من أشهر الألقاب التي حملها فقيدنا الكبير البابا شنودة الثالث لقب "بابا العرب" الذي كان يستقبل به استقبال الأبطال الأماجد في جميع العواصم العربية.. ولم يسبغ عليه هذا اللقب لأنه فقط رئيس أكبر طائفة مسيحية في الشرق العربي وإنما تقديرا أيضا لمواقفه الوطنية والقومية التي كانت محل تقدير من كل العرب.. خصوصا موقفه الحاسم من قضية القدس وتأكيده علي أن المسيحيين لن يدخلوا القدس إلا مع إخوانهم المسلمين بعد تحريرها. لقد فقدت مصر بوفاة البابا شنودة رمزا وطنيا وقوميا عظيما.. والمصريون يتبادلون العزاء اليوم مسلمين ومسيحيين ويتذكرون مقولته الخالدة بأن مصر وطن يعيش فينا وليست وطنا نعيش فيه. كان -رحمه الله- علامة مضيئة في سماء الوطن.. يفتح الطريق بحكمته وسعة أفقه للسلام الاجتماعي والتراحم والتعايش.. وكان مصباحا هاديا للوحدة الوطنية عندما تظلم الدنيا ويطل الجهل والجشع من وراء الحجب ليهدد أمن البلد واستقراره. ولاشك ان ثقافته الواسعة ودراسته للفلسفة وارتباطه باللغتين العربية والإنجليزية وشاعريته وخبراته في مجال التدريس والصحافة قد شكلت شخصيته الفريدة التي كانت تجذب إليه كل الناس علي اختلاف طبائعهم ومشاربهم السياسية والدينية والفكرية والثقافية. لم يكن البابا شنودة ملكا للمسيحيين الأقباط فقط وإنما كان ملكا للمصريين جميعا.. مسلمين وأقباطا.. وكان عندما يتحدث أمامك يعطيك إحساسا بأنه يجسد الشخصية المصرية بكل مقوماتها فهو حازم وعطوف ومرح ومجامل وإلي جانب ذلك كله فهو متعدد المعارف.. قوي الحجة.. حاضر الذهن.. مرتب الأفكار.. أنيق العبارة. وقد شارك البابا في جميع مؤتمرات المجلس الأعلي للشئون الإسلامية التي عقدت بالقاهرة وحضرها قادة الفكر الإسلامي من كافة الدول العربية والإسلامية.. وحضرها أيضا المهتمون بالدراسات الإسلامية في الجامعات الأوروبية والأمريكية والمهتمون بحوار الأديان وحوار الحضارات. وأشهد بأن الحضور جميعا كانوا يترقبون كلمة البابا شنودة في جلسة الافتتاح وكانت كلمته فريدة ومميزة وثرية ومعبرة عن رؤية ثاقبة وعامرة بالمعلومات الموثقة ولذلك كانت دائما تحظي بالإعجاب والتقدير من كل الوفود وكان هو موضع فخر للمصريين وسط هذا المحفل العظيم. ولا يمكن لمصر أبدا ان تنسي حكمة البابا شنودة وشجاعته ووقوفه إلي جانب الحق.. وأذكر انه عندما حاول البعض ان يجعل من قضية أنفلونزا الخنازير قضية طائفية ان صرح البابا لصحيفة "الأهرام" في أول يونية 2009 قائلا: "أؤيد ذبح الخنازير.. والأقباط لا يأكلون لحم الخنازير.. فالخنازير في الإنجيل وفي العهد القديم من الحيوانات النجسة". واحتفظ في مفكرتي الخاصة بالعديد من أقوال البابا التي تعكس مواقف وطنية مستنيرة تجمع شتات الوطن وتقرب المسافات في زمن اتسم بالتطرف والفتن ومحاولات الوقيعة بين المسلمين والمسيحيين ومن أمثله ذلك: - في 3 ديسمبر 2009 نشر موقع "إيجي نيوز" علي الإنترنت قول البابا: "التبرع بالدم لغير المسيحيين جائز.. والقسم في الأمور الخطيرة ليس حراما". - في 11/8/2009 قال البابا شنودة في صحيفة "الدستور": "الزكاة تعطي للمسيحي وغير المسيحي وحرق جثث الموتي تخاريف". - في 17/7/2009 نشرت "الجمهورية" قول البابا: "السينما بشكلها العام ورسالتها ليست حراما.. إنما الحرام ما يعرض فيها ويخدش الحياء ولا يتفق مع قيمنا". - في 26/6/2009 نشرت "الشروق" قول البابا: "الخمر الذي يسكر كل ما يتعلق به حرام.. الإنجيل يفرق بين الخمر الذي يسبب السكر والخمر الذي لا يسبب السكر.. وحتي الخمر الذي لا يسكر فإن الإكثار منه يضر وقد يسبب السكر". - في 23/5/2007 نشرت "المصري اليوم" جانبا مما ورد في حديث البابا في برنامج المجلس بقناة "أبوظبي" وجاء فيها: "إن غالبية الشعب المصري من المسلمين.. ومن حقهم ان يكون الإسلام هو الدين الرسمي للبلاد ومصدر التشريع". - في 22/2/2006 قال البابا شنودة في "الأهرام": "لا نقبل مهاجمة أي دين من الأديان السماوية لأن في ذلك مساسا بمشاعر الناس الدينية وهي أعمق المشاعر". هذه -كما تري- ليست مجرد كلمات.. لكنها مفاتيح الوحدة الوطنية والتعايش السلمي والتقريب بين المصريين جميعا من أجل ذلك فإن حزننا عميق ونحن ننعي للأمة كلها هذا الرمز الكبير. وداعا يا بابا مصر.. وداعا يا بابا العرب.