صور ومقتطفات توضع جنبا إلى جنب لتشكل جزءا من الذاكرة، لكن حين نمعن النظر نكتشف أن ما يبقى في الوجدان وحفظته الذاكرة هو كل الحكاية، هو الذاكرة كاملة، هو ما عشناه وعايشناه في حقيقة الأمر، وما عداه كان جزءا منا، لا ننكر ذلك، لكن ما بقي هو أنت حتى الآن. ترجع تلك الحالة عادةً إلى مرور سنوات العمر والتقدم في السن والنظرة الشاملة للحياة. هذا ما ينطبق على عامة الناس في جميع أنحاء العالم، لكن من خلال التجربة الروائية التي نحن بصدد الحديث عنها في الأسطر التالية نكتشف أن هذه الحالة تمثل حياة المواطن الفلسطيني على مر السنين منذ وقوع النكبة عام 1948، تمر الحياة بين احتلال وقتل وتهجير ولجوء وحروب نفسية ومادية مستمرة، فتتحول الحياة إلى مشاهد. استطاع الكاتب الفلسطيني إبراهيم نصر الله، الحائز على جائزة «نيوستاد» العالمية للأدب، وقد حل نصرالله ضيف على معرض القاهرة للكتاب في دورته ال 57 لعام 2026 للاحتفاء بهذا التكريم. وقد جاء في الفوز بالجائزة أنها منحت لكتاباته المتجذرة في الهوية والمنفى والهوية الأمر الذي جعل القضية الفلسطينية ملء السمع والأبصار، وتتجلى حيثيات الفوز واضحة إلى جانب تلك الإشكالية التي يعيشها الإنسان العادي في مرحلة معينة، ويعيشها المواطن الفلسطيني دائما، من خلال أحداث رواية «طفولتي حتى الآن». تنطلق الأحداث من تبادل الخطابات بين إبراهيم وصديقته نور، مراسلات كانت مهربهما من الموت الذي يواجه العالم، فكانت نواة رواية يرصد خلالها الكاتب مشاهد من الطفولة تتقاطع مع مشاهد من حاضره وماضي الأجداد. يبدأ إبراهيم أولى مراسلاته بمشهد من الطفولة؛ إبراهيم ونور يرسمان المستقبل، متناسيين تماما ما حدث قبل ميلادهما، وما يعيشانه من لجوء، وما قد يتكبدانه من خسائر بعد لحظات اللعب التي تتخللها الأحلام البريئة. يخرج إبراهيم من قبضة الاحتلال إلى فضاء السماء الواسعة، يرسم مطارات العالم ويجزم، ببراءة الطفولة التي تحارب المستحيل وتتغلب عليه وحدها، أنه سوف يزور هذه المطارات في يوم من الأيام. تشاركه نور الأحلام وتخبره هي الأخرى بأحلامها التي تتغير في مرحلة من المراحل فتكون المقاومة على رأسها، ويتلخص عرسها في نجاح المقاومة وتكوين جبهة تظل مرفوعة الهامة، لا يستطيع أن يخذلها أحد. لن أتحدث هنا عن اللحظة التي أخرجت إبراهيم بطل الرواية من حاضره، وألقته بين سنوات الماضي يتجول ويلتقط حكاية من هنا وحكايات من هناك، فيرسم حالة الصراع الكبرى التي لم يُسلط عليها الضوء بالشكل الكافي، وهي اللجوء، حياة المخيم، التي ظن العالم أن المواطن الفلسطيني حين ارتضى اللجوء أو النزوح — باللكنة الفلسطينية المحببة — قد رحم من براثن الاحتلال ونجح في أن يستأنف حياته، لكن الحقيقة أن الحياة في خيام اللجوء، والحلم ببناء البيوت والالتحاق بالمدارس، تصبح وحشا آخر يلتهم الفلسطينيين يوميا، خاصة وهم ينظرون إلى بلادهم على بعد خطوات لا تستغرق نصف نهار واحد. يتجول إبراهيم بين طرقات مخيم الوحدات، يذكر حكاية الأم التي تحول عرسها إلى مأتم حين تم الاستيلاء على قريتها وتهجيرهم منها، فيأخذنا إلى قرية البريج — تصغير كلمة «برج» — ويرصد على لسان الأم كيف تم الاستيلاء على القرية وتحويلها إلى منطقة عسكرية محظورة. ويذكر الأم حين ربطت الحزام حول خصرها تجمع فيه الأموال التي ظلت توفرها لسنوات، حتى نجحت في أن تبني منزلا كبيرا يجمع الأبناء والأحفاد؛ منزل، برغم الدفء الذي يغلفه، لكنه لا يعوض غصة فقدانها للمنزل الذي كان. يدخل الخيام ليروي حكاية العمة التي كان يتدفأ بحضنها صغيرا، ومن أحلامها البسيطة المجهضة نلتقي ب«المصري»، رجل عرف بهذا الاسم، لا يعرف أحد إن كان مصريا في أصوله بالفعل أم فلسطينيا عشق الثقافة المصرية إلى الحد الذي جعله يتحدث باللكنة المصرية ويعشق أغنياتها وأفلامها ونجومها ورموزها السياسية، أم أن هذا العشق والانتماء ينطوي على أمل وحب لجزء من الهوية العربية لم يسيطر عليه الاحتلال، ومادام موجودا فما زال الأمل في تحرير الأراضي الفلسطينية قائما. مهلا عزيزي القارئ، فهذه ليست نظرة رومانسية مني أو من الكاتب، فحين تعرف أن هذا الرجل ظل يبكي أياما طويلة خلف باب منزله يرفض الخروج بعد وقوع نكسة 1967، تدرك أننا لا نبالغ. يحلق إبراهيم فوق المخيم فيرصد أحلام الأصدقاء؛ منهم من حقق أحلامه، ومنهم من سلك طريقا آخر، لكنهم في نهاية الأمر انتصروا على معوقات الحياة وجرائم الاحتلال. ثم يذهب إلى لحظات النجاح والخروج من المدرسة إلى عالم المكتبة في العاصمة، والقراءات الأولى، والحلم بدراسة الموسيقى وكتابة الشعر، الأحلام التي أدت به إلى المزيد من الاغتراب بين الدول العربية، معلما في مدارسها، اغتراب كشف له عن الكاتب بداخله، فكان أداة التوثيق لحياته في بداية الأمر، الحياة التي اكتشف أن الكشف عن جوانبها هو توثيق لحياة شعب بأكمله تستحق أن تروى. بالوصول إلى هذا الجزء تحديدا يدخل القراء في حالة من الخلط بين ما إذا كان هذا العمل الأدبي رواية أم سيرة ذاتية تتخفى في ثوب روائي، خاصة وأن العديد من الحكايات تتشابه مع قصة حياة الكاتب إبراهيم نصر الله، وبطل الرواية اسمه إبراهيم، بالإضافة إلى أن هذه الرواية هي أحد أجزاء «الملهاة الفلسطينية»، المشروع الروائي الذي سخر الكاتب حياته الأدبية من أجله، ولكننا لا نستطيع أن نجزم بحقيقة كونها سيرة ذاتية. تكمن الإجابة في أن حياة الفلسطينيين، مهما اختلفت وجهاتهم ومصائرهم، فالحكاية واحدة. يظل الكاتب يتنقل بين إبراهيم الصغير الذي مازال يسكنه في الكِبر ويرفض أن يفارقه، يروي الأحداث بين الماضي والحاضر مستخدما تقنيات الفلاش باك بلغة أهل السينما ولسان الراوي العليم بحكايته التي هي جزء لا يتجزأ ولا يمكن أن تروى دون حكايات الآخرين بين ماضيهم وحاضرهم الذي يعلمه من حكايات الأم والأجداد. فتصبح حكايته ومأساتهم رمزا لفكرة النجاة، الدرس الذي يعلمه الفلسطينيون للعالم يوميا حتى الآن: كيف يمكن أن تستغل أبسط الإمكانيات لتتعلق بالحياة وتنجو حين تستأنف حياتك مرة أخرى، وينجو حتى من رحل، فأنت ما زلت هنا تتحدث عنهم وتكتب حكايتهم، فينجو نضالهم من الموت والنسيان. تستمر حكايات إبراهيم في التدفق فيعود من مرحلة الشباب إلى زمن النزوح ومرارة التجول في الطرق أياما طويلة، حتى لحظة الوصول إلى البئر الذي غرق فيه معظم أهالي قرية البريج، والذين نجوا منهم لم يستطيعوا، باقي حياتهم، النظر في عيون بعضهم البعض من قسوة اللحظة! يذكر المرارة التي لم تفارق الجد الذي ظل طيلة حياته يحلم بالنزوح إلى دمشق مع حبيبته التي لم يستطع أن يأخذها معه، ويحلم بالعودة التي لم يؤمن، برغم ما حدث، أنها مستحيلة. ثم يصطدم إبراهيم بتلك اللحظة الفارقة في حياة الوطن العربي، لحظة الشقاق بين المقاومة والسلطات، صدام دفع ثمنه المنزل الذي بني في سنوات، وفقدان الثقة، وفراق المزيد من الأحبة. صدام خرج منه بصدمة أخرى، هي رحيل الرئيس جمال عبد الناصر، التي لخّص مرارتها في هرولته بين طرقات المخيم المحطم ليخبر والده برحيله، فإذا بمرارة الفقد تسكن دموع الأب التي لم يرها منذ النزوح من فلسطين، كما كانت المرة الأولى التي يرى فيها الأب منكس الرأس من شدة الحزن. وهكذا تستمر الحكاية التي يرويها إبراهيم الطفل والشاب والرجل الذي هو الآن، سنوات تمر بين محن ومنح يتغلب عليها، ويحقق العديد من النجاحات والآمال التي عاش من أجلها، لكن تظل الحكايات ومشاهد الرواية بلا نهاية محددة، فالنهاية لم تحن بعد، فحتى الآن لم يفارق إبراهيم مخيم الوحدات ولم يعد إلى فلسطين، لذلك لا تكتمل حكاية إبراهيم أبدا، فالوطن ما زال تحت وطأة الاحتلال، ولأنه خرج من فلسطين طفلا ولم يعد حتى الآن، ظلت طفولته معه حتى الآن.