بعد أن كانت تعج بالعشاق عن بكرة أبيها، أصبحت فى ظل موجة الصقيع خاوية على عروشها، فلا «حبِّيبة» باتوا يتسكعون على الكبارى وكورنيش النيل، ولا باعة الورود والشاى يتسابقون لاستقطابهم، حتى أصحاب المراكب النيلية تركوا مراكبهم بعد أن هجر العشاق كورنيش النيل. يجلس محمد رضا، صاحب «نصبة» شاى، بجوار بضاعته، واضعاً يده على خده، ينتظر قدوم أحد المارة حتى لا يعود لبيته «إيد ورا وإيد قدام»: «والله إحنا على الحال ده من أسبوع، لا فيه حبِّيبة بييجوا يقعدوا ولا حتى عربيات تركن تاخد شاى وتمشى، مش فاهم ده بسبب البرد ولّا فيه سبب تانى، ما طول عمرنا عندنا مطر وسقعة». اكتشف «رضا» وزملاؤه من العاملين على كورنيش النيل أن نسبة كبيرة من دخلهم ترتبط ب«الحبِّيبة» الذين يتخذون من النيل ملتقى لهم، لذا تأثرت أرزاقهم بشكل ملحوظ بعد انخفاض عدد المترددين على الكبارى والكورنيش نتيجة لحالة الصقيع التى تعيشها البلاد: «بيقف هنا مش شباب صغير بس، فيه ناس متجوزة بييجوا يجددوا مشاعرهم عند النيل، بس يا خسارة البرد طفِّش دول ودول، وما بقاش لينا غير النيل»، ويستكمل «رضا» كلامه بسخرية قائلاً: «يعنى إحنا استعدينا للشتا بالحمص والحلبسة وهو يعمل فينا كده ويطفش زباينا، مش كده يا عم الشتا براحتك علينا». انصراف الزبائن عن استقلال المراكب النيلية جعل أصحابها يرددون: «والله العظيم هَمّ يبكى وهم يضحك.. البلد دى بقت مواسم وأعياد وثورات وفصل الشتا وانتخابات وحرارة الصيف، كل واحد فيهم ومزاجه بقى يا تحرر قوى يا تسقع قوى»، بحسب إبراهيم ناجى، عامل على أحد المراكب النيلية، فهو يرى أن العمل فى المراكب النيلية أصبح يرتبط بالمواسم، حيث إن المراكب فى فصل الشتاء، خاصة القارس، مثل الذى نشهده حالياً، يترتب عليه وقوف المراكب فى مراسيها بالأسابيع، فلا تتحرك من الشاطئ إلا فى المناسبات والأفراح فقط، وهو ما يتغير فى فصل الصيف: «إحنا فى الصيف شغالين، وفى الشتا أغلب الوقت نايمين جوّاها».