة لا تقبل العمل إلا تحت «يافطة» الكنيسة، وهذا شرط تقديم أموالها السخية التى هى على اتصال بمصادرها. حمزة شديد التعاسة الزوجية مع رضا ابنة خاله، أو ضريبة الخمسة آلاف جنيه التى أنفقها خاله على أبيه قبيل وفاته بالسرطان، على حاله، كان أكثر استسلاما من التصدى حتى لخناقة يومية مع زوجته. ولطيفة البوري، النفس الثورى الوحيد فى الرواية/ القرية، طردتها أختها فوزية البورى وزوجها عزمى توفيق من بيتهما ورفضا إعادة أموالها هى وأخيها لينين، لأنهما ينويان بيع البيت للمستشار غراب الخولى وأخذ قرض حسن من المستشار لعمل محل كبير، يكون فيه المستشار شريكا بالثلث، و بضربة واحدة يتخلص من المكتبة والكورال «اللى يودى النار»، وأبناء ياسين الشيوعى. وفى نفس الاتجاه التزمت عايدة ميخائيل بوعدها تجاه محمود الجحش بأن «تفتح له سوبر ماركت»، بعدما اشترى لصالحها ربع فدان، يسمح لها بمواصلة توسعاتها الكنسية، ويسمح للقرية بمواصلة أكل الطحينية وبقية السلع التى لم يعرفوها من قبل. وانحشرت القرية بين مشروعات غراب الخولى وعايدة وصليب ميخائيل، وكان النتاج الحتمى أن تزدهر الفتنة الطائفية، ليقفل المشهد على إشاعة اغتصاب النصارى للأخت «وفاء عمر حروكة» وأمها الست «سعاد»، والجهاد، الجهاد يا مسلمين، ثم عصى وجنازير وسيوف، وعايدة ميخائيل تصرخ وشعرها منكوش، واحتراق مكتبة «قلب يسوع»، واشتعال النار فى عيادة «القلب المقدس»، وخروج نساء الأقباط مذعورات، وكذلك العيال.. ولطيفة البورى حافية، تصرخ وتهيل التراب على رأسها وتقول: شفت يا أستاذ حمزة.. عملها غراب الكلب.. شفت الخراب.. بكرة هنتحرق احنا كمان.. هيحرقونا هيحرقونا».. وتنتهى الرواية على ما يمكن أن يتقاطع مع أى يوم من أيامنا الحالية، أو الفائتة منذ استُحضر عفريت السلفيين والإخوان، وتوازى معه نشاط التمويل المسيحى وتسييس العبادة. عند هذا الحد ربما تعاود القراءة، ليس فقط لتستدعى ماضى الشخصيات وتقيسه بمصائرها، ولا لأن حكايات، أهملت التوقف عندها، أضرمت فيك النوستالجيا وأجبرتك على طرقها ثانية، لكن لشعورك المفاجئ أن عالم «أرض النبي» فجأة دبت فيه الحياة، فاحتشدت، الصفحات بصور لا سطور، لرجال مجلببين فى سوق الغلال والمواشى، ونساء أمام أفران الخبيز، وحلقة زار، وأطفال مدارس، وبناتٍ يخبئن خطابات عاطفية، ورجل يٌذبح فى منضرته وأمامه الجوزة، ورجل يُعذب حتى الموت، وقطارات تتحرك، وأولاد يغنون أمام شاب يعزف العود، وفتاة تصنع الطعمية فى الصباح، وترص الكتب فى والليل، ومدرس يتشاجر مع زوجته ويذهب لينام بالقرب من بقرتيه ونعاجه، ومساجد تبنى، وصلبان تعلق، ولحى، وحجاب، ومصادر تمويل أجنبية، وشجار، وحرب. الأحداث تتداخل فى الأزمنة، والشخوص يتبادلون أدوار بعضهم، والأماكن لا يبقى من ملامحها الأصيلة، سوى الأرض، والأرض لا تباع للنصارى، إلى أن ينتهى الحكى ولا ينتهى الصراع. وتبقى لغة خالد إسماعيل التى يبدو أنها لا تبتغى إلا الحكي، لكن بها رشاقة وسلاسة، لا يمكنك معهما، التوقف أمام العامى فيها أو الفصيح، ولا تلتفت متلصصا على فواصل بين السرد والحوار، حيث كلٌ مسخرٌ للحكى، والحكى يحركه هم آثر الكاتب أن يواريه إلى قرب المنتصف، ثم كاشف نفسه كمثقف قديم، ومربى مواشى ونعاج حالى بأن أمثاله هم السبب: «وضعت التبن والعلف للجاموستين، وأزلت ما تحتهما من روث، وفى أذنى عبارة «لطيفة البورى» إنت سلبى، لازم تطلع م الشرنقة»، واسترجعت ذكريات الليالى التى قضيتها أنا وهى و«لينين». منذ الحوار الأخير الذى دار بينى وبينها، وأنا أحس أنها «تحتقرنى»... لها الحق فى أن تحتقرنى وتصفنى «إنت سلبى.. إنت صعبان عليه» لها الحق، أنا جدير بكل احتقار، أنا حاليا فى المكان الذى أستحقه، «حوش البهايم».