د.أسامة السعيد تناوشه قوتان عظميان: الإبداع الروائى الذى تفوق فيه ونال جوائز عديدة من خلاله؛ ثم التحليل السياسى الذى تفرضه عليه دراسته المتخصصة فى كلية الإعلام، وخبرته الصحفية الكبيرة. امتيازات كبيرة تشهدها الدورة الحالية السابعة والخمسون لمعرض القاهرة الدولى للكتاب، ومبادرات تحمل طابع الجدية الثقافية والرغبة الصادقة فى إعادة الكتاب إلى أيدى الشباب المصرى؛ ولكن أبرز هذه المبادرات كانت مبادرة «مكتبة لكل بيت» وهو الأمل المنبثق من رحم الضرورة القصوى لزيادة الوعى المعرفى لدى الأجيال الجديدة ودعمهم بكل الإمكانات اللازمة لفهم الواقع المحيط بهم وبحث مستقبل الوطن؛ والمبادرة تقوم على توفير عشرين كتابًا بمئة جنيه فقط، وهو ثمن بخس بعد الزيادات المستمرة لأسعار الأوراق والأحبار وتكلفة الطباعة عامة.. لكن اللافت فى معرض هذا العام هو كثرة الندوات الفكرية، رغم ضعف الإقبال عليها، وهو ما يحتاج إلى تنسيق فى الأعوام المقبلة للتركيز على الكيف دون الكم، مع دمج عدة ندوات فى لقاء واحد، خاصة إذا كانت العناوين متقاربة.. وعلى كل حال فإن معرض القاهرة يبقى أيقونة فكرية سنوية وواحة للإطمئنان المعرفى والثقافى وسط غيابات الميديا التى أكلت عقولنا وأخذتنا من أنفسنا وألقتنا فى غيابات التردى الفكرى. جناح الأزهر حالة ثقافية وتفاعلية فريدة لجناح الأزهر الشريف فى معرض الكتاب؛ فما بين الندوات الفكرية التى تخترق قضايا جدلية مثل الإلحاد والميراث بكل شفافية ومناقشة واعية، إلى كبار القراء الشباب لبرنامج دولة التلاوة، إلى ركن المخطوطات، والطفل، وعشرات الفعاليات التى تجعل من جناح الأزهر خلية نحل لا تهدأ والتى يتم التجهيز لها منذ عدة أشهر كاملة؛ وهو جهد يشرف عليه الإمام الأكبر بنفسه ويتابع كل دقائقه د.محمد الضوينى وكيل الأزهر؛ وهو ما يؤكد أن الأزهر الشريف لا يقف ساكنًا أمام موجات الحياة الدافقة، وإنما يتحرك حثيثًا نحو تثبيت الأفئدة بمحبة هذا الدين، ومناقشة كل القضايا والأفكار التى تخترق عقول الشباب.. مطالعة مئات العناوين ومتابعة الإقبال الكبير على جناح الأزهر الشريف، كل ذلك يؤكد أن المؤسسات الدينية المصرية قادرة على صناعة الوعى والمحافظة على «وسطية» التفكير الدينى، وفى الوقت نفسه محاربة كل مظاهر الغلو والتطرف الدخيلة على الأذواق المصرية الشفافة. حروب الشاشات صديقى د.أسامة السعيد، رئيس تحرير الأخبار، تناوشه قوتان عظميان: الإبداع الروائى الذى تفوق فيه ونال جوائز عديدة من خلاله؛ ثم التحليل السياسى الذى تفرضه عليه دراسته المتخصصة فى كلية الإعلام، وخبرته الصحفية الكبيرة؛ وكثيرًا ما تختلط إبداعاته وتتشاكل، فتأتى كتاباته السياسية بلمسات إبداعية تحمل حبكة روائية وسردًا صافيًا، بعيدًا عن منطقية السياسة وتأويلاتها الجافة؛ وهكذا جاء إبداعه الجديد: «حروب الشاشات - استراتيجيات الإعلام الدولى فى زمن الصراعات»، متوافقًا مع معرض القاهرة الدولى للكتاب؛ وتؤكد مقدمة الكاتب أن الكتاب يغوص فى كواليس صراعات الإعلام بكل أدواته التقليدية والرقمية؛ فهو لا يتحدث عن التكنولوجيا فحسب، بل عن صناعة الهزيمة والانتصار فى عصر السيولة المعلوماتية، وكيفية إدارة العقول، وإسقاط الدول بضغطة زر، وإعادة رسم خارطة العالم فى غرف الأخبار وكواليس الشاشات المظلمة. وإذا كان الكتاب يناقش عددًا من المحاور الرئيسية المتخصصة فى الأدوات الإعلامية، فإن أبرز ما لفت انتباهى هو عنوان «صناعة العدو إعلاميًّا»، الذى يناقش التأثير المطلق لوسائل الإعلام فى إقناع الجمهور بتبنى وجهة نظرها تجاه «العدو»، وهى القدرة التى قللت الدراسات المعاصرة من كونها منفردة فى صناعة الرأى العام، خاصة فى ظل ظهور وسائط غير تقليدية مثلت أولوية كمصدر معرفى للجمهور، مثل شبكة الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعى. يتميز أسلوب الكتاب بالعمق الفلسفى الذى يكشف آليات الصحافة الحديثة وطرقها فى تشكيل الوعى المعرفى واهتبال مستقبل الدول الأقل تقدمًا، وهو ما يوجب على الجميع التعرف على وسائل التكنولوجيا الحديثة والانتباه إلى ألاعيبها فى «تزييف» الصور وإثارة النعرات الطائفية والفئوية، باعتبارها جزءًا رئيسيًّا من الحروب الحديثة. رضا.. والخال لا يكف صديقى الناقد الأدبى د. رضا عطية عن الإبداع والإنتاج، فالرجل يركز دائمًا على كشف أغوار المبدعين المصريين الذين يُمثلون قوتنا الناعمة؛ وبعدما أسهم بقوة وأشرف على إعادة مجلة «فصول» العريقة إلى الحياة ونفث فيها من روحه بعدد ثمين عن الناقد الكبير د. صلاح فضل؛ ها هو ذا يعود إلى الكتابة عن «الخال» المبدع عبد الرحمن الأبنودى، الذى يُمثل حالة فريدة فى الذاكرة الوطنية المصرية. ويبقى ديوان «الفصول»، للأبنودى، الذى كتبه فى الفترة التى أعقبت هزيمة يونيو 1967، وحتى عام 1970، عملًا مهمًّا ونصًّا فارقًا فى إبداع الأبنودى وشعر العامية عمومًا، لكونه يمثِّل تعبيرًا جماليًّا عن صدمة ما بعد يونيو 67، وانعكاس ذلك على الإنسان المصرى ليس فقط فى تفكيره فى تلك الهزيمة المريرة وحسب وإنَّما أيضًا فى تأملاته حول الحياة والوجود. ويحيل العنوان، «الفصول»، إلى دورة الزمن وما تعنيه بالأحرى من سطوة الزمن، ولكن أيضًا، تلوح فى ظلال المعنى، «الفصول»، فى المفهوم الشعبى بظلالها السلبية التى قد تعنى الأفعال الضارة والأقدار السلبية، كأنْ يقال: فلان عمل معى «فصل» أو له معى «فصول»، أى أفعال تحمل سمة الغدر ومخالفة رياح الواقع لما تشتهى سفن التمنى الإنسانى.. والأبنودى الذى أرهقته الهزيمة هو نفسه الأبنودى الذى تغنى بالنصر العظيم فى أكتوبر 73 وتفتحت أزاهير إبداعه لتروى لنا قصة البطولة المصرية الفريدة التى كشفت ادعاءات العدو المغرور وأبانت جوهره المتردى بالخسة. نحتاج دائمًا إلى التركيز على البطولة المصرية فى كل المجالات، خاصة قوتنا الثقافية الناعمة؛ ليس فقط لأنها الحارس الأول للهوية الوجودية المصرية، ولكن حماية لها من الغارات المتتالية لإقصائها عن الساحة الفكرية المصرية واستبدالها بأشكال غنائية وفنية لا تُشبه طمى النيل. التعرض للنمل! مما قرأت مؤخرًا أنه عندما يمرض الغراب يحط قُرب عش نمل، ويبسط جناحيه، ويبقى ساكنًا، ويترك النمل يُهاجمه.. يفعل ذلك لأن النمل يرش جسمه بحمض الفورميك، وهو مادة تعمل كمضاد طبيعى للطفيليات. ويُساعد هذا الحمض الغراب على التخلص من الفطريات والبكتيريا والطفيليات مما يسمح له بالتعافى، ويُسمى هذا السلوك ب «التعرض للنمل»؛ وهو درس كبير أن الإنسان لابد أن يحتاج إلى أخيه الإنسان، وأن المجتمع المتعاضد وحده الذى يقوى على كشف أدوائه وعلاج أمراضه؛ وكما يقول أبو العلاء المعرى: «الناس للناس من بدو وحاضرة، بعض لبعض، وإن لم يشعروا خدم»؛ وفى حياتنا اليومية نُدرك حاجة الكبار إلى الصغار، كما ندرك حاجة الصغار إلى الكبار؛ فالأم التى تحنو على صغيرها تحتاج إليه أكثر مما يحتاج هو إلى وجودها، وقد يتوقف قلبها إذا وقع أثناء لعبه، بينما يقوم هو ضاحكًا عابثًا.. وكذلك من واجبات الكبار الصبر على أذى الصغار؛ ليس فقط لأن له فوائد عديدة فى التدريب وتقوية العود واعتياد الأذى؛ بل لأنه يكشف أغوار النفس البشرية ويهتك حجابها لتظهر ضعيفة آيسة من رحمة الله، مما يضع الإنسان أمام مرآة نفسه الصادقة، وتُعيده إلى أخلاقه العالية، فلا ينتكس إلى مهاوى الأذى.. وقد قال الله سبحانه: «ونفسٍ وما سوَّاها فألهمها فجورها وتقواها».