عاطف النمر اذا اردتم ان تعرفوا معدن المصري الاصيل الذي يظهر وقت الشدة ، اذا اردتم ان تعرفوا من هو المسلم الذي يتمتع بخصوصية مصرية لن تجدوها في اي مسلم آخر علي وجه الارض ، تأملوا صورة السيدة المسنة التي ترتدي طرحة صلاة بيضاء وهي تنزل زجاجات الماء في " سبت " لتروي عطش من تجمعوا في الشوارع المحيطة بالكاتدرائية بالعباسية املا في نيل فرصة القاء نظرة الوداع علي جثمان قداسة البابا شنودة الثالث . هذه السيدة الورعة التقية بالانسانية والفطرة قبل الدين والتدين ، ظلت ما يزيد عن اربع ساعات ترفع " السبت " وتنزله من الطابق الرابع بزجاجات المياه التي تملأها كلما فرغت في تصرف انساني متوارث بثقافة الشهامة التي تميز بها المصري عن بقية شعوب الارض ، كنت اتمني ان تتوسع اجهزة الاعلام في التركيزعلي هذا المشهد المتحضر الذي قامت به تلك السيدة المسنة التي لم يطلب منها احد ان تبادر به ، انما فعلته بموروثها المصري ، فعلته لارضاء الله ورسوله ، ايمانا منها بأن كل البشر واحد ، من اب وام واحدة ، ومرجعيتهم لله واحدة ، وسوف يقفون يوم القيامة جميعا امام ديان عادل واحد ، يفرز بينهم بما فعلت ايديهم من عمل صالح ، تتكشف وقتها القلوب السوداء الحاقدة الشريرة التي تلبسها الشيطان ، فتجردت من الانسانية السمحة وصحيح ما بعث به الله علي لسان الرسل والانبياء . من يعرف الفرق الجوهري بين " المسلم " و" المتأسلم " سوف يدرك بكل بساطة مشاعر الحزن الصادق التي تجلت في نفوس المصريين " مسلمين ومسيحيين " لرحيل قداسة البابا في الوقت العصيب الذي تمر به مصر ، سوف يدرك ان رمانة ميزان الحكمة قد غيبه الرحيل في وقت تتطاحن فيه القوي والتيارات لاختطاف لجنة كتابة الدستور ، سوف يدرك ان القلق المشترك جمع بين المسلمين والمسيحيين حول حاضر ومستقبل الوطن في ظل دعاوي الفكر المتحجر ، والرؤي المتخلفة ، والاصوات التي تنعق علي شبكة الانترنت بكل ما هو مسف ومؤذ للمشاعر ، وكل ماهو مؤجج للفتنة ، وكل ما هو كاذب ومضلل ، وكل ما هو معاقب عليه بالقانون ، لأن القانون في اجازة ، والدولة مفككة ومنهارة ، فالعقاب قد جاء بالرد المستنكر من كل مسلم مصري غير متأسلم علي عبارات الافك والضلال التي تفوه بها احد المأفونين بعد رحيل البابا بيوم واحد في تسجيل صوتي رفعه علي شبكة الانترنت ، تسجيل ينطق بفحيح الشياطين ، عبارات لا تخرج إلا من خرابات النفس الشريرة المعتمة بظلمة الافاقين والمشعوذين ، ردود كل مسلم مصري اصيل غير متأسلم علي هذه المأفون ترجمت اسباب المهابة التي صاحبت جنازة البابا ، كل هذه المشاعر الجياشة جاءت من كافة المصريين وهم يودعون من قال لهم " ان مصر وطن يعيش فينا وليس وطنا نعيش فيه " ، لم يقل لهم " طظ في مصر واللي في مصر " ، لم ينسوا له مواقفه الوطنية التي رفض بها ان يذهب للقدس طالما ظلت تحت الاحتلال الاسرائيلي ، لم ينسوا انه قال " لن ندخل القدس إلا مع اخوتنا المسلمين يد في يد " ، لم ينسوا انه وهو في عز مرضه سافر إلي اثيوبيا ليبحث مع المسئولين هناك ملف مشكلة المياه التي تهدد الامن القومي المصري بما له من مكانة روحية كبيرة لدي الكنيسة الاثيوبية ، لم ينسوا له رفضه وصاية الغرب علي مصر بزعم حماية الاقليات ، لم ينسوا مواقفه الصارمة في الدفاع عن فلسطين حتي اخر لحظة في حياته ، لم ينسوا انه اطفأ بحكمته كل غضب متأجج في حوادث الفتن الاليمة حبا في تراب هذا الوطن بالعظة احيانا ، والصمت والاعتكاف في احيان اخري تاركا وراءه عبارة " ربنا موجود " .