فتحت الثورة الطريق أمام كافة القوى السياسية المحجوبة عن الشرعية لتعرض بضاعتها -بشكل عملى- على الشعب وتخضعها للاختبار السياسى الحقيقى، والأهم أن كافة الأسئلة السياسية -والدينية- الحرجة أصبحت مطروحة بإلحاح سياسى مسئول. خذ مثلاً فتاوى إهدار الدم، قبل الثورة مرت العديد من تلك الفتاوى مرور الكرام على الرغم من أنها طالت أسماء كبيرة من كل الأطياف الإسلامية وغير الإسلامية بداية من القرضاوى حتى سعاد صالح مرورا بالبرادعى وعادل إمام، أما فى عصر المسئولية السياسية بعد الثورة فإن الدنيا قامت ولم تقعد بعد صدور فتوى الدكتور محمود خليل، القيادى الإخوانى، بإهدار دم من يسعى لحرق مقار جماعة الإخوان، وفتوى أخرى للشيخ الأزهرى هاشم إسلام بوجوب قتال المشاركين فى تظاهرات 24 أغسطس المناوئة لحكم الإخوان، وثالثة للشيخ السلفى محمد الجويلى الذى دعا رئيس الجمهورية لتطبيق حد الحرابة تجاه السفهاء من الإعلاميين والصحفيين والمنافقين الذين يسخرون من أى رمز إسلامى، خاصة رئيس الجمهورية. وكان أحد نواب حزب النور فى مجلس الشعب قد تقدم فى مارس الماضى بقانون للحرابة لقى تأييداً واسعا من الأزهر والإخوان على السواء، ما يتناقض مع تنصلهم رسميا من تلك الفتاوى الأخيرة وانتقادهم لها. لايخرج تفسير هذا التناقض عن احتمالين: الأول أن الرفض لا ينطلق من موقف سياسى حاسم مؤيد لحقوق الإنسان وحقوق التعبير والانتقاد السياسى السلمى للحاكم وللنظام السياسى، بل يتعلق فقط بمدى انطباق الحالة مع النص، أو تحسباً للآثار السياسية السلبية التى قد تترتب على إثارة مثل هذه الفتاوى الآن حيث يبدو الظرف غير ملائم سياسياً. أما التفسير الثانى فيرجع حالة الانقسام الواضح بين الإسلاميين حول هذه الفتاوى إلى التناقض بين نزعة الفقهاء لتطبيق النص مباشرة بغض النظر عن الظروف الاجتماعية والسياسية، ونزعة براجماتية لدى قادة الإسلام السياسى تولى اهتماماً أكبر بالتأكد من توافر شروط إعمال النص ودراسة الآثار المترتبة على تنفيذه، وهو تباين من شأنه أن يثرى الاجتهاد الإسلامى مستقبلا خاصة فى مجال الفقه السياسى. ثمة شبهة توظيف سياسى واضح للدين فى هذه الفتاوى، فالحرابة (أى قطع الطريق)، هى أساساً خروج طائفة «مسلحة» لسفك الدماء، وسلب الأموال، وهتك الأعراض، وإهلاك الحرث والنسل، ويدخل فى مفهومها عصابات القتل وخطف الأطفال والسطو على البيوت والبنوك وخطف البنات وإتلاف الزروع وقتل المواشى والدواب، فلماذا لم تظهر تلك الفتاوى بخصوص كل هذه الموبقات الاجتماعية التى يعانى منها المصريون، وظهرت فقط الآن فيما يخص انتقاد الرئيس والإخوان وسياساتهم. وعلى الرغم من تبرؤ الرئاسة من تلك الفتاوى، فإن الناطق باسم الرئاسة شدد على أن «كل ما يهمنا أن يحترم الجميع القانون لأنه سيطبق على الجميع بمنتهى الحزم والأمانة»، والرسالة السياسية المضمرة هنا أنه على العكس من النظام السابق الذى كان يضطر أحيانا للتساهل والتغاضى عن تطبيق القانون نتيجة افتقاده للشرعية بسبب تزوير الانتخابات، فإن النظام الحالى لن يكون مضطرا لذلك كونه نظاما أتى بانتخاب شعبى نزيه يعبر عن إرادة الأمة. ولكن الديمقراطية التى تكرس مبدأ احترام الأقلية السياسية للأغلبية الحاكمة، تنظم أيضاً حقوق المعارضة فى التعبير والتنظيم والحشد، وهذا فقط هو ما يجعل تداول السلطة والتطور السياسى أموراً ممكنة. الفوز بأغلبية الأصوات لا يعطى لحزب الأغلبية حق إعلان الحرب بقانون إلهى على الأقلية المعارضة. طبقوا حد الحرابة على قطاع الطرق والبلطجية ولا تحولوه إلى «محلل» لقطع أيادى وأرجل المطالبين بالديمقراطية بعد أن فقأ النظام السابق عيونهم.