جلال عارف مشهد الوداع الاخير التاريخي للبابا شنودة، ومشاعر الحزن التي سكنت قلوب المصريين جميعا (مسلمين ومسيحيين) علي رحيله، هي الشهادة لهذا الرجل العظيم بالدور الذي لا ينسي له علي مدي أربعين عاما في الحفاظ علي وحدة الوطن في ظروف لا يعلم إلا الله مدي صعوبتها وتعقيداتها. يرحل البابا شنودة ومصر في حالة من التغيير الشامل. الثورة جاءت بأحلامها الكبيرة، وجاءت ايضا بالكثير من المخاطر التي تترافق دائما مع هذه الفترات المضطربة في حياة الشعوب بعد الثورات ومشاعر القلق من الغد عند إخوتنا المسيحيين ليست بعيدة عن مشاعر القلق عند عموم المسلمين الذين يؤمنون بوسطية الاسلام وتسامحه، والذين يحلمون بمصر القوية الحديثة دولة لكل أبنائها يحكمها الدستور والقانون والمؤسسات المدنية، والمواطنة الحقيقية التي تساوي بين المصريين جميعا في الحقوق والواجبات. في رحيل البابا، سمعنا بعض الاصوات النشاز التي تقول انها تقدم العزاء ولكنها لا تطلب الرحمة!! لا نتوقف كثيرا عندها، فقد كان الرد عليها من ملايين المسلمين الذين تألموا لرحيل رجل وطني عظيم، وقدموا العزاء لانفسهم قبل الآخرين، وطلبوا الرحمة لمن أفني حياته في خدمة الوطن. هذه الاصوات النشاز هي نفسها التي قالت إن الليبراليين واليساريين كفار ملحدون!! وان الفن حرام، وكرة القدم حرام، ونجيب محفوظ أخذ »نوبل« لأنه كافر!! والتماثيل سنغطيها بالشمع، والوطن سنعيده للوراء ونرفع فوقه راياتنا السوداء!! القضية ليست طلب الرحمة، بل طلب الوصاية علي مقدرات الوطن، ووضع مصيره في يد فكر بعيد عن اسلام الأزهر ووسطيته، وعن وطنية الكنيسة المصرية، وعن وحدة شعب مصر التي كانت وستظل السياج الذي يحمي الوطن من كل اعدائه. المشهد في وداع البابا شنودة كان هو الرد من كل شعب مصر، ولكن علينا أن ندرك ان المعركة ليست سهلة، وان أي تهاون فيها سيؤدي الي كارثة وطنية. رحم الله فقيد الوطن البابا شنودة، وحمي مصر وشعبها من مؤامرات المتآمرين وجهالة الجاهلين!!