انتابتني الدهشة من تعقيب الأستاذ ميخائيل بهيج مرقص علي مقالي يوم الثلاثاء 11/3/2008 والذي حمل عنوان "يا قداسة البابا ... لا قدسية فوق القانون" .. معالم الدهشة أن الأستاذ المعقب قد قرأ المقال بشكل خاطئ مما جعله بالضرورة يستنتج استنتاجات خاطئة بعيدة كل البعد عن مضمون المقال أو رسالته ... وهذا يتضح جليا من عنوان تعقيبه الذي عنونه "بين قدسية القانون وقدسية الإله" فالفكرة الرئيسية للمقال انطلقت من مبدأ سيادة القانون وليس قدسية القانون وسيادة القانون لا تعني أن القانون مقدس أي معبود كما تصور المعقب بل إنه ذو سيادة بحكم أنه هو حامي البنيان الاجتماعي ومنظم الحياة بين الناس، فقد خلط المعقب عندما تصور أن سيادة القانون تعني القدسية وأنها غير وضعية، فهذه سفسطة لا معني لها فليس المقصود من السيادة هو القدسية بمعناها الديني ولكن السيادة بالمعني القانوني فلا أحد فوق القانون جهة كانت أم فردا، مهما علا شأنه أو قل ... وبالتالي فقد خلط المعقب ما لا يخلط وجمع ما لا يجمع وقرأ المقال بمرجعيته هو لا بمرجعية المقال ... الأمر الآخر .. عندما تصور بأن هناك تسترا خلف العنوان وهنا سنرصد الأخطاء المنهجية التي وقع فيها المعقب إما عن عمد أو عدم إدراك لما كتبته بشكل علمي ومنضبط ... أولا فقد خلط بين قدسية الإله وقدسية القانون من خلال عنوان تعقيبه كما أشرت وتصور أنني وضعت القانون كمقدس في مواجهة الله سبحانه وتعالي فيقول .. "ونعود لقدسية القانون التي أضفاها كاتب المقال علي القانون فهي لا وجود لها أصلا لأنها تتعارض مع وضعية القانون لأن القداسة لله وحده ولكلماته في شرائعه السماوية المنزهة" ... وهنا خلط الكاتب ما قصدته من أن سيادة القانون هي الحامي لأي مجتمع، ولا يجوز اختراقه وكتبت بالحرف الواحد "سيادة القانون تجسد المبدأ البسيط القاضي بأن يعمل الجميع في إطار القانون والدستور علي أساس السلطات المخولة لهم والمحددة قانونا ... ولا يجوز اختراق القانون وسيادته بل الانصياع الكامل لأحكامه وعدم الالتفاف عليها أو تجاوزها فتجاوز القانون هو تجاوز للخطوط الحمراء الخاصة باستقرار المجتمع وتماسك بنيانه" ... فهل هذا يعني أنني وضعت القانون كمقدس في مواجهة المقدسات الأخري ... أترك للمعقب الجليل أن يقرأ المقال بعناية ثانيا: تصور أيضا ومن خيالاته أنني فيما كتبته أتهكم علي قداسة البابا من خلال عنوان مقالي الذي حمل "يا قداسة البابا ... لا قدسية فوق القانون" بل وزاد سوء نيته عندما أشار إلي أن هناك سوء ظن مني، لغرض في نفس يعقوب ... ولا أدري بالضبط ما هو سوء الظن وما هو الغرض الذي في نفس يعقوب ... وبالتالي فقد تعامل مع أطروحاتي العلمية المنضبطة بتهكم واضح وإسقاطات مخزية لا تليق وحوار يفتقد اللياقة الذهنية أولا والإنسانية ثانيا، حيث أنهي تعقيبه قائلا .. "وكنت أتمني ألا يصل خطاب الكاتب إلي هذه اللغة الممجوجة التي هي في حاجة إلي التدقيق والحرص علي مشاعر الرموز الدينية" ... وهنا أيضا نراه تصور بما لا يحمله المقال علي الإطلاق أن هناك تجريحا لقداسة البابا أو تهكما ... فالمقال لم يتعرض لهز وقار وتقدير قداسة البابا _ كما تراءي للكاتب _ بل هو الذي نال منها بتحميل مقالي ما ليس فيه وتأويله علي هواه ... ثالثا لقد كنت محددا في عنوان مقالي بأن القانون فوق الأشخاص أيا كانوا والأحكام الصادرة عن القضاء يجب احترامها ... واستندت إلي حيثيات المحكمة الإدارية العليا في حكمها الخاص بالزواج الثاني حيث قالت بالحرف الواحد .. " ... كما أنه لا يوجد عمل تقوم به جهة الإدارة (قداسة البابا شنودة) يحصن ضد رقابة القضاء وهو ما أشارت إليه المحكمة الدستورية العليا صراحة في حكمها بالنسبة إلي لائحة الأحوال الشخصية بما مؤداه خضوعها للرقابة الدستورية التي ستتولاها هذه المحكمة ... وتضيف كما أشرت في المقال .. "إن من أبرز مظاهر طقوس الزواج في شريعة الأقباط أن يتم بتصديق من الرئيس الديني، إلا أن هذا لا يعني أن هذا الرئيس يباشر اختصاصاته بمنأي عن أية قواعد" ... هكذا انطلقت فكرتي عن القانون وأنه لا توجد مؤسسة كانت أم جهة أم شخصاِ بصفته الشخصية أم المعنوية بمنأي عن تنفيذ الأحكام القانونية ... ومن هنا فالقانون فوق الجميع .. . وهذا لا يعني أنه مقدس أو ينال من قدسية أي من المقدسات، ولكنه هام للبنيان الاجتماعي، وبالتالي لا يجوز اختراقه أو تجاوزه ... وعلي هذا الفهم المخطئ والملتبس "وهو قدسية القانون" راح معقبنا يؤول ما كتبته بما ليس فيه ... وراح يعدد أمثلة لوضعية القانون، بالتباس واضح بعيد كل البعد عما كتبته وفسرته، فيقول ... "إن الإنسان خلقه الله ليكون ابنا للمتغيرات نظرا لأن آراءه نسبية إن صحت اليوم فغدا لا تصح وقد تأتي بنقيضها، فالملكية صارت جمهورية والاشتراكية صارت رأسمالية والعكس والكتلة أصبحت عولمة والتأميم أمسي خصخصة" ... ولا أدري وليشاركني القارئ ما علاقة هذا بفكرة مقالي التي تحدثت فيها عن عدم مشروعية اختراق القانون وأن القانون هو المنظم لحياة الناس واحتياجاتهم ... ويضيف معقبنا إما مغالطا أو لم يقرأ المقال جيدا .. "فالحياة قائمة علي الغيير والتجديد وأيضا الصراع السلمي والقهري، أما القدسية فهي الثبات والديمومة" وهنا خلط أيضا بين مفهومي للقانون وما أسقطه هو علي ما كتبته بما لا يتضمنه من أن القانون له قدسية ... ويبدو أنه التباس مقصود لأنه تصور أنني أتهكم علي قداسة البابا، بعنوان لا قدسية فوق القانون، فقد أشار إلي أنني استهدف البابا شخصيا، حيث "أن القضية دينية بحتة بين راع ورعيته والعلاقة تقوم بينهما علي التراضي وسعي الرعية للراعي بالإرادة المنفردة للرعية وليس بالإلزام القهري من الراعي" ... وهذا خلط أيضا ... لأنني أتحدث عن المرجعية القانونية والمدنية والراعي في الدولة المدنية هي المؤسسات وليست الأشخاص، فمصطلح الراعي والرعية نفسه ملتبس ولا يجوز استخدامه عندما نتحدث عن سيادة القانون ... الأمر الأخير هو إصرار معقبنا علي الفهم الخاطئ لفكرة أنه لا قدسية فوق القانون كما عنيتها واستبدلها بقدسية القانون، وبالتالي راح ينسج فهمه الخاطئ لمقالي بأمثلة بسيطة تخل بسياق ما طرحته مثل المقارنة بين الأنظمة الشيوعية والرأسمالية والثيوقراطية ... وأخيرا، فقد استندت في مقالي الأول الذي حمل عنوان " يا قداسة البابا ... لا قدسية فوق القانون" والمقال الذي تبعه وحمل عنوان .." الدولة والقانون والدين .. تكامل أم تناقض" والذي أتمني أن يقرأهما معقبنا جيدا بلا إسقاطات أو غمز ولمز وتستر وخبث وأن يقرأهما كما هما بما يطرحان من أفكار قابلة للنقاش وليس للتهكم أو افتراض ما ليس موجودا دفاعا عن طائفة بعينها أو شخص بعينه ... فقد استندت لما هو أعمق من أفكارنا ألا وهو حيثيات المحكمة الإدارية العليا في القضية المثارة .. وأنا علي يقين تام بأن من تصدوا من رجالات القضاء لهذه القضية لهم باع طويل وإنجازات هائلة في ترسيخ سيادة القانون ... وبالتالي عندما استندت إلي الحيثيات، فقد كنت أتخذها مرجعية لفكرة سيادة القانون وليس لقدسيته، وللعلم فقد شملت حيثيات الحكم الصادر عن المحكمة رفيعة المستوي ما يلي... "..لا يعد ذلك تدخلا من القضاء في الشأن الديني وإنما هو إعلاء لهذا الشأن لتحقيق مقاصد وأهداف الشريعة وإيجاد الموازنة بين قرارات القائمين علي الشأن الديني وحقوق المواطنة المحمية دستوريا وفي إطار قواعد الشريعة دون خروج عليها أو تجاوز لها ..." ... وأدعو معقبنا أن يقرأ حيثيات المحكمة الرفيعة بعناية ودقة .... أما الملاحظة الأخيرة التي أوجهها لمعقبنا، هي أن ينتقي تعبيراته بحصافة، خاصة وأنه يذيل مقاله بأنه عضو اتحاد كتاب مصر، الذي انتمي إليه أنا أيضا، فلا يصح أن يتهم ما طرحته في مقالي بكل احترام وتقدير لشخص قداسة البابا وتناولت فقط كما أسلفت فكرة سيادة القانون واحترام الأحكام، حيث لا أحد فوق القانون أيا كان ... فكنت أتمني منه أن تربأ لغته عن هذا التسطيح والابتذال والاختزال...