بالأسماء، وزير الداخلية يأذن ل 21 مواطنا بالحصول على الجنسيات الأجنبية    رئيس جامعة القاهرة يبحث تعزيز التعاون الأكاديمي والبحثي مع جامعة سان ماركوس الوطنية    أسعار الأسماك اليوم الأحد 8 فبراير في سوق العبور    أسعار الذهب اليوم الأحد 8 فبراير.. والبورصة العالمية تعاود التداول غداً    سعر الدولار في البنوك المصرية اليوم الأحد 8 فبراير 2026    بعد فتح الشروق للملف.. محمد علي خير: الحد الأدنى للمعاشات غير آدمي ومساواته بالأجور ضرورة ملحّة    أسعار الحديد والأسمنت اليوم الأحد 8 فبراير 2026    اتحاد منتجي الدواجن: التكالب على التخزين وصرف المرتبات وراء ارتفاع الأسعار.. والمحلي لا زال أقل من المستورد    مصر تدين الهجمات على قوافل المساعدات الإنسانية والمنشآت الطبية والنازحين في السودان    وزير الخارجية الإيراني: مصرون على حقنا في البرنامج النووي حتى لو أدى ذلك إلى نشوب حرب    مصر تدين الهجمات على قوافل المساعدات الإنسانية والمنشآت الطبية والنازحين في السودان    بعد أيام من تسريح 300 موظف.. استقالة مفاجئة لناشر صحيفة واشنطن بوست    وزير الداخلية يصدر قرارا بإنشاء مركز الإصلاح والتأهيل فى مركز الرياض بكفر الشيخ    تحذير هام من الأرصاد بشأن الموجة الحارة| لا تتعرضوا للشمس    نظر محاكمة 6 متهمين بخلية داعش المعادي.. اليوم    خالد منتصر يتساءل عن سبب الرفض المجتمعي للتبرع بالأعضاء: ديدان المقابر أم فرصة حياة؟    الصحة: التبرع بالجلد بعد الوفاة لا يسبب تشوهات.. وإصابات الحروق بين الأطفال بمصر مرتفعة    بدء التصويت فى انتخابات تشريعية مبكرة باليابان    وصول الدفعة الخامسة من العائدين إلى قطاع غزة لمعبر رفح البري    نظر أولى جلسات دعوى تعويض ميار الببلاوي ضد الشيخ محمد أبو بكر| اليوم    المصري في مهمة صعبة أمام كايزر تشيفز لخطف بطاقة التأهل بالكونفدرالية    انتظام توافد الطلاب على مدارس القاهرة في الفصل الدراسي الثاني (فيديو وصور)    حتى لا ينفد رصيد الاتصالات    أول تعليق من رامي جمال بعد نجاح حفل الرياض    60 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات بمحافظات الصعيد.. الأحد 8 فبراير 2026    «ما بعرف كيف».. ضربة رومانسية تضع سعد رمضان في صدارة المشهد الغنائي    «رفيق عزيز لمسيرة طويلة».. إبراهيم المعلم يستعيد مشوار أيقونة البهجة والشجن حلمي التوني    اتحاد الغرف السياحية: نستثمر زيارة تيفاني ترامب للأقصر والأهرامات للترويج للسياحة المصرية    لهو بريء ينتهي بفاجعة.. مصرع طفل اختناقًا أثناء اللعب على مرجيحة بشبين القناطر    اليوم.. انتخابات برلمانية عامة باليابان    حجز المتهمة بالتعدي على والدتها بالشرقية    بصوتٍ خطف القلوب.. سامح حسين يشيد بموهبة الطفل عمر متسابق «دولة التلاوة»    هبة السويدي: نأمل في تسهيل التبرع بالجلد بدلا من استيراده    بمشاركة مصطفى محمد.. نانت يواصل نزيف النقاط بهزيمة أمام ليون في الدوري الفرنسي    برعاية الإمام الأكبر.. إعلان الفائزين في الموسم الخامس من مسابقة «مئذنة الأزهر للشعر» المخصص لدعم القضية الفلسطينية    عمرو الحديدي: معتمد جمال نجح مع الزمالك    وفد أزهري يخطب الجمعة في ثلاثة مراكز بإيطاليا ويعقد لقاءات علمية مع الجاليات العربية في ميلانو    مواقيت الصلاة الأحد 8 فبراير 2026 في القاهرة والمحافظات    فوائد مذهلة للثوم في شهر الصيام    السردين يعزز الذاكرة قبل رمضان    الإذاعة غذاء عقلى للأطفال فى رمضان    "صوت وصورة".. شاب بالبحيرة يبدع في تقليد وتجسيد الشخصيات الفنية: بشوف سعادتي في عيون الأطفال (فيديو)    "ضربه على الرأس أنهت حياته".. نجل مزارع بالبحيرة يروي تفاصيل إنهاء حياة والده علي يد جيرانه    ثروت سويلم: أعتذر لبيراميدز وللجميع بسبب قضية بطل الدوري    أخبار × 24 ساعة.. بمناسبة شهر رمضان.. اعرف مواعيد تشغيل خطوط المترو الثلاثة    تعرف على نتائج مباريات الجولة السابعة من دوري السوبر لكرة السلة للسيدات    زيلينسكي: أمريكا تسعى للتوصل لاتفاق بشأن إنهاء حرب روسيا بحلول يونيو    طلاب زراعة الإسكندرية يحصدون مراكز متقدمة بالدورة الزراعية الأفروعربية الأولى    رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر يشارك في احتفال الصلاة للكنيسة الرسولية بالقاهرة    هل يجوز تأخير الدورة الشهرية بالأدوية لصيام رمضان كاملًا؟.. أمينة الفتوى تجيب    أزمة الأخلاق وخطر التدين الشكلى!    موتٌ في قعر القَذَر ..بقلم الشاعر/ معصوم أحمد / كاليكوت-الهند    أول فيديو يوثق مشاجرة طبيب ومرافقين داخل مستشفى الباجور التخصصي بالمنوفية    صدام القمة في الليجا.. بث مباشر الآن برشلونة ضد ريال مايوركا اليوم    قمة أولد ترافورد تشتعل الآن.. بث مباشر مانشستر يونايتد وتوتنهام في صراع الدوري الإنجليزي    بعد مقترح برلماني.. عالم أزهري يضع 7 ضوابط شرعية للتبرع بالجلد بعد الوفاة    قمة الإثارة في الدوري الإنجليزي.. بث مباشر آرسنال ضد سندرلاند اليوم    أول تحرك برلماني بشأن ضوابط استخدام مكبرات الصوت بالمساجد في شهر رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من الحياة.. الابتلاء.. والعودة إلي الله!!
نشر في المسائية يوم 05 - 12 - 2010

رغم مرور عدة سنوات علي هذه الحكاية التي أقصها عليكم هذه المرة..إلا أن تفاصيلها ما زالت حية في ذاكرتي.. لم تغب أبدا عن بالي.. وما كان لي ان أقصها عليكم مرة أخري الا بعدما زرت المكان الذي تربيت فيه..ونشأت.. والذي أشهد إنني لا أشعر بالراحة في مكان.. قدر هذا المكان الذي الذي أفزع اليه إذا ضاق صدري..وأجلس هناك مع من بقي من رفاق الصبا علي قيد الحياة.. نجتر أحداث الماضي.. ونضحك.. ولا ينافس هذا المكان في قلبي إلا ساحة وضريح سيدتي نفيسة العلوم.. السيدة نفيسة رضي الله عنها وأرضاها.
وعقب الابتلاء الذي أصابني من الله.. الذي أمرضني.. وأتم علي نعمة الشفاء والذي أرجو أن يكتمل.. بعد إجرائي جراحة القلب المفتوح.. والاستعاضة بخمسة شرايين جديدة لإصلاح قلبي المعطوب.. ذهبت إلي منبتي.. والتقيت برفاق طفولتي.. وكما كل مرة.. تذكرت الحكاية.
عادت بي الذاكرة إلي اليوم الذي التقيت بصاحبها في آخر مكان كان يخطر لي ببال أن ألقاه فيه.. دققت النظر إليه.. بحلقت فيه.. التفت نحوي، ولما تحقق مني ورأي حيرتي ,أشار إلي أن أتقدم منه.. واقتربت والدهشة تجعلني أتعثر في خطاي وأنا أتخطي الصفوف لأدنو منه وأجلس اليه وأستمع إلي غريب الأحوال.. التي جعلت صاحبنا يزهد الدنيا ويعرف الطريق إلي الله.. ويقترب.. ويطمع في العفو والمغفرة. ويحلق حوله العشرات من المريدين والدراويش محاسيب سيدنا الحسين.
المكان بجوار ضريح رأس مولانا الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما.. في القاهرة.. ووجه العجب العجاب إنني ماعرفت صاحبنا هذا منذ أن وعيت في الدنيا الا سكيرا عربيداً يستحل الحرام ويرتكب كل الموبقات.. بعيداً عن الله، ولا يعرف الحلال.. ولا يؤمن بأن هناك في الدنيا ابتلاء أو في الآخرة جزاء.
لم يحادثني حال جلوسي إليه في البداية انشغل عني بما كان يتلوه في صمت حتي فرغ مما كان فيه فأمسك بيدي وقام معي يقودني إلي مجلس بعيد عن الباب الأخضر لمسجد الحسين.. ولكنه غريب كل من فيه الدراويش أو المجاذيب.. ولما رأوه قادما أوسعوا له مكاناً في صدر المكان وجلسوا كلهم بين يديه يتلمسون بركاته ويتصيدون من بين شفتيه ما ينطق به. تركته لهم وأنا بينهم ولكن خيالي طار بعيداً إلي زمان تغير كثيراً عما كنت أعرفه.
ومعرفتي به تعود إلي سنوات بعيدة.. فقد كان صديقاً لأخي الاكبر عمره من عمره أكبر ظني أنه عاشها بالطول والعرض إلي أن تغير به الحال والمقام حتي أصبح كما رأيته الآن. استعدت ما اختزنته في ذاكرتي عنه من ذكريات عرفتها منه ,أو عايشتها عنه.. فقد كان غير كل من عرفتهم من أصحاب أخي يتميز عنهم جميعاً بالحمار.. وللحمار حكاية طريفة..فصاحبنا الذي أقص عليكم حكايته من عائلة كانت بحسابات الماضي تعتبر من الأغنياء فوالده كان يملك من الأراضي عدة أفدنة ومن كان يملك الأرض في ذلك الزمان يعتبر من الأثرياء، وبجوار الأرض كان عنده عمارة كبيرة وعدة بيوت يؤجرها لغيره من متوسطي الحال.. عرفت أيامها أن صاحبنا هذا وحيد والديه جاء بعد خمس بنات وكانت أمه مريضة وسيدة بدينة وما دفعها للحمل مرة بعد المرة إلا شوقها لأن يكون لها غلام وكان هذا هو الأمر الظاهر للعيان ولكني كنت أسمع همس الجيران يقولون أنه لولا خوفها أن يهجرها زوجها ويأتي لها بضرة ينجب منها الوريث الذي يحمل اسمه ويرث ثروته، مافكرت أبداً في الحمل والانجاب. خاصة ان الوالد كان يخشي ان يرثه إخوته الذين لم يكن بينه وبينهم عمار.. وكثيرا ما عايروه بأنه غير قادر إلا علي إنجاب البنات.وما يملكه سيعود لهم بعضه أو كله عندما يأذن الله ويقصف عمره.. لهذا كانت فرحة والده به كبيرة.. لم أشهد الاحتفالات التي كان يتندر بها الناس وأقامها الوالد بعد مجيء الغلام، فأيامها لم أكن بعد قد ولدت.. ولكني سمعتها كحكايات ألف ليلة وليلة. وعرفت إن كل الناس من أجل أبيه ومكانته ,عاملوه بتدليل مسرف.. بحيث لم يكن في صغره يطلب أي شيء مهما كان باعثه من الترف.. أو النزق.. إلا ويكون جاهزاً بين يديه.
وعندما كبر قليلاً وصار كالغلمان، كانت جيوبه لا تخلو من النقود التي يشتري بها كل مايرغب فيه دون أن يجد معارضاً أو مناقضاً.. أو حتي ناصحا.. وكبر متمتعاً بسلطان مستبد يعامل رغم صغره الناس معاملة الخدم، يطلب الطاعة من الجميع، فإذا لم يجدها بكي أو بطش وضرب.. ولم يعرف أبداً كيف يعامل الغير أو يتعامل معهم بل عرف فقط كيف يعاندهم ويبطش بهم.. ويقولون إنه عندما كان صغيراً كانت هوايته معاكسة المارة بإلقاء الحجارة عليهم وكان أبوه يسترضي دائما ضحاياه ويعتذر اليهم دون أن ينكر مرة واحدة أن يعاقب ابنه أو يردعه حتي يكف عن هذه الافعال.. وكان له وهو دون العاشرة كلب أرمنت شرس.. يطلقه علي المارة فيعقرهم أو يفزعهم ويضحك. ولأنه كان غير كل الغلمان ممن كانوا في مثل عمره.. وبثروة أبيه فقد كان لصاحبنا خادم خاص وأيضا حمار خاص.. لم أر يوماً بقدر ماتسعفني الذاكرة الحمار دون الخادم أو الخادم دون الحمار.. وكلاهما دون صاحبنا الذي أروي لكم حكايته.. ومن الطريف الذي لن أنساه أن أخي عندما كان يبعثني لأجده له لم أكن أشغل فكري بالسؤال عنه والبحث عليه ولكني كنت أبحث عن الحمار.. والمكان الذي أجد فيه الحمار واقفاً فيه أو عنده كان صاحبنا بالتأكيد فيه فأبعث بالخادم اليه ليناديه.
كان الوقت الذي عرفته فيه ووعيته في الخمسينيات.. أيامها كان طالباً في الثانوية ولعل تلمذته في المدرسة هي الفترة الوحيدة الذي انتفع فيها وبها قليلاً لأن زملاءه من التلاميذ أجبروه أن يسلك في معاملتهم سلوكا غير سلوكه، في البداية تمرد ولكنه انصاع لهم في النهاية بعد أن اجتمعوا عليه ضربوه.. ولم يكن نفوذ والده أيامها يمتد إلي السيطرة علي فورة الشباب فيهم.. ومرة بعد مرة عرف صاحبنا وأدرك أنه لا قدرة له عليهم، وأنه ليعايشهم ويتعايش معهم لابد أن يهادنهم ويصالحهم ,ولكنه كان إذا خرج من المدرسة وعاد إلي بيته أثار حرباً علي أخواته البنات وجيرانه، يشتم ويضرب ويؤذي ويطلق كلبه الشرس عليهم.. والذي كنت أنا السبب في مقتله واغتياله. فقد كان أخوف مايخوفني أنا وأترابي الذين في عمري هو الكلب الأرمنت.. ويوماً وأثناء خروجي من المدرسة رأيت صياد الكلاب.. وهو اللقب الذي كنا نطلقه علي الجندي المكلف بقتل الكلاب الضالة بالرصاص.. ورغم أن المكان بين المدرسة الإعدادية التي كنت أدرس فيها وحيث كنت أسكن أكثر من خمسة كيلو مترات كنت أقطعها يومياً سيراً علي قدمي مرتين ذهاباً وإياباً من البيت للمدرسة ومن المدرسة إلي البيت فقد توسلت للعم صياد الكلاب أن يأتي معنا ليقتل الكلب الشرس وأعطيته ثلاثة أعداد من مجلة سندباد للأطفال والتي كنت أستعيرها من مكتبة الفصل ليجيء معنا.. ولم أفكر يومها فيما كان سيصيبني من مدرس اللغة العربية من عقاب لضياع المجلات أمام النشوة التي أحسست فيها من فكرة قتل الكلب.. وأطلق صياد الكلاب عليه رصاصة واحدة أرداه بعدها ميتاً وسط فرحنا وغنائنا بمقتل الكلب الذي جعل الطريق أمامنا أمانا بعد ذلك. وكبرنا كما كبر صاحب الحكاية وتزوج.. زوجة والده وهو بعد مازال طالبا في البكالوريا.. وكان أول من تزوج من زملائه.. وسهرنا ثلاث ليال من الأفراح بمناسبة زواجه.. ولكن لم يمض شهر العسل حتي كانت زوجته تحمل لقب مطلقة وتعود إلي بيت والدها بعد أن كاد يوماً أن يقتلها.. واكتفي بكسر يدها وفقأ عينها، لأنها امتنعت عنه يوما عاد فيه إلي المنزل مخمورا.. وعندما جاء والدها يعاقبه اصطدم به وضربه أيضاً.. وبقي بعد ذلك عدة سنوات وهو يذكر هذه الحكاية، ويضحك عليها مبتهجاً وهو يحكي كل تفاصيلها,متباهياً بأنه ظفر بخصمه الذي هو حماه.. وضربه وتغلب عليه. وبعدها.. لم يتزوج حتي تخرج في كلية الهندسة.. كان قد تعقل بعض الشيء.. وتحولت نزواته ومغامراته إلي طريق آخر.. فكانت هوايته أن يغوي النساء.. ولأنه قادر علي ستر جرائمه فلم يفتضح.. ولكنه كان في جلساته الخاصة يقص حكاياته وجرائمه هذه وهو يضحك.. وشاء حظي معه أن يكون أول قسم لي علي القرآن الكريم.. قسم كاذب.. صمت من أجله ثلاثة أيام.. وبأمر من والدي.. ذكرني هو به.
والحكاية.. أن صاحبنا هذا كان يوماً يجلس بيننا منتفش الريش.. يقص إحدي مغامراته مع واحدة من نساء الحي.. ولم يكن يدري أن بيننا يجلس خطيب ابنة هذه المرأة.. وبعد عدة أيام.. وجدت زوج هذه السيدة.. ونجلها وكان زميلاً لنا اختار أن يدخل الكلية الحربية ويصبح ضابطاً.. يطرقون علينا باب البيت.. ومعها خطيب الابنة.. الذي استشهد بي بعد أن وشي بما كان من صاحبنا في مجلسه معنا علي القهوة.. لأشهد معه إنني سمعت ما قال له.. وأسقط في يدي.. والرجل يسألني أن كنت قد سمعت حقيقة ما قال؟؟!.. ولكن والدي رحمه الله تداركني.. وأخذني من يدي الي الغرفة المجاورة.. وسألني بيني وبينه إن كان هذا فعلاً حدث.. فأخبرته بالصدق إنني سمعته.. فطلب مني أن أنكر حتي لو أقسمت علي القرآن.. ومازلت حتي هذه اللحظة أذكر قوله رحمه الله لي.. من ستر مؤمنا ستره الله يوم القيامة.. وفعلاً أقسمت علي المصحف إنه لم يقل ذلك.. وأن من أبلغهم هذا واش وكاذب.. وبعدها رأيت علي وجه الابن والزوج ما ارتاح له قلبي.. فقد عادت إشراقة الحياة لهما.. وابتسما لأول مرة منذ دخولهما بيتنا.. وبعدها صمت.. ثلاثة أيام.. كفارة اليمين الكاذب.. كما طلب مني والدي غفر الله له.. وبعدها انقطعت عنه.. وانقطعت كل أخباره عني.. بعدما شغلتني الحياة وسافرت.. ولم أعد أسمع عنه شيئاً حتي ظننت أنني نسيته.. لولا هذا اللقاء.
طافت كل هذه الذكريات ببالي وأنا أجلس بجواره مبهوراً متعجباً وسط حلقة الدراويش والمجاذيب.. حتي انتهي وأخذني بيده والابتسامة تضيء وجهه بالرضا والإيمان. سألته دون أنطق بحرف.. قرأ السؤال في عيني.. كيف؟.. أجابني وابتسامته تتسع.. إرادة الله.. ابتلاني بمصاب أليم.. أفقت بعده لأعرف أن كل ما كان مني ليس إلا لهو وغرور.. وأرجو الله أن يغفر لي ما كان..وأن يتقبلني ويعفو عني.. وتجرأت وسألته بلساني.. كيف؟.. أجابني.. لهذا حكاية طويلة سأقصها عليك عندما نجلس ونحتسي معاً كوباً من الشاي.
وفي ركن منزو من أحد مقاهي حي الحسين.. جلسنا.. وتحدث وذكرني.. والفضل له.. بحكاية يميني الكاذب.. وإنقاذه من الفضيحة.. وقال بعدها.. تزوجت للمرة الثانية.. وعشت مع زوجتي هذه عشر سنوات.. سافرت معها إلي السعودية بعد أن توفي والدي ولحقت به أمي.. وطوال هذه السنوات كنت أظن إنني تزوجت من سيدة فاضلة.. مباركة قديسة.. تستطيع أن تقرأ أفكاري وأن تدرك ما فعلته.. أو ما أنوي أن أفعله.. ظننتها مكشوف عنها غطاء الغيب.. فخشيتها.. صدقني كنت أخاف منها ولا أجرؤ أن أغضبها.. ورغم وجودي في الأراضي المقدسة.. طوال هذه الفترة.. ما خطر علي قلبي مرة أن أحج.. أو أري الكعبة.. أو أنعم بزيارة رسول الله صلي الله عليه وسلم - كان علي قلبي غشاوة كثيفة.. وألهاني جمع المال عن ما عداه.. واستطعت أن أحقق ثروة كبيرة.. وأعماني المال عن كل شيء.. وأصبحت غنياً كل شيء أستطيع الوصول إليه.... فالمال له سلطان يفتح أي مكان.. والمال أيضاً يأتي بالمال.. وخلال هذه السنوات العشر التي قضيتها مع زوجتي.. أنجبت منها ثلاثة أولاد.. ولدان وبنت.. لم أكن أعرف عنهم شيئاً.. فقد تركت أمرهم لأمهم.. وانشغلت أنا بالسفر والعمل ولم أنس نصيبي من لذات الدنيا بعيداً عن عيون امرأتي..التي تقرأ الغيب وتعرف كل شيء وجعلتني أخشاها وأخاف منها.
حتي كان يوماً.. اكتشفت فيه أنني كنت مخدوعاً في زوجتي.. وأنني مغفل كبير.. ضحكت علي طوال هذه السنوات امرأة ظنتها قديسة.. ولكنها لم تكن إلا امرأة مخادعة. وكان لهذا حكاية.. فقد سافرت يوماً مع أحد المعاونين للخارج.. وبحثنا عن مكان لنا في أحد الفنادق.. فلم نجد إلا غرفة مشتركة.. نمنا فيها معاً.. وفي الصباح وجدت معاوني يخبرني بما كنت أظن أن لا أحد في الدنيا يعرفه غيري.. ويكشف لي سراً من أسرار عملي، وعمولة كبيرة أسعي وراءها.. وببجاجة طلب نصيبه منها. ووسط دهشتي سألته كيف عرف؟!.. أجابني ساخراً منك أنت.. ألا تعرف إنك تتحدث وأنت نائم.. لقد وجدتك تتحدث فسألتك عن كل ما أردت معرفته.. فكنت تجيبني وكأنك يقظ.
وساعتها فقط.. انتهي خوفي من زوجتي.. وتحطمت قدسيتها في نفسي وأدركت أنني مغفل كبير.. وفي نفس الوقت أيضاً.. قررت أن أعدل عن ما كنت أنويه في هذه الرحلة.. وسافرت عائداً علي أول طائرة مع إبلاغ المعاون الذي كان في رفقتي إنني استغنيت عنه.. وطردته.. وعدت إلي زوجتي.. وأول ما فعلته معها.. أنني طلقتها.. ولم تحتمل المرأة ما حدث مني.. فانتحرت.. وماتت.. وكانت هذه أول هزة في حياتي.. ولكني لم أتعظ.. وعدت بأولادي إلي بلدي.. وفي نفسي اليوم الذي عدت فيه عدت إلي منزلي بعد سهرة ماجنة.. لأفاجأ بأن الغاز قد تسرب وخنق أولادي الثلاثة.. ساعتها.. أدركت مدي عقاب الله وأنكفأت علي وجهي أبكي حتي أغمي علي.. ولم أفق إلا بعد عدة أيام ولكني كنت قعيداً مشلولاً لا أستطيع الحركة. وفي هذه الفترة.. التي كنت طريح الفراش فيها لا أملك الحركة.. كانت حياتي تمر أمام عيني.. أدركت مدي ما كنت فيه من غي وجهل.. انجلت بصيرتي.. وأدركت أن الله شاء أن يعاتبني علي ما كان مني.. فعزمت أن أعود إليه.. وأقسمت بيني وبين نفسي إن لو رد الله علي صحتي فإنه سيكون لي شأن آخر.. وقد كان بعدها بأيام.. تماثلت للشفاء.. وكان أول شيء فعلته أنني ذهبت إلي بيت الله.. وهناك عفرت رأسي بالتراب.. وطلبت من الله أن يغفر ذنوبي.. وعدت من هناك ليشدني إليه الشوق بين الحين والحين.. حاجاً ومعتمراً.. وتركت الدنيا وما فيها.. وشعرت بالسعادة لأول مرة في حياتي مع هؤلاء الناس.. الناس الذين رأيتهم حولي.. رأيت فيهم الصفاء والإيمان.. ليس لهم مآرب من الدنيا إلا ما يسد رمقهم من جوع.. وما يكسي بدنهم ويقيهم من برد الشتاء.. ولا شيء يغريهم بمتاع الدنيا.. فعشت معهم وبينهم.. وزهدت في الدنيا كلها.. والحمد لله.
وتركته.. وأنا غير مصدق...وبعدها بفترة قصيرة عرفت ان الله اختاره إلي جواره.. رحل عنا ملبيا نداء ربه..ويحكون.. ان النعش الذي كان يحمل جثمانه كان يشد الذين يحملونه للجري وسط تهليل المشيعين للجنازة وتكبيرهم وهم يعدون وراء النعش.. ليواري في التراب ولكني تعوذت بالله من الشيطان الرجيم.. وتذكرت أن العبرة بالخواتيم.. أحسن الله ختام أيامنا.. وغفر لنا ما تقدم من ذنوبنا.. وجعل أفضل أيامنا في الدنيا آخرها..يوم نلقي الله بنفوس راضية مرضية.. انا وأنتم.. آمين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.