يخطئ كثيرًا من يظن أن حرب الملاسنات الاعلامية بين أمريكا وإيران تعبر عن عداء حقيقي.. أو تصادم في الأهداف والمصالح.. وذلك لأن الأمريكان والايرانيين يعملون وفق خطة ترفع راية "المصالح تتصالح" وتتشكل هذه الخطة لتضع في النهاية مصيدة عملاقة يدخلها العرب ببلاهة عجيبة. فأمريكا التي يهمها في المقام الأول تثبيت أركان الصهيونية الاسرائيلية من خلال العمل الدائم والدائب علي امتلاك إسرائيل كل أسباب القوي العسكرية والاقتصادية والعلمية.. إلخ.. اضافة إلي تأييد المواقف الاسرائيلية علي طول الخط تلك المواقف التي تتصادم بالضرورة مع المصالح العربية وانطلاقا من هذا الموقف الميداني والمنهجي عمل الأمريكان علي الاستعانة بإيران لتكون "فزاعة العرب" من اخلال اقناعهم بأن القدرات الايرانية هي التهديد الحقيقي للعروبة وأن ايران تقدم كثيرًا علي إسرائيل كمصدر تهديد للمصالح العربية. وفي المقابل قدمت أمريكا لإيران أعظم وأهم الخدمات حيث خلصتها وإلي الأبد من صدام حسين بعد أن ورطته في حرب شرسة مع إيران استمرت ثمانية أعوام ولم تكشف أمريكا بذلك حيث استطاعت تفكيك العراق وضرب كل مصادر قوته لتتلاشي قدرته تمامًا علي مناوأة إيران، وفي الوقت نفسه عملت أمريكا علي إضعاف قوي حركة طالبان في أفغانستان وعزلها عن الحكم لتكون المرحلة في النهاية تأمين الحدود الإيرانية وبسط النفوذ الايراني في العراق خاصة بعد تغليب قوة الشيعة علي بقية الفصائل. وفي المقابل راحت أمريكا ومنها كل الغرب في تضخيم مخاطر البرنامج النووي الإيراني وخطط التسليح الايرانية لتتحول إيران إلي "فزاعة" لكل الدول العربية وخاصة دول الخليج.. لتحقق أمريكا من وراء هذه الفراغة العديد من المكاسب يأتي في مقدمتها القواعد العسكرية الأمريكية التي انتشرت في دول الخليج ثم صفقات السلاح العملاقة التي يتم إبرامها مع دول الخليج ومنذ أسابيع قليلة أبرمت السعودية اتفاقية مع أمريكا مقدارها 60 مليار دولار إضافة إلي 30 مليارًا أخري في صفقة تكميلية وبعدها أعلنت امريكا عن صفقات أخري مع بعض الدول الخليجية بقيمة 125 مليار دولار ولو حسبنا قيمة صفقات السلاح الأمريكية لدول الخليج فقط خلال العشر سنوات الماضية لوجدناها قد تعدت مئات المليارات من الدولارات بما يعني تشغيلا للمصانع الأمريكية وانتعاشاً للاقتصاد الأمريكي في مقابل صفقات سلاح لن يتم استخدامها أبدًا لتتحول إلي حديد خردة في المخازن مثل الصفقات الكثيرة التي سبقتها أي ان امريكا استفادت من الفزاعة الايرانية كما استفادت إيران من الهيمنة الأمريكية علي المنطقة أما الاستفادة الأكبر فسوف تجنيها إسرائيل حيث تعمل أمريكا علي تأمين البرنامج النووي الإسرائيلي ليتحول إلي رادع حقيقي للعرب ولعل ما حدث منذ عدة أيام عندما قادت أمريكا دول العالم إلي رفض المشروع العربي في اجتماعات الوكالة الدولة للطاقة الذرية باخضاع المنشآت النووية الإسرائيلية إلي التفتيش الدولي والأهم أن امريكا عمدت إلي الترويج للخطر الايراني كبديل للخطر الإسرائيلي والمؤسف أن كثيرًا من الأنظمة العربية ووسائل الاعلام العربية راحت ببلاهة شديدة ترد الكلام نفسه عن الخطر الايراني وضرورة التصدي له ومقاومته ولم يتورع هؤلاء عن اشعال فتيل الفتنة في جسد الأمة من خلال دعاوي الخطر الشيعي ضد السنة ولو سار هؤلاء علي هذا الدرب المعوج لانفجرت المنطقة العربية بأسرها تحت دعاوي الفتنة ولا تنصر الحلف الصهيوأمريكي الذي يستغل العوار الموجود في النظم العربية ذلك العوار الذي نتج عن الديكتاتورية وهي التوريث.. وزواج السلطة بالثروة.. وشيوخ الفساد.. إلخ يتشدد من قبضته علي المنطقة لصالح مخططاته، ولكي لا نتحول إلي محترفي النواحي في سرادقات العزاء نتساءل وكيف يخرج العرب من هذا الكهف المظلم؟ والإجابة ببساطة شديدة هي الهروب إلي الأمام يعمل نوع من الشراكة الاستراتيجية مع إيران في المقام الأول ثم تركيا فمثل هذه الشراكة مع إيران واعتقد انها لن ترفض سوف تضمن العرب ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد وذلك لأنها ستضع السياسات الإيرانية التي تزعم انها ضد الحلف الصهيوأمريكي علي المحك وفي اختيار حقيقي والأهم انها ستضع أمريكا وإسرائيل تحت ضغط حقيقي سيؤدي بالحتمية إلي اعادة الحسابات التي ستؤدي حتما إلي تنازلات في قضية الصراع العربي الصهيوني بما سيؤدي في النهاية إلي التوصل لحلول ترضي جميع الأطراف بميلاد دولة فلسطينية في الضفة وغزة وعاصمتها القدسالشرقية. . وإذا رفضت الأنظمة العربية اللجوء إلي هذه الطريقة الحاسمة للهروب من المصيدة الأمريكية - الإيرانية فلن يتبقي إلا حل واحد يكمن في انتزاع الشعوب العربية لحقوقها وحرياتها من خلال ديمقراطية حقيقية تأتي بأنظمة تعبر عن الرأي العام العربي وفي هذه الحالة لن تستطيع أمريكا ولا إسرائيل الوقوف أمام إرادة الشعوب فهل تلعب الأنظمة العربية "سياسة" أم تلعب الشعوب العربية "لعبة الحياة والموت" لانتزاع الحريات وترسيخ الديمقراطية ومواجهة المصيدة الأمريكية - الإيرانية والصياد لإسرائيل.