صعود محتمل ل 6000 دولار للأونصة.. تحركات الذهب تثير القلق في أول أشهر 2026    80 جنيها للكيلو.. انخفاض درجات الحرارة يتسبب في ارتفاع أسعار الدواجن بالبحيرة    النصر للسيارات تستقبل وفدا من قطاع السياحة والنقل السياحي لاستعراض أحدث منتجاتها من الحافلات السياحية    إلهان عمر.. هجوم على النائبة الأمريكية خلال حشد شعبي في "مينيسوتا"    رئيس وزراء قطر: ندعم جهود خفض التصعيد في المنطقة    تشكيل ريال مدريد المتوقع أمام بنفيكا في دوري أبطال أوروبا    عاجل- غلق ميناء العريش البحري بسبب سوء الأحوال الجوية    25 مصابًا في حادث انقلاب سيارة عمال بوصلة أبو سلطان بالإسماعيلية    حبس زوجة أب 4 أيام بتهمة تعذيب صغير بقرية تلات في الفيوم    عاجل- محافظ الجيزة يعتمد نتيجة الشهادة الإعدادية اليوم.. ونسبة النجاح 85%    البحيرة: حصر بؤر الكلاب الضالة.. واستهداف المناطق الأعلى تسجيلا لحالات العقر لمواجهة الظاهرة    رئيس جامعة المنوفية يستعرض دليل النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات البحث العلمي    تصعيد إسرائيلي متواصل جنوب لبنان.. تفجيرات وتوغلات برية وقصف بالمسيرات    هل يجوز تسمية ليلة النصف من شعبان ب البراءة؟.. الإفتاء تجيب    تمريض بني سويف تنظم دورات تدريبية لرفع كفاءة العاملين بالتأمين الصحي    رويترز: شكوك في تعاون الرئيسة الفنزويلية المؤقتة مع إدارة ترامب    أسعار الخضار والفاكهة اليوم الأربعاء 28-1-2026 فى المنوفية    مواعيد مباريات الأربعاء 28 يناير - الزمالك وبيراميدز.. وليفربول وسيتي وريال مدريد وبرشلونة في أبطال أوروبا    موعد مباراة الأهلي ويانج أفريكانز بدوري أبطال أفريقيا    فيروز أبو الخير تتأهل إلى نصف نهائي بطولة «سبروت» للإسكواش بأمريكا    إقامة 9 معارض أهلا رمضان بقنا وتكثيف الرقابة على الأسواق استعدادا للشهر الكريم    المالية: تعزيز جهود خفض زمن وتكاليف الإفراج الجمركي لتيسير حركة التجارة    الرئيس السيسي يصدق على تعيين 383 معاونا للنيابة الإدارية    بلاغ يكشف مفاجآت، التفاصيل الكاملة لواقعة تحرش سائق بفتاة في رمسيس    محافظ قنا: التعليم ركيزة التنمية وبوابة تلبية احتياجات سوق العمل    القبض على المتهم بإشعال النيران في مطعم بأسوان    مدحت عبدالدايم يكتب: فاتن حمامة نجمة القرن.. وفن إعادة صياغة الوعي    اليوم.. أحمد الشرع يجري زيارة إلى موسكو لبحث العلاقات مع روسيا    مواقيت الصلاه اليوم الأربعاء 28يناير 2026 بتوقيت المنيا    شهر يغفل الناس عنه| «شعبان» من الأشهر المباركة ترفع فيه الأعمال إلى الله    رمضان 2026... «الأوقاف» تحسم الجدل بشأن توقيت صلاة التراويح بالمساجد    إذاعة الجيش الإسرائيلي: الاستعدادات اكتملت وفتح معبر رفح خلال أيام    الهند تتمكن من احتواء تفش لفيروس نيباه بعد تأكيد حالتي إصابة في ولاية البنغال الغربية    خطوات استخراج قرار علاج على نفقة الدولة    الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط يزور جامعة الأزهر لتعزيز الحوار ومواجهة خطاب الكراهية    موعد مباراة ريال مدريد وبنفيكا في دوري أبطال أوروبا والقناة الناقلة    يخاطب جيلًا لم يصنع يناير ..قراءة في خوف السيسى من شباب جيل Z ..عدوه الجديد ؟    نظر محاكمة 115 متهما ب خلية المجموعات المسلحة اليوم    بث مباشر الآن دون تقطيع.. دوري أبطال أوروبا برشلونة ضد كوبنهاجن شاهد مجانًا الآن    وكيله: توروب رافض فكرة رحيل ديانج من الأهلي    توقع إعلان الإبقاء على الفائدة الأمريكية دون تغيير اليوم    الصحة العالمية تحث المدارس فى أنحاء العالم لتشجيع الأطفال على تناول الطعام الصحي    جولة ليلية لمحافظ الإسماعيلية ضد الإشغالات وسرقة الكهرباء | صور    أخبار فاتتك وأنت نائم| أسطول أمريكي يتحرك نحو إيران.. والذهب يُحطم الأرقام القياسية    منى عشماوي تكتب: ليس كل تحرك للأساطيل الأمريكية وراءه ضربة عسكرية!    ميلانيا ترامب تعلق على احتجاجات مينيسوتا.. "احتجوا بسلام"    صدور كتاب «التصوف والدولة الوطنية» في معرض القاهرة الدولي للكتاب    محمد علي السيد يكتب: تفليت.. قصة    أحمد هاشم يكتب: كلنا مسئولون    «طفولتي حتى الآن».. رواية تتحدث عن ذاكرة تكتب كل يوم    حفل كتاب الرسائل المصرية.. أنشودة فى حب مصر بحضور الرئيس اليمنى الأسبق على ناصر.. فيديو    دار الشروق تطرح رواية «حوض ريان» للروائي إبراهيم المطولي    الزراعة: لا زيادة فى رسوم تطهير المساقى دعما للمزارعين    نتائج الجولة الثالثة بالدور النهائي لدوري المرتبط للكرة الطائرة    رئيس قضايا الدولة: الهيئة تضطلع بدور عبر العمل على تحقيق العدالة الناجزة    حارة ودن القطة.. حين يصير العبث قانونا    عضو التنسيقية تطالب بتوفير لقاحى الروتا والمكورات الرئوية مجانا للرضع    خالد الجندي: الصمت عبادة من أعظم العبادات المهجورة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ثلاثية الأجراس.. رحلة إبراهيم نصر الله فى التاريخ الفلسطينى الحديث
نشر في الشروق الجديد يوم 18 - 05 - 2019

فى «ظلال المفاتيح» عار إسرائيل يلاحق جنوده.. والبطلة رمز للأم الفلسطينية التى حملت النكبة فوق رأسها وحاربتها بالذاكرة فى سيرة عين قصة مواجهة تزييف الصهيونية أن فلسطين أرض بلا شعب فى الرواية الثلاث يؤكد أن الانتفاضة الفلسطينية الأولى أولى ثورات الربيع العربى
«فى عام 1985 قرأت جملة للزعيم الصهيونى «بن غوريون» يقول عن الفلسطينيين: سيموت كبارهم وينسى صغارهم. فبدأت أحس بخطورة أن يموت كبار السن الذين يحملون الذاكرة دون أن نسجل معهم فبدأت مشروعا ذاتيا: تسجيل شفهى مع عدد كبير من كبار السن وكان هدفى أن تكون رواية فاكتشفت أن فلسطين أكبر من أن تحيط بها رواية واحدة».
الكاتب الفلسطينى «إبراهيم نصرالله» استطاع تحويل الفكرة إلى مشروع روائى يضم 12 رواية تغطى 250 عاما من التاريخ الحديث لفلسطين بعنوان «الملهاة الفلسطينية»، رحلات متجددة فى التاريخ والذاكرة الفلسطينية، نبع لا يجف من الحكايات التى تتوارثها الأجيال وتتجدد بالكتابة عنها.
«ثلاثية الأجراس».. هى أحدث هذه الرحلات، التى أعلن الكاتب الحائز على جائزة البوكر العربية عن صدورها عبر حسابه الشخصى على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك فى يناير 2019، وهى عبارة عن ثلاث روايات متصلة بالواقع الفلسطينى، منفصلة بموضوعات مختلفة تقرأ كل منها على حدة، تدور أحداث الروايات الثلاث فى الفترة ما بين عامى 1917 1993، صدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون.
ظلال المفاتيح.. بطولة زائفة
تدور أحداث الجزء الأول من ثلاثية الأجراس فى قرية «راس السرو» إحدى القرى التى تعرضت لهجمات العصابات الصهيونية عام 1947، يتتبع الكاتب سيرة القرية كاملة من خلال مواجهة بين «مريم» و«ناحوم».
«مريم»، سيدة فلسطينية عثرت على صبى فى عمر أبنائها مختبئ فى حظيرة المنزل، لم تتخيل أن هذا الصبى هو «ناحوم»، أحد ضباط العصابات الصهيونية التى هاجمت القرية فى الليلة السابقة، كان يرتجف خوفا من عار أن تقتله امرأة عربية، لكن مريم أورثته عارا أكبر حين قامت بإنقاذه ومساعدته على العودة إلى المستعمرات، وأصبحت الشاهد الوحيد على بطولته الزائفة وادعائه الكاذب أنه استطاع الاختفاء من العرب والعودة سالما.
لم تكن تلك المواجهة هى الأخيرة فقد تكررت لقاءات مريم وناحوم ثلاث مرات، فكانت المرة الأولى عام 1948 حين تم تكليفه بإبادة القرية وتطهيرها عرقيا، وبالرغم من أنه لم يترك على أرضها ظلا واحدا لأى شىء حى، ظل على يقين أن هناك شاهدا على بطولته الزائفة ما زال حيا.
هذا الشاهد هو ذاكرة مريم التى استطاعت النجاة من مذبحة القرية واللجوء إلى قرية «النبعة الفوقا»، فكان اللقاء الثانى عام 1967، عقب إعلان سيطرة الاحتلال الكاملة على فلسطين، لم يتردد ناحوم فى أن يذهب ويطرق بابها مدعيا أنه جاء ليشكرها، لكن مريم أدركت الهدف الحقيقى من الزيارة، وإذا بها تعترف أمام أهل القرية أنها ساعدته على الهرب لا لشيء سوى طاعة للعادات والتقاليد التى تقتضى حماية الغريب حين يلجأ إليك حتى لو كان عدوك، خرج ناحوم من القرية وقد أصبح على يقين أن عاره القديم لم يمت وأنها فى كل مواجهة تلحق به هزيمة جديدة.
ثم كان اللقاء الثالث مفاجأة مدوية بعد عشرين عاما، حين تلقى ناحوم اتصالا من أحد قادته يبلغه أن هناك أمرأة استطاعت العبور إلى قريتها القديمة عدة مرات؛ لتعيد رسم ملامح المدينة كاملة على الأرض بالحجارة، ذهب ناحوم إلى القرية وإذا به فى مواجهة مريم سيدة عجوز وقفت بها الذاكرة أمام قريتها فأيقن أنه لم ولن يبيد القرية فمن يستطيع أن يبيد ذاكرة وطن حية فى العقول والقلوب؟
بنهاية الرواية ندرك أن مريم رمز للأم الفلسطينية التى حملت النكبة فوق رأسها وابتلعت مرارة الهزيمة وحاربتها بالذاكرة، المرأة التى حملت مفتاح منزلها ولم تجد أقيم منه قلادة تزين جيدها حتى تسلمه لمن يحفظ الحكاية من الأبناء والأحفاد بعدها، مريم نموذج كتب عنه الكاتب ليحقق الهدف الثانى من مشروع الملهاة قائلا: «إذا ما سجلنا الحكاية الفلسطينية فعلا نحن نسيناها، فكل ما ننساه يصبح لأعدائنا بالنسيان».
سيرة عين.. قصة مصورة مسيحية
فى الجزء الثانى من الثلاثية يعود بنا الكاتب 30 عاما قبل النكبة، يروى لنا حكاية أول مصورة فلسطينية وعربية هى «كريمة عبود»، التى تنتمى إلى أسرة مسيحية عريقة تسكن بالقرب من كنيسة الميلاد فى بيت لحم، والدها من أشهر الشخصيات التى عرفتها فلسطين فى تلك الفترة، أب وقس محب للفن والموسيقى ساعدها على اقتناء كاميرا واحتراف التصوير كعمل حتى امتلكت استوديو للتصوير فى دار ضومط بمدينة حيفا.
ظل عمل كريمة كمصورة يقتصر على الصور الشخصية وصور العائلات، حتى اكتشفت أن هناك مصورا صهيونيا يدعى «موشيه» يصور المدن الفلسطينية وأهم الآثار والمنازل والكنائس صورا صماء خالية من الوجود الإنسانى يرسلها إلى المنظمات الصهيونية؛ ليثبت لليهود حول العالم أن فلسطين فى انتظارهم أرضا بلا شعب.
انطلقت كريمة تصور الأماكن ذاتها، صورا حية نهارية لا تخلو من مظاهر الحياة اليومية للشعب الفلسطينى، استطاعت من خلالها أن تزور جميع المدن والقرى الفلسطينية وتوثق لها بالصور التى استعان الكاتب ببعض منها لتزين أغلفة الثلاثية.
كما تحولت رحلاتها التصويرية إلى أهم أدوات التوثيق للتراث ورصد أهم يوميات الثورة الفلسطينية والإضراب الذى أعلنه الشعب الفلسطينى عام 1936 احتجاجا على عمليات التهجير المنظمة لليهود من حول العالم إلى فلسطين وبناء المستوطنات، بالإضافة إلى سيرة مصورة للعائلات والشخصيات المهمة فى تاريخ النضال الفلسطينى فى تلك الفترة، فأبطال الرواية شخصيات حقيقية شاركوا فى قيادة الثورة من قساوسة وشيوخ ورهبان وأدباء، حرص الكاتب على أن يذكر سيرتهم كاملة فى الهوامش ومقدمة الرواية.
بنهاية الأحداث نكتشف أن كريمة عبود نموذج آخر لامرأة فلسطينية حفظت الذاكرة من خلال عينها التى استطاعت أن تلتقط أكثر من ألف صورة تحفظ التاريخ والحكاية، بالإضافة إلى أن هذا النوع من الروايات يحلق من خلاله «نصرالله» بعيدا عن صورة المخيم والتهجير وحواجز الاحتلال التى شوهت الصورة الفلسطينية ليثبت حقيقة واحدة، أن هذا الاحتلال شيء على هامش التاريخ الفلسطينى مصيره هو الزوال.
دبابة تحت شجرة عيد الميلاد
جاء «نصر الله» بهذا الجزء ختاما للثلاثية لكى تكتمل القصة وتملأ الفراغات التى ظلت علامات الاستفهام أمامها فى الروايتين السابقتين، من خلال سيرة حياة عائلة «إسكندر» العائد من ويلات الحرب العالمية الأولى شبه ميت لكنه استطاع أن يتشبث بالحياة ويتزوج من «مرتا» شابة من مدينة القدس لا تحب شيئا فى حياتها قدرالغناء والعزف على البيانو.
عاشت الأسرة فى بلدة «بيت ساحور» وعاصرت أهم الأحداث التى شهدتها فلسطين بداية من ثورة عام 1936 التى كان اسكندر أحد قادتها ثم تتابعت الأحداث التى تزامنت مع ميلاد الأولاد والأحفاد وتغير شخصياتهم فتتحول الحكاية من تلك النقطة إلى رواية أجيال بدأت بأحداث النكبة عام 1948، مرورا بهزيمة 1967، وصولا إلى أحداث الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 والتى يعتبرها الكاتب هى أولى ثورات الربيع العربى وذلك وفقا لتصريحاته فى العديد من اللقاءات التليفزيونية.
بالرغم من أن هذه الرواية تجمع العديد من الأحداث وترصد أصولها ومصيرها فإنها توقفت طويلا أمام أحداث الانتفاضة الفلسطينية الأولى، فمن الممكن أن يعتبرها القارئ توثيقا لأحداث الانتفاضة يوما بيوم فى بلدة «بيت ساحو» التى ضربت مثالا فريدا من نوعه فى البسالة والصمود أمام قوة الاحتلال.
نظمت بيت ساحور لجانا شعبية استطاعت بمجهودات ذاتية للشعب الفلسطينى الاستغناء عن الخدمات الشحيحة التى يقدمها الاحتلال، وأن توفر احتياجات أهل القرية رغما عن الحصار الذى تعرضت له وقرارات حظر التجوال التى راح ضحيتها المئات.
كما رصدت الرواية جميع فنون التعذيب الجسدى والنفسى الذى قام به الاحتلال ضد أهالى البلدة، وقد استشهد الكاتب خلال الأحداث بالعديد منها نقلا عن صحف عالمية ومحطات تليفزيونية أيضا، بالإضافة إلى الحكايات التى استمع إليها الكاتب بشكل مباشر أثناء زيارته للمدينة فى الفترة بين عامى 2009 2016.
تنتهى أحداث الرواية باستسلام قوات الاحتلال وتراجعهم عن حصار المدينة وإلغاء قرار حظر التجوال بعد أن فقدت البلدة المئات من أبنائها لكنها لم تفقد إرادتها فظلت إلى الآن من أهم رموز المقاومة.
وبنهاية الثلاثية التى وثق الكاتب فى صفحاتها الأخيرة جميع المصادر التى ساعدته على كتابة أحداثها يؤكد الكاتب أننا فى كل يوم نفقد مواطنا فلسطينيا بطريقة أو بأخرى لكنه يرحل ويترك تاريخه، حكايته، صورته، ثلاثة أجراس تدق فتذكرنا أنه كان ولا يزال هنا رحل لكن بقى ظله حى إلى الأبد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.