في لحظة عبثية من لحظات الحياة الساخرة التي تداهمنا على حين غفلة، قرر حمامة الفلايكي أن يودّع حياته وقوانين عائلته الأكثر عبثية، وأن يرحل إلى حارة ودن القطة، مخالفا بذلك ما يحدث عادة، فحين تشتد حدّة الواقع نزداد تشبثا به ورغبة في تغييره، رغبة لا تزيد الأمور إلا سوءا، لأن الهروب يتحول إلى هروب ذهني، فأنت تعيش بجسدك في عالم، وبذهنك في عوالم أخرى. لكن الحارة تعيش كما تفكر تماما، لا توجد عوالم افتراضية بين جنباتها، هو الواقع بكل عبثيته التي تنتج عن آلامه وخيباته الضاربة في الأعماق، عبثية تحوّلت إلى قانون من قوانين الحياة نلخّصها في الحكمة القائلة بأن شر البلية ما يضحك. بمجرد أن تطأ أقدام حمامة الفلايكي أرض الحارة، يدرك القارئ أن عالم الحارة هو الواقع الذي نعيش فيه حيث نكون، فتبدأ أحداث "حارة ودن القطة" أحدث أعمال الكاتب أسامة غريب، الصادرة عن دار الشروق هذا العام 2025. سرعان ما ينخرط حمامة الفلايكي في مشكلات الحارة التي تبدأ بشكوى صديقه الأقرب المدعو شرحبيل ابن نوسة، فقد أُلقي القبض على السيدة نوسة، والدته، متهمة في قضية قتل فر فاعلها الحقيقي، الذي نكتشف أن بينهم علاقة غامضة يعلمها الجميع! ولا يملك شرحبيل أي حيلة ذهنية أو مادية للدفاع عنها، فلا يجد الصديقان حلا سوى البحث عن القاتل الحقيقي. لكن وسط عالم الحارة تتحول مهمة البحث عن القاتل وبراءة نوسة إلى قضية محورية، تقع على هامشها مشكلات أخرى تبدو أبسط، لكن في الطريق للبحث عن حلول لها، يكتشف أنها الأكثر تعقيدًا، ومن ثم الأولى بالاهتمام، ومن خلال الحكايات المتشابكة، نلتقي بشخصيات أخرى ترسم ملامح الحارة. شرحبيل ابن نوسة، هذا الغارق في مشكلاته المتكرّرة من أخمص قدميه حتى أذنيه، يمتلك موهبة فذة في الشعر، يوظفها في مواقف بعينها، لتكون حيلته الوحيدة للتغلب عليها والخروج منها، بالإضافة إلى كونه عارفًا بالموسيقى والأدب أيضا، ومطلعا على عالم السياسة والاقتصاد والدين أيضا إذا لزم الأمر. صورة معبرة عن أبناء مجتمعنا المصري، الاختلاف الوحيد ربما في النشأة والظروف المحيطة التي تختلف في ظاهرها فقط، فيختلف السلوك والطريقة، فهو ذكي، خفيف الظل، ولديه قدرة على أن يدلي بدلوه في كل شيء بلغة وأسلوب يشوبهما بعض الغرابة، ولكنهما إسقاط آخر، فالشارع قد تغيرت سلوكياته ومظاهره، والألفاظ التي استحدثها يوميا للتعبير عن نفسه. لا تختفي اللغة السليمة ولا تنتهي محاولات الحفاظ عليها والرغبة في الرجوع إليها، لكن الغلبة يوميا لما تفرضه شخصية شرحبيل. المعلم حردوف، صاحب المقهى، الرجل الذي يعلم كل شيء عن الكثيرين، ويستقبل في مقهاه الجميع، وبالرغم من ذلك قد لا يعيره أحد اهتمامًا، فتتلخص جدوى وجوده في الأهمية الاستراتيجية للمقهى: قبلة الشاكين، ومنبر المدّعين، ومنبع الحلول، ومتنفس الغاضبين، وبرلمان تناقش فيه كافة المشكلات المحلية والعالمية، بالإضافة إلى كونه معلمًا من معالم الحارة، بل جزءًا من روح المجتمع المصري، يتغيّر الشكل والمستوى، لكن يظل الباطن واحدًا لا يتغير. زوزو هانم المقرطف، هي واحدة من سيدات المجتمع التي قد تظن أنها كانت تنتمي للحارة، ليس بالضرورة أن تكون نفس الحارة التي عادت إليها مرة أخرى، الأهم هنا هو الفكرة التي ينوه عنها الكاتب، فالحارة هي الأساس الذي خرجت منه فئات المجتمع المختلفة إلى الأحياء الهادئة، وربما القصور أيضا، ولا يقصد هنا التقليل من الحارة، بل الإشارة إلى البساطة، الجذور، العادات والتقاليد، والتراث والتاريخ الاجتماعي للأحداث والشخصيات، والخروج منها هو سنة الحياة التي تدعو دائمًا إلى التغيير ويطمح إليها البشر. ونتعرف أيضًا على: إبراهيم كازوزة، نعيم شمبانزي، إسماعيل بالونة، بدرانوف الطبال، الراقصة إلهام كوكو، سناء مرهم، والحرتآني، وسعد بطارخ. أسماء تبدو غريبة وساخرة لكنها حقيقية، فالاسم يعبّر هنا عن طريقة تفكير الشخصية واهتماماتها وميولها. ويرصد الكاتب من خلالهم المشكلات القديمة قدم وجودنا، وما استجد على المجتمع مع التغيرات التي حدثت في كافة المجالات: الأدب، السياسة التي نتابعها عن كثب، مافيا العقارات، والتجارة بالدين، بل البراعة والإتقان في استخدامه، الاستيلاء على الأموال العامة والخاصة ووجود مبررات منطقية لذلك، السجون، السياسات الخارجية وتأثيرها على المجتمع وتأثرها به، والعديد من المشكلات التي كان أبرزها في شخصية "الواد بتاع الكشري"، هكذا عرف داخل الأحداث، وكانت كنيته بين الشخصيات، هذا المولع بتصوير كل شيء ومتابعة أي شيء من حوله وتصويره، فكان مصيره النهائي إلى الواقع الذي يليق به: مستشفى الأمراض العقلية والنفسية. وبين هذه الأسماء تأتي أهمية السرد وتميزه بصوت الراوي العليم الذي يتناسب تماما مع الأحداث، فهذه الشخصيات لا يمكن أن يتحدث أي منهم عن الآخر، فكيف يحدث ذلك وبأي منطق، ولكل منهم سقطاته وعيوبه؟ كما أن عالم الحارة، من الناحية الأدبية، دائما هناك صوت يتحدث عنه، صوت يعطي بُعدًا آخر وعمقًا للحكاية، تليق بثقافتنا: ثقافة الحكي ونقل الحكايات عبر الأزمان دون أن نعرف من هو راويها بالتحديد، كل ما نعرفه أنه كان هنا، عاش ما نعيشه، واستطاع أن يوثقه وينقله عنا وعن الآخرين. ثم نلتقي بقمة الغرائبية المتمثلة في شخصين: ألكسندر كسكسي الأوكراني، وكاوتشينكو الروسي، الفارين من الحرب الأوكرانية الأخيرة، ولم يجد أي منهما ملاذا له سوى حارتنا. وهنا قد يظن البعض أن الأمر به الكثير من السخرية، وهذا أمر لا ننكره، وهو الحقيقة البادية من الأحداث للوهلة الأولى، لكن بالتدقيق في الأمر نرى جانبًا إنسانيا فينا أراد الكاتب أن يسلّط عليه الضوء، فنحن، بالرغم من مشكلاتنا الكثيرة، المتعددة، والمتكررة، سرعان ما ننشغل بالآخر حين تحل به مصيبة ما، خاصة الحروب، ويصبح واقعه هو شغلنا الشاغل، المؤرق لهذا المواطن البسيط الذي لا يستطيع أن يجمع قوت يومه. وجانب آخر يتمثل في أن هذه المشكلات مهرب مؤقت من واقعنا، ونثبت لأنفسنا أننا قادرون على قراءة الموقف بدقة ونشارك في حركة العالم ولسنا بمعزل عنه. هؤلاء، والكثيرون، ملاذهم الوحيد هو حمامة الفلايكي، الهادئ، الذي يتفاعل مع الجميع ممن حوله، مهما كانت شكواهم، فيعبّر عن صورة أخرى من مجتمعنا، في قدرته على تقبل كل شيء واستيعابه مهما بدت غرابته، وهنا موطن قوته وثقة الآخرين به. هذا الرجل يتمتع بكرم بالغ، وعلم واسع، يتلخّص في قدرته على الاستماع، ولا يعرف أحد الخلفية التي جاء بها إلى الحارة، ولسخرية القدر، هو من يتحكم في زمام الأمور. وبالوصول إلى هذا الجزء نتساءل عن كيفية ضبط إيقاع الحياة في الحارة وسط هؤلاء بمشكلاتهم التي لا تنتهي؟! عزيزي القارئ، لا مفر في الحارة من العقاب، فهناك الشجرة التي يُوضَع عليها كل من يخرج عن المألوف أو يقترف حماقة بالقول أو الفعل. نعم، شجرة كانت إسقاطًا آخر يعبر عن طريقتنا الفريدة في التعامل مع المشكلات، فنضعها جانبًا، نتجاهلها لبعض الوقت، وإن عاد أصحابها مرة أخرى بصورة مختلفة، نتعامل معهم وكأن شيئًا لم يكن. الأمر يشبه ما يسمى حاليًا "التريند". وهكذا تستمر حكايات الحارة، التي يظن القارئ أنها عالم افتراضي، وإذا به وجها لوجه أمام الواقع، وإذا بالكاتب يُهدي إليك عيوبك وعيوب الآخرين جنبًا إلى جنب على طبق من فضة، تشعر أن الآخر هو أنت، الفارق الوحيد هو أنك لم توضع في نفس موقفهم، وفي نهاية الأحداث ندرك أن هذا العالم، بغرائبيته وعبثية أحداثه، صغير جدا في حجم ودن القطة.