في إطار رسالتها التوعوية ودَورها المجتمعي في معالجة القضايا الأسرية الملحَّة، نظمت دار الإفتاء المصرية، اليوم الثلاثاء، ندوة فكرية وثقافية في جناحها الخاص بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، تحت عنوان: "الحد من ظاهرة الطلاق بين الواقع والمأمول". استضافت الندوة كلًّا من الدكتور علي مهدي، أمين سر هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، والدكتورة هالة رمضان رئيس المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، والدكتور أحمد ترك عضو مجلس الشيوخ، وأدارت الندوة الدكتور هبة صلاح المترجمة بدار الإفتاء المصرية، والتي ناقشت الجذور العميقة لارتفاع معدلات الطلاق، متجاوزةً التوصيف التقليدي للأزمة إلى صياغة حلول عملية تهدف إلى سد الفجوة بين الواقع المتخم بالتحديات الاقتصادية والتكنولوجية، وبين المأمول من استقرار يضمن تماسك المجتمع.
الأسرة تمثِّل وطنًا صغيرًا يُبنى من خلاله الوطنُ الكبير حضر الندوة الدكتور نظير محمد عياد -مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم- والدكتور إبراهيم نجم، الأمين العام لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، وعدد من الباحثين والأكاديميين ورواد جناح دار الإفتاء بالمعرض. وفي مستهل الندوة، أشارت المحاورة الدكتورة هبة صلاح إلى أن بناء المجتمع السليم لا يتحقق إلا عبر أفراد يمتلكون وعيًا مركبًا يتقاطع مع منظومة واسعة من المعارف، وفي مقدمتها العلوم الاجتماعية التي تفسر أنماط السلوك الإنساني والعلوم الشرعية بشقيها، الشق الشرعي البحت القائم على التأصيل والانضباط المنهجي، والشق المتصل بالتعامل مع الجمهور بما يراعي واقع الناس وتحولاتهم الثقافية والنفسية.
الأسباب المؤثرة في عدم استمرار الزواج من جانبها، أوضحت الدكتورة هالة رمضان أن ظاهرة الطلاق تحظى بدرجة كبيرة من الأهمية؛ ما دفع المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إلى دراستها ميدانيًّا على مرحلتين متتاليتين، ركزتا على تحليل الأسباب والعلاج لا على معدلات الطلاق وحدها؛ نظرًا لأن المعدلات والإحصاءات الرقمية قد تعكس صورة مغايرة للواقع الاجتماعي الفعلي، وهو ما يحدث مثلًا في حالات الطلاق الصوري من أجل الحصول على المعاش، مبينة أن اهتمام المركز انصبَّ على ما يُعرف بالطلاق المبكر، وهو ما وصفته بالطلاق الذي يحدث خلال السنوات الخمس الأولى من الزواج، لما يحمله من تشابك واضح بين الأسباب والتداعيات والآثار المترتبة عليه لكلا الطرفين، مشيرة إلى أن قِصر مدة الخطوبة يُعد من أبرز أسباب الطلاق، لكونه لا يتيح فرصة كافية للتعارف الحقيقي. وأضافت رئيس المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن من أهم الأسباب التي قد تؤدي للطلاق أيضًا، كما رصدها المركز، كان تدخل الأهل بشكل سلبي وتراجع دَور العائلة في احتواء الخلافات الزوجية والإصلاح بين الأزواج، وهو ما أسهم في تعميق الأزمات الزوجية مقارنةً بما كان عليه الوضع في السابق، وأكدت أن العوامل الاقتصادية وضغوط المعيشة والتخلي عن أولويات الإنفاق مثَّل كذلك سببًا مباشرًا للخلافات الزوجية التي قد تنتهي بالطلاق، فضلًا عن عدم التوافق في العلاقة الزوجية وعدم التوافق الثقافي الناتج عن اختلاف البيئات الاجتماعية. واختتمت الدكتورة هالة رمضان كلمتها بالإشارة إلى أن إدمان المخدرات والإدمان الإلكتروني، وكذلك الخيانة الزوجية، تعد أيضًا من الأسباب المؤثرة في عدم استمرار الزواج، وهو ما أدى في كثير من الحالات إلى الانفصال العاطفي بين الزوجين.
تهيئة الأسرة نفسيًّا وعاطفيًّا قبل الزواج من ناحيته، شدَّد الدكتور أحمد ترك، عضو مجلس الشيوخ، على أهمية تهيئة الأسرة نفسيًّا وعاطفيًّا قبل الإقدام على الزواج، وأن الفتوى في هذا المجال يجب أن تُقدَّم في إطار مقاصدي يضبط أحكام الزواج ويُعلي من قيمة الاستقرار الأسري لا التعامل معه باعتباره مجرد ظاهرة اجتماعية، مشيرًا إلى أن بعض الأزواج يلجؤون عند حدوث مشكلات زوجية إلى الارتباط بامرأة مطلقة، مهملين الزوجة الأولى والأبناء، وهو ما يؤدي إلى التفكك الأسري وانهيار بنيانه. وعليه، فإن دور الفتوى يجب أن يتجه نحو الإرشاد إلى تجنب هذه الممارسات الخاطئة وإعداد الطرفين لتحمل مسؤولية دعم الأسرة وتأسيسها على المنهج القويم. وأوضح عضو مجلس الشيوخ أن دار الإفتاء المصرية تقوم بدَور فاعل في هذا الإطار من خلال برنامج دورات تأهيل المقبلين على الزواج، إلى جانب الإرشاد الأسري، وتثقيف الشباب حول كيفية بناء أسرة مستقرة، وامتلاك الشجاعة اللازمة لمواجهة المشكلات الزوجية بحكمة ومسؤولية. واتفق الدكتور أحمد ترك مع طرح الدكتورة هالة رمضان حول تراجع دور الأسرة الكبيرة في احتواء الخلافات الزوجية، وهو ما أسهم في هدم كثير من الأسر نتيجة تخلِّي بعض الأزواج عن مسؤوليتهم تجاه الأسرة الأولى بحثًا عن زواج آخر، دون اعتبار للآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على ذلك.
لفظ الطلاق كلمة قاسية منفِّرة تثير النفور والاشمئزاز من ناحيته، أكد الأستاذ الدكتور علي مهدي، أمين سر هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن لفظ الطلاق كلمة قاسية منفِّرة تثير النفور والاشمئزاز، مشيرًا إلى أن هدم الأسرة هو أحد الأهداف الكبرى للشيطان وأعوانه، وأن الشريعة الإسلامية أَوْلت عناية بالغة بالأسرة وسعت منذ اللحظة الأولى إلى إرساء المحبة والاستقرار وبناء الزواج على الديمومة وحسن الاختيار، وأن مسألة الطلاق لاقت اهتمامًا نبويًّا بالغًا تجلى في قصة بريرة ومغيث حين أُعتقت بريرة واختارت فراق زوجها، فانتشر الأمر في المدينة وتأثر به النبي صلى الله عليه وسلم وقال متعجبًا: "ألا تعجبون من حب مغيث لبريرة ومن بغض بريرة لمغيث!" ثم شفع لها أن تراجعه، موضحًا أنه شفيع لا آمر، في دلالة واضحة على دور المجتمع في الإصلاح واحتواء الأزمات وتخفيف حدة الغضب حتى لا تنتهي الخلافات إلى تفكيك الأسرة. وأشار الدكتور علي مهدي إلى أن الالتزام بقوانين الأسرة في الشريعة الإسلامية كفيل بحماية كيانها واستمرارها، مستشهدًا بقوله تعالى: {ولهنَّ مثل الذي عليهن بالمعروف}، مؤكدًا أن الإحسان واجب في الزواج كما هو واجب عند استحالة العِشرة؛ حيث يكون الفراق بإحسان وجبرًا لخاطر الزوجة وحفظًا للكرامة الإنسانية. وشدَّد أمين سر هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف على أن المجتمع في حاجة ماسة الآن إلى عودة الكلمة الطيبة والمروءة في العلاقات الزوجية، مستدلًّا بموقف النبي صلى الله عليه وسلم مع السيدة صفية حين خرج معها وهو معتكف ليؤانسها ويؤمنها، مقدِّمًا المودة والطمأنينة للزوجة، ومبينًا أن المرأة مهما بلغت من عقل وقوة فإنها تحتاج إلى المؤانسة والدعم العاطفي.
الطلاق أحد أسباب ضياع الأسر والمجتمعات
وحول دَور دار الإفتاء في الحد من الظاهرة، أكد فضيلة الأستاذ الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، في مداخلة له، أن قضية الطلاق تعد من القضايا المحورية التي يجب أن تتضافر لمعالجتها الجهود الدينية والاجتماعية والاستشرافية، مشيرًا إلى أن دار الإفتاء المصرية تنظر إلى الطلاق بوصفه أحد أسباب ضياع الأسر والمجتمعات، في وقت يتسارع فيه الانزلاق نحو التفكك مع تراجع قيم الصبر والتحمل. وأوضح فضيلته أن دار الإفتاء تضطلع بدور فاعل في مواجهة هذه الظاهرة من خلال عدة إدارات، منها مركز التدريب القائم على تأهيل أمناء الفتوى علميًّا ومهنيًّا، إلى جانب مركز الإرشاد الأسري الذي يعمل على تدريب المقبلين على الزواج والتواصل معهم بما يسهم في بناء وعي أسري رشيد قائم على الحوار والتفاهم.
الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير آليات الفتوى كما أشار فضيلة المفتي إلى حرص دار الإفتاء على الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير آليات الفتوى والإرشاد، ومعالجة فتاوى المرأة والقضايا الأسرية الشائكة، وذلك انطلاقًا من إدراك أن الأسرة تمثل وطنًا صغيرًا يُبنى من خلاله الوطنُ الكبير، وأضاف أن كثيرًا من مشكلات الطلاق ترتبط بعلاقة الوالدين السلبية وتداعياتها النفسية والوجودية على الأبناء، وهو ما تحاول دار الإفتاء معالجته من خلال تقديم فتاوى تراعي الأبعاد الاجتماعية والنفسية إلى جانب الأحكام الشرعية، مُثمِّنًا التنسيق القائم حاليًّا مع المراكز البحثية والمؤسسات المعنية لدراسة الظاهرة من مختلف جوانبها الاجتماعية والنفسية والشرعية. وفي مداخلة له، أكد الدكتور إبراهيم نجم، الأمين العام لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، أن ظاهرة الطلاق تشكِّل اليوم إحدى أهم القضايا الاجتماعية الأكثر إلحاحًا على مستوى العالم، حيث لم تعد مقتصرة على مجتمع بعينه، بل أصبحت أزمة إنسانية عامة، وهو ما يستدعي إطلاق مشروع علمي تشاركي بين الدول الإسلامية وغيرها يهدف إلى دراسة التجارب المختلفة والاستفادة من النماذج الناجحة في الحد من هذه الظاهرة، ومعالجة أسبابها من منظور اجتماعي وتربوي متكامل. وتابع مضيفًا أن دورات الزواج الإلزامية، والتي تتبناها بعض الدول، باتت من الأدوات التربوية المهمة في هذا السياق، شريطة أن تقوم على أسس علمية واضحة تتضمن آليات للتقويم وقياس مدى استيعاب المقبلين على الزواج لمضامينها، بما يضمن تحقق الأثر الفعلي لهذه الدورات، وتحولها من مجرد إجراء شكلي إلى مشروع توعوي يسهم في بناء أسرة مستقرة.
تطوير دَور الأئمة والوعاظ وفي هذا الإطار، دعا الأمين العام لدُور وهيئات الإفتاء في العالم إلى تطوير دَور الأئمة والوعاظ في ضوء التحولات التي فرضتها العولمة واتساع الفضاءات الإلكترونية من خلال حقائب تدريبية منهجية، كما دعا إلى إنشاء دبلومات علمية متخصصة في الإرشاد الزواجي والأُسري، للمساهمة في دعم الأسرة والتعامل مع قضاياها المعاصرة بوعي مهني رصين. وفي ختام الندوة، اتفق المشاركون على أن معالجة هذه الظاهرة تمثل مسؤولية مجتمعية مشتركة، تتكامل فيها الجهود الدينية والتربوية والإعلامية والتشريعية، انطلاقًا من أهمية الحفاظ على كيان الأسرة بوصفها النواة الأساسية لاستقرار المجتمع، مشددين على أن الإفراط في الطلاق خارج مقاصده الشرعية وآدابه الإنسانية يفرز آثارًا سلبية عميقة تمسُّ الأسرة والمجتمع معًا، مؤكدين ضرورة تعزيز ثقافة الوعي الأسري، وتصحيح المفاهيم المغلوطة حول الزواج، وتفعيل دور الإرشاد الأسري والوقاية قبل وقوع الخلافات.