يبدو- والله وأعلم- أننا شعب لا يظهر معدنه الأصيل الا في المحن والشدائد.. حيث تجتمع صفوفنا وتتشابك أيدينا ونأتي من الأفعال الحميدة مالا يخطر علي قلب بشر فنبهر الأبصار والبصائر.. ثم بعد أن تزول المحنة ننقلب كائنات مختلفة تماما.. ونتباعد عن معدننا الأصيل كأن لم يكن بيننا وبينه عهد.. ونأتي من الأفعال السلبية ما يدمي القلوب ويحير العقول.. وما يفرح العدو ويحزن الصديق. وقد أظهرت الشدة التي نعيشها الآن بوفاة البابا شنودة معدن الشعب المصري الأصيل الطيب.. فمن يقرأ الصحف المصرية ويشاهد الشاشات والفضائيات المصرية ويقرأ للكتاب والسياسيين والمفكرين المصريين علي اختلاف مشاربهم يدرك علي الفور كم هو عظيم ورائع هذا الشعب الواحد الذي يبكي البابا باعتباره بابا كل المصريين.. ويدرك صدق المشاعر النبيلة التي يعبر بها المصري المسلم عن حزنه لوفاة البابا والتي لا تختلف في شيء عن مشاعر المصري المسيحي. هل نحن شعب واحد فعلا أم أن المصاب الجلل هو الذي وحدنا مؤقتا ثم سرعان ما سنعود إلي الفرقة والتشرذم؟.. هل نحن منقسمون أصلا أم اننا فشلنا في أن نستفيد من التنوع والتعدد لاثراء حياتنا ولنعيش معا بشكل أفضل باعتبارنا شعباً واحداً متنوعاً في ذاته متعدداً في عناصره؟ المؤكد أن فينا عيبا يجب أن نتنبه إليه ونعالجه من جذوره حتي لا تفاجئنا أعراض خبيثة تهدد معدننا الأصيل الذي أتاحت لنا محنة وفاة البابا فرصة العثور عليه من جديد. اليوم تجمع كل القوي السياسية الاسلامية والليبرالية والعلمانية.. اليمين واليسار.. الأغلبية والأقلية.. المتطرفين والمعتدلين.. مراجع الأزهر والكنيسة.. الشباب والشيوخ.. الرجال والنساء.. الكل يجمع علي أن مصر فقدت برحيل البابا رمزا كبيرا للوحدة الوطنية.. وان البابا كان صمام أمان للوطن.. وسوف يترك فراغا سياسيا في لحظة فارقة يعاد فيها ترتيب أوراق مصر والمصريين.. وكنا في حاجة حقيقية إلي حكمته وخبرته وسعة صدره. وهنا يجب أن نسأل: لماذا لم تعبر هذه القوي السياسية عن تلك المشاعر في حياة البابا؟.. لماذا نبخل بكلمة طيبة ولا نقولها لصاحبها مادامت كلمة حق لارياء فيها؟.. ربما لو فعلنا ذل لتغيرت اشياء كثيرة من حولنا إلي الأفضل ولتخففنا من غلواء الاستقطاب الديني والسياسي الذي يشطرنا قسمين متنافرين في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلي الوحدة. لقد مرت بنا شهور عديدة ونحن نعاني من هذا الاستقطاب ولا نكاد نجتمع علي أمر واحد حتي اجتمع شملنا في محنة وفاة البابا.. فشكرا لك يا قداسة البابا... لن ننسي أنك كنت مدافعا عن وحدتنا في حياتك وأنك اعدتنا إلي الوحدة في مماتك بعد طول فرقة. عاد المسلمون والمسيحيون يتبادلون العزاء في مسقط رأسه بقرية "سلام" مركز أسيوط.. ويقف المسلمون إلي جوار أقاربه يتلقون العزاء من القادمين إليهم من القري والنجوع المجاورة.. ويطالب سيد سليمان أحمد بانشاء مدرسة اعدادية بالقرية يطلق عليها اسم البابا شنودة تخليداً لذكراه.. ويطالب المسيحيون بانشاء كنيسة في القرية أيضا تحمل اسمه. ويقف المسلمون والمسلمات مع اخوانهم المسيحيين في طوابير امام الكاتدرائية لالقاء النظرة الأخيرة علي جثمان البابا.. لا يستطيع أحد أن يفرق بينهم.. وتنقل جريدة الدستور عن ايمان "25 سنة" احدي المحجبات في الطابور قولها: "البابا كان رمزاً للتسامح.. وأكثر ما كان يميزه انه لم يصدر أي شيء في يوم من الأيام تسييء إلي الاسلام.. وكان رجلا طيبا وحكيما وسوف أشارك في جنازته أيضاً. وتتسابق الأسر المسلمة في منطقة العباسية المحيطه بالكاتدرائية في انزال "السبت" من البلكونات فيه زجاجات المياه والمشروبات والعصائر لاخوانهم الواقفين في الطوابير انتظارا لدورهم في إلقاء نظرة الوداع.. وهناك من يرسلون كراتين المشروبات لا تعرف ان كانوا مسلمين أم مسيحيين لكنهم بالتأكيد مصريون. في الأقصر يذهب مئات المسلمين لأداء واجب العزاء في كنيسة السيدة العذراء ليجدوا اخوانهم المسيحيين يستعدون للسفر إلي القاهرة لالقاء نظرة الوداع الأخير علي البابا فيودعونهم ويتولون مسئولية حراسة الكنيسة حتي يعودن. وفي منطقة العامرية وبرج العرب أقام الموطنون استراحات خاصة بطول الطريق المؤدي لوادي النطرون مزودة بالشماسي والمقاعد بالاضافة إلي ثلاجات متنقلة بداخلها العصائر والألبان حرصا علي راحة المسافرين علي الطريق الذين يصرون علي الذهاب أمام دير وادي النطرون حيث دفن البابا.. ونقلت جريدتنا "المساء" أمس عن ضوي عبدالمولي أحد ابناء المنطقة قوله ان كلا من ابناء غرب الاسكندرية تبرع حسب امكانياته باعداد الخبز والفطائر والجبن لتوزيعها علي الاخوة الأقباط القادمين لدير وادي النطرون مراعاة لمشقة السفر وكواجب ضيافة من قبل اعراب وقبائل المنطقة ومشاركة في العزاء نظرا للمنزلة الخاصة للبابا شنودة في نفوسنا جميعا. مرة أخري.. شكراً قداسة البابا.