انبثقت رغبتى فى الكتابة عن هذا المسلسل من اعتبارين، أولهما الإعجاب به وبالرؤية التى قدمها والمستوى الرفيع الذى وصل إليه فى كافة عناصره الفنية، ولا يعنى هذا غياب أى مظهر للقصور بالمسلسل، ولكننى أتحدث عن الصورة العامة. أما الاعتبار الثانى فهو اندهاشى من بعض مضامين النقد الضارى الموجه للمسلسل بغير حق فى تقديرى، ولنبدأ بالنقد المتعلق بالأخطاء التاريخية فى المسلسل، ولا أدرى عن أية أخطاء تاريخية يتحدثون، فالمسلسل أصلاً ليس تاريخياً وإنما هو رؤية درامية تتم فى سياق زمنى معين، وأقصد بهذا أنه لا يتناول شخوصاً تاريخية بعينها كما كان الحال فى مسلسل «صديق العمر» فى رمضان الماضى مثلاً الذى كان أبطاله شخصيات حقيقية مثل عبدالناصر وعامر وعبدالحميد السراج، وبالتالى فإن النص لا يمكن أن يجافى وقائع التاريخ، أما فى «حارة اليهود» فليست هناك شخصيات تاريخية اسمها هارون أو ابنته ليلى أو على الحسينى أو خليل الطرشجى، وبالتالى فإن كل ما للتاريخ عند حارة اليهود أن أحداثه تدور فى سياق تاريخى محدد هو أربعينات وخمسينات القرن الماضى، فهل أخطأ فى أن إسرائيل قد أنشئت أو أن حرباً قد دارت بينها وبين العرب وأن الخازندار والنقراشى وحسن البنا قد قُتلوا أو أن ثورة يوليو قد وقعت أو أن صراعاً داخل صفوفها قد نشب أو أن الأحزاب ألغيت والجمهورية أُعلنت وأن محاولة من قبَل الإخوان المسلمين قد جرت لاغتيال عبدالناصر؟ أما النقد الثانى الذى يبعث على الاندهاش فهو يتجه إلى حقيقة سامية أكد عليها المسلسل وهى سمة التسامح التى تطبع الشعب المصرى أدامها الله عليه وحماه من الجراثيم التى تحاول النيل منها، والتهمة هنا أن المسلسل قد بالغ فى تقديم صورة إيجابية لليهودى المصرى على حساب المسلم، وواضحة للغاية الأصول الفكرية لهذه التهمة، وهى تسم أصحابها بالعنصرية لأنهم لا يرون فى اليهودى سوى الأنف المعقوف والصوت الأخنف والتآمر الدائم على الآخرين، والحق أن كل ما فعله المسلسل هو تقديم صورة موضوعية عن الطائفة اليهودية فى مصر حينذاك، ولا أدرى من أين جاء هراء القائلين بالمبالغة فى تقديم صورة إيجابية عن يهود مصر؟ فكما كان لدينا هارون وابنته ليلى الذائبان فى عشق وطنهما كان لدينا موسى هارون المتطرف فى صهيونيته إلى حد التجسس على مصر، وكما كان لدينا شيخ التجار ذو الرؤية الوطنية السليمة كانت هناك زوجة الباشا الضالعة فى تنفيذ المخطط الصهيونى، فمن أين تأتى الجرأة على إصدار الأحكام الخاطئة بهذه البساطة؟ والأعجب أن ترتبط بهذا الهراء تهمة الترويج للتطبيع مع إسرائيل, بمعنى أنه طالما أن صورة اليهود إيجابية إلى هذا الحد (المزعوم كما رأينا) فإن المسلسل يهيئ مشاهديه للتطبيع مع إسرائيل ولا يعدو أن يكون هذا سوى هراء على هراء، فرؤية المسلسل شديدة الوضوح فى إدانة الحركة الصهيونية وصنيعتها إسرائيل، وللأسف فإن هذا الهراء منطلق من رؤى أيديولوچية وسياسية معروفة ومبنى على متابعة مشوهة للمسلسل وردود فعله. وعلى سبيل المثال فقد استشهد أصحاب هذا الهراء كثيراً بردود الفعل الإسرائيلية الإيجابية الأولى للمسلسل التى بُنيت على رؤيته الموضوعية للطائفة اليهودية المصرية، فلما بدأ موقفه يتضح من الحركة الصهيونية بعد الحلقات السبع الأولى انقلبت ردود الفعل هذه رأساً على عقب، لكن أصحاب الهراء إما أنهم تجاهلوا هذا كنوع من التدليس لإثبات صحة اتهامهم للمسلسل أو أنهم لم يهتموا أصلاً بمتابعة ردود فعله المختلفة وتطورها وبالذات على الجانب الإسرائيلى، وقد اعترف أحد كبار المدلسين على أية حال بأنه لم يتابع المسلسل وأن نقده إياه مبنى على ما قرأه وسمعه. أود أن ألفت إلى أن المصدر الرئيسى، إن لم يكن الوحيد، لهذا الهراء هو قناة الجزيرة المعادية لمصر الداعمة للإرهاب اليائس على أرضها والمنتمون إلى الإخوان المسلمين الذين كشف المسلسل دورهم فى تخريب الوحدة الوطنية المصرية بسبب رؤيتهم المغلوطة للإسلام السمح، وقد وجدت تلك القناة الكئيبة من الفئة الأخيرة من زودها بأعجب التحليلات وأكثرها تفاهة، ومنها مثلاً أن المسلسل جزء من خطة السيسى لتحويل التطبيع الرسمى لنظامه مع إسرائيل إلى تطبيع شعبى يبدأ بتقديم الصورة الإيجابية عن يهود مصر بما يصل بالتخريف إلى حد يثير الرثاء من جانب، ولكنه من جانب آخر يكشف لنا مواطن الضعف فى تلك الببغاوات التى تهرف بما لا تعرف، ولن أملّ من القول بأنه قد آن الأوان لفضح كل الأفكار المريضة التى تهدف للنيل من مصر وشعبها عن طريق عمل إعلامى مخطط ترعاه الدولة أو مؤسسات مجتمعها المدنى المعنية وتجند له خيرة الكوادر الإعلامية المصرية وما أكثرها لأن الهراء على الرغم من كونه كذلك يمكن أن ينال من عقول البسطاء ذوى الوعى المحدود، ولا يمكننى أن أنهى هذه المقالة دون أن أرفع القبعة لفريق حارة اليهود ولكل من انتقدهم بموضوعية، غير أن تحية خاصة واجبة لهارون وابنته ليلى اللذين جسدهما بأداء عالمى القدير أحمد كمال والمبدعة منة شلبى، ولعلها ليست مصادفة أن يذكّرنا هارون بالمناضل المصرى شحاتة هارون، وحتى لو كانت كذلك فإن الصدفة لا تأتى إلا لمن يستحقها.