الولايات المتحدة والعودة إلى «عقيدة مونرو»    مصر تصل ربع نهائي الكان للمرة الحادية عشرة في تاريخها    اللحظة الذهبية    المحبة تهزم فتنة الإخوان | «الإرهابية» أحرقت الكنائس وحرّمت تهنئة شركاء الوطن.. والشعب انتفض لحماية وحدته    وزير البترول الأسبق: لا أتوقع تغييرا كبيرا في أسعار النفط.. وفنزويلا بروفة لما يمكن أن يحدث في المنطقة    قطاع الدراسات العليا والبحوث بجامعة أسيوط يُعلن تخصيص منحتين سنويًا لدراسة الدكتوراه    الأهلي يزف خبرا سارا عن حمزة عبد الكريم وسط مفاوضات انتقاله إلى برشلونة    وزير السياحة والآثار يترأس اجتماع مجلس إدارة متحف الحضارة    نيجيريا ضد موزمبيق.. التشكيل الرسمي لمواجهة ثمن نهائي أمم أفريقيا    انطلاق مباراة البنك الأهلي ووادى دجلة بكأس عاصمة مصر    الأهلي يعلن عن تعافي بن شرقي من إصابته    رومانو: برشلونة يتقدم بعرض إلى الهلال من أجل كانسيلو    حملات مكثفة لصحة الإسكندرية.. إغلاق 14 منشأة طبية غير مرخصة    جنون الجيرة.. ضبط عاطل أطلق النار على منزل مواطن في شبرا الخيمة    محافظ القليوبية يتابع ميدانياً منظومة النظافة وإزالة الاشغالات    إنجي كيوان مفاجأة دراما رمضان في مسلسل وننسي اللي كان    مكتبة الإسكندرية تعلن جائزتها |بريطانى من أصل مصرى وفلبينى يفوزان بمليون جنيه مناصفة    موجة سعادة في بورسعيد بعد نجاح أطباء مستشفى السلام في إنقاذ مريضة من توقف مفاجئ بعضلة القلب (صور)    الرئيس والكنيسة وزيارة كل عام    أمن المنوفية يضبط رجلا انهى حياة أرملة والده بدمليج    المجتمع الدولى !    مشروبات طبيعية لتحسين التركيز أثناء المذاكرة في الأسبوع الأخير قبل الامتحانات    تكريم عامل بالسكة الحديد بعد عثوره على 20 ألف جنيه وردها لصاحبها    البنك المركزي يقرر تعطيل العمل بالبنوك الأربعاء المقبل بمناسبة عيد الميلاد المجيد    البلاستيك ب30 جنيها، أسعار الخردة في مصر بختام تعاملات اليوم الإثنين    شراكة إعلامية استراتيجية بين مؤسسة الأهرام والتليفزيون المصري    رئيس جامعة كفر الشيخ: العدالة والهدوء المعيار الأساسي لامتحانات الفصل الدراسي الأول    التنظيم والإدارة يتيح الاستعلام عن موعد الامتحان الإلكتروني للمتقدمين لشغل 425 وظيفة بوزارة الخارجية    المستشارة أمل عمار تشهد افتتاح مركز ميدوم لتنمية المهارات التراثية بمحافظة بني سويف    مفاوضات سورية إسرائيلية جديدة للعودة إلى خطوط ما قبل 8 ديسمبر    45 ألف دولار راتبًا شهريًا..كواليس مفاوضات الزمالك مع ميكالي    قافلة «زاد العزة» ال109 تحمل أكثر من 148 ألف سلة غذائية من مصر إلى غزة    استئناف الإسكندرية تخفف حكم الإعدام لعاطل متهم بقتل زوجته بالسجن المشدد 15 سنة    قراء اليوم السابع: محمد الشناوى الأحق بحراسة مرمى منتخب مصر أمام بنين    تعليم الفيوم ينظم تدريبا لمعلمي اللغة العربية الجدد    عاجل- موجة برد قوية تضرب البلاد غدًا.. شبورة كثيفة وتحذيرات للمزارعين والسائقين    بأسلوب انتحال الصفة.. التحقيق مع المتهمين بالنصب على المواطنين بالقاهرة    الرواتب تصل إلى 14 ألف.. وزير العمل يشهد التقديم على فرص عمل الضبعة النووية    أمم أفريقيا 2025| مدرب الجزائر يعلن عودة جوان حجام لناديه بعد الإصابة    مايكل أوهيرلي: لا توجد أي مبادئ أو أسس قانونية لما قامت به إدارة ترامب في فنزويلا    بين الخشب والحبر.. شاهد قبطي نادر على رسالة التعليم وحفظ المعرفة    ننشر مواقيت الصلاه اليوم الإثنين 5يناير 2026 فى المنيا    260% زيادة في أسعار الكتاكيت بالسوق المحلية خلال أسبوع واحد فقط بسبب استعدادات رمضان    تجارة القاهرة تنظم مؤتمر تنافسية الدولة الفرص والتحديات لدعم الاقتصاد الوطنى    الرئيس السيسي يوجه بتوسيع الجيل الخامس وتوطين صناعة الاتصالات ودعم الحوسبة السحابية    جبل حراء.. شاهدُ البدايات ومَعلمٌ خالد في ذاكرة مكة المكرمة    كيف يقضي المسافر الصلاة الفائتة بعد عودته؟.. الأزهر يجيب    سول: أزمة فنزويلا سيكون لها تأثير محدود على اقتصاد كوريا الجنوبية    الأزهر للفتوى: الغبن والتدليس في البيع والشراء مكسب زائف وبركة تُنزَع    سفرة عيد الميلاد المثالية.. وصفات سهلة ولذيذة لتجهيز أطباق العيد في المنزل    إصابة 7 أشخاص إثر انقلاب ميكروباص في قنا    لميس الحديدي: فيلم الملحد لا يدعو للإلحاد أو يروج له.. وإبراهيم عيسى يطرح دائما أسئلة صعبة    كيفية أتوب من ذنب كبير؟ أمين الفتوى يجيب    انقاذ شاب تعرض لبتر كامل بإصبع الابهام نتيجه ساطور بمستشفى سوهاج الجامعي    جيمي كيميل يسخر من ترامب في حفل جوائز اختيار النقاد (فيديو)    نصف كيلو سنويا.. زيادة صامتة تهدد وزن وصحة البالغين    فيلم «جوازة ولا جنازة».. شريف سلامة يكشف سر انجذابه لشخصية «حسن الدباح»    عمرو مصطفى: بدأت الغناء بعد خلافاتي مع المطربين.. كنت كل ما أتخانق مع مطرب أروح مغني    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قصة حب تقهر المؤامرة "مادموزيل» للكوري الجنوبي باكتشاوك
نشر في صوت البلد يوم 08 - 12 - 2016

الالتباس في حكاية الفيلم وسرده عبر المونتاج، يَظهر،بدايةً، في العنوان، فهو بلغته الأصلية «أغاسي»، أي شابّة، ولدينا بطلتان في الفيلم، شابتان، يمكن أن تكون أي منهما الشخصية الرئيسية في الحكاية، وهذا هو الالتباس، إذ ظهر على كل من النسختين الإنكليزية والفرنسية للفيلم، ففي الأولى كان «الخادمة» موحياً بأن الفيلم يسرد أساساً حكاية واحدة من الشابتين، وفي الثانية، النسخة الفرنسية، كان «مادموزيل»، أي سيدتها، موحياً بأنّ الفيلم يسرد حكاية الشابة الأخرى.
تبدأ بشابة اسمها سوك-هي، نشّالة محترفة، تتواطأ مع محتال سيدّعي بأنّه كونت، سليل عائلة نبيلة يابانية ومعلّم رسم، يتواطآن للإيقاع بوريثة يابانية اسمها هيدكو، تسكن قصراً يحدّ أماكن تواجدها، فلا تخرج خلف حدود حديقته. ثرية جداً، مدللة جداً، قارئة نهمة، تبدو ساذجة جداً، تحتاج خادمة شخصية، عرف المحتال بذلك وبدأ بتنفيذ خطّته.
أمّا الخطة فهي أن تتقدّم الخادمة لتعمل عندها، ثم يتقدّم هو، ويحاول إيقاعها في حبّه بتمهيد من الخادمة، ليستولي على ثروتها الهائلة، هذا ما يُخطّطان له إنّما، وهذا حال السينما، لا تتطوّر الأحداث بما خُطّط لها. فيتناوب «التّواطؤ» بين الشخصيات الثلاث، لينتهي في النصف الثاني من الفيلم تواطؤاً بين الفتاتين للتخلص من المحتال، ومن العمّ.
ولا يكون كل ذلك بمعزل عن شخصيّة رابعة في الفيلم المقل جداً بشخصياته، فهنالك عمّ الوريثة بطبعه المريض، المهووس بالجنس، فلديه تشكيلة واسعة من المقتنيات الإيروتيكية، كتباً وتماثيل ورسومات. وهو المضطرب والتسلّطي الذي يعامل وريثته الوحيدة والرّقيقة بمنطق عبودي. فقد تعوّد، مثلاً، على أن يجعلها تقرأ مقاطع من كتاب ماركيز دو ساد أمام ضيوفه من الرّجال، وهي مقاطع إيروتيكيّة ساديّة (من اسم الكاتب الفرنسي أتت التسمية) فيها من التعذيب بقدر ما فيها من الجنس، تقرأها بأداء مسرحي إيمائي، مرتدية ملابس الغيشا اليابانية. ولهذا العم دوره لا في تطوّر الأحداث بقدر ما هو في تصوير الحالة التي تعيشها الوريثة، ما يجعلها تتمرّد عليها وتشارك في صنع الأحداث، إنّما برويّة.
الحكاية مليئة بالتلاعبات والاحتيالات والكذب بين الشخصيات الثلاث. وتدور في كوريا الجنوبية إبّان الاستعمار الياباني، لكنّها مأخوذة عن رواية للبريطانية سارة ووترز وتدورأحداثها في الفترة الفيكتوريّة في بريطانيا، أي ما يقارب 100 عام قبل زمن الأحداث في الفيلم، فنقل الحكاية زمانياً ومكانياً بهذا الشكل كان نقطة إضافية تُحسب للفيلم.
لكن ليست الحكاية ما يميّز الفيلم، وهو برأينا من أفضل الأفلام الآسيوية التي خرجت هذا العام. إنّما الجماليات البصرية من ناحية، وأسلوب السّرد من ناحية أخرى، وهذه الأخيرة هي اللافتة أكثر من غيرها في الفيلم.
أما بخصوص الجماليات، فهي متعلّقة بالقصر وديكوره وحديقته، بأسلوب التصوير، والإطارات، وبزوايا التصوير، وهذه الأخيرة مرتبطة بأسلوب السرد، بالإضاءات المتفاوتة داخل الغرف وخارجها، بالرّهافة التي تُصوَّر بها الفتاتان، المادموزيل وخادمتها، إضافة إلى مَشاهد ممارسة الحب بينهما، مذكّرة بفيلم «حياة أديل» للفرنسي كيشيش، بمعنى تصوير كامل للممارسة المثليّة، وبزمن غير قصير، دون أن تفقد المَشاهد حسيتها العالية.
أمّا بخصوص السرد، وهو هنا عملُ المونتاج في الفيلم، أي التقطيع بين المَشاهد الذي جاء تقطيعاً لسرد راويتين للحكاية: رواية على لسان الخادمة وأخرى على لسان السيدة. فالفيلم مكون من ثلاثة فصول: الراوية في الأول هي الخادمة وفي الثاني هي السيدة، أما الثالث فيكمل الحكاية التي حكتها الفتاتان. وأسلوب السرد المتعدّد للرواية ذاتها يذكّر بفيلم أساسي للياباني أكيرا كوروساواي هو «راشومون» (1950)، أحد أفضل الأفلام لأحد أفضل المخرجين في تاريخ السينما.
في الفصل الأول، هنالك شخصية رئيسية واحدة هي الخادمة، أما السيدة فتكون ثانوية، تحكي الخادمة ما تراه وما تعرفه، بصوتها، بحدود تمنع المُشاهد من إدراك كل ما يحصل، بوجهة نظر شخصية أتت حتى من خلال زوايا التصوير. في الفصل الثاني، هنالك شخصية رئيسية واحدة هي السيدة، المادموزيل، أما الخادمة فتكون شخصية ثانوية، وهنا تكتمل معرفتنا، وكذلك إدراكنا، بما كان يحصل، ناقصاً، في رواية الخادمة. فالسيّدة تروي الأحداث ذاتها، بصوتها، منذ وصول الخادمة إلى البيت حتى تشابك التواطؤات وكذب الشخصيات الثلاث على بعضها.
وكذلك أتى ذلك بصرياً، من خلال زاوية التصوير، أي ليس سردياً وحسب، كلٌّ من حيث ما يعرفه. فالعديد من مَشاهد الفصل الأوّل تكرّرت في الفصل الثاني إنّما براوية أخرى وأساساً بزوايا تصوير أخرى، فوجهة النظر في كل من الروايتين كانت مجسّدة بالكلمات وبالصور. وهذا ما جعل الخط الحكائي في الفيلم دائرياً، إذ تعود الأحداث ذاتها، إنّما من زوايا مختلفة. وهذا، سينمائياً، عمل المونتاج. وهو، هنا، مثال ممتاز على أهمّية المونتاج في صناعة الفيلم، في أن يخرج الفيلم بصورته النهائية، فالحكايات يمكن أن تتشابه إنّما الأسلوب في السرد والتقطيع هو الذي يميّز عملاً عن آخر، والأسلوب هنا كان قبل أي شيء تقطيع الحكاية إلى نسختين تكملان بعضهما بعضا، واحدة ترويها الخادمة والأخرى ترويها السيّدة.
في الفيلم أكثر من ذلك للحديث عنه، فهو إيروتيكي حسّي بامتياز، ولا يقتصر ذلك على مشاهد ممارسة الحب بين الفتاتين، بل في بعض ما تحكيانه، لنفسيهما أو لبعضهما، وتحديداً في مشهد تمسّد فيه الخادمة ضرس سيّدتها باصبعها بمادة لتسكّن وجعه، مشهد هادئ وممتد ومركّز على وجهي الفتاتين وعينيهما المشعّتان رغبةً.
والفيلم كما هو حسّي وعارٍ بالمعنى الجمالي للكلمة، هو كذلك في بعض مشاهده وحشي ودموي بالمعنى الواقعي (رِياليست) للكلمة، وذلك حين يعرف العمّ بخطة الرّجل المحتال للاستيلاء على ثروته، فيخطفه ويعذّبه بقطع أصابعه واحداً تلو الآخر. في الوقت الذي تسود الجماليات البصرية المكان الذي يجمع الفتاتين، يسود الدّخان والعتمة المكان الذي يجمع الرجلين، وهو قبوٌ أسفل القصر لطالما خوّف به العمّ وريثته حين كانت طفلة.
الفيلم، لكل هذه الأسباب، ولسبب أخير هو هرب الفتاتين من الرجلين والقصر، وهي المرّة الأولى التي تخرج فيها السيدة من حدود الحديقة، لكل هذه الأسباب ولغيرها يمكن اعتبار الفيلم نسويّاً بالمعنى الفنّي الجمالي، حيث ترافقَ حضور الرجلين فيه بالاحتيال والظلم، وحضور الفتاتين فيه بالسذاجة والعاطفة. العنف اللفظي والجسدي رافق الرجلين في وقت رافق الفتاتين الحب والصداقة والتواطؤ للتخلص من كل ما هو بشع وشرير.
الفيلم الذي تُصوَّر فيه المشاعر والممارسات في أقصى حالاتها، المشارك في مهرجان «كان» الأخير والمعروض حالياً في الصالات الفرنسية، هو من إخراج الكوري الجنوبي باكتشاوك، صاحب أفلام أخرى لافتة ك«عطش» في 2009 الذي نال «جائزة لجنة التحكيم» في المهرجان ذاته آنذاك، و«أولدبوي» في 2003 الذي نال «الجائزة الكبرى» في «كان» كذلك، آنذاك، وغيرها من الأفلام التي جعلت من المخرج واحداً من الأسماء السينمائية البارزة في آسيا. وهذا الفيلم، «مادموزيل»، إضافة نوعية لسيرته السينمائية.
الالتباس في حكاية الفيلم وسرده عبر المونتاج، يَظهر،بدايةً، في العنوان، فهو بلغته الأصلية «أغاسي»، أي شابّة، ولدينا بطلتان في الفيلم، شابتان، يمكن أن تكون أي منهما الشخصية الرئيسية في الحكاية، وهذا هو الالتباس، إذ ظهر على كل من النسختين الإنكليزية والفرنسية للفيلم، ففي الأولى كان «الخادمة» موحياً بأن الفيلم يسرد أساساً حكاية واحدة من الشابتين، وفي الثانية، النسخة الفرنسية، كان «مادموزيل»، أي سيدتها، موحياً بأنّ الفيلم يسرد حكاية الشابة الأخرى.
تبدأ بشابة اسمها سوك-هي، نشّالة محترفة، تتواطأ مع محتال سيدّعي بأنّه كونت، سليل عائلة نبيلة يابانية ومعلّم رسم، يتواطآن للإيقاع بوريثة يابانية اسمها هيدكو، تسكن قصراً يحدّ أماكن تواجدها، فلا تخرج خلف حدود حديقته. ثرية جداً، مدللة جداً، قارئة نهمة، تبدو ساذجة جداً، تحتاج خادمة شخصية، عرف المحتال بذلك وبدأ بتنفيذ خطّته.
أمّا الخطة فهي أن تتقدّم الخادمة لتعمل عندها، ثم يتقدّم هو، ويحاول إيقاعها في حبّه بتمهيد من الخادمة، ليستولي على ثروتها الهائلة، هذا ما يُخطّطان له إنّما، وهذا حال السينما، لا تتطوّر الأحداث بما خُطّط لها. فيتناوب «التّواطؤ» بين الشخصيات الثلاث، لينتهي في النصف الثاني من الفيلم تواطؤاً بين الفتاتين للتخلص من المحتال، ومن العمّ.
ولا يكون كل ذلك بمعزل عن شخصيّة رابعة في الفيلم المقل جداً بشخصياته، فهنالك عمّ الوريثة بطبعه المريض، المهووس بالجنس، فلديه تشكيلة واسعة من المقتنيات الإيروتيكية، كتباً وتماثيل ورسومات. وهو المضطرب والتسلّطي الذي يعامل وريثته الوحيدة والرّقيقة بمنطق عبودي. فقد تعوّد، مثلاً، على أن يجعلها تقرأ مقاطع من كتاب ماركيز دو ساد أمام ضيوفه من الرّجال، وهي مقاطع إيروتيكيّة ساديّة (من اسم الكاتب الفرنسي أتت التسمية) فيها من التعذيب بقدر ما فيها من الجنس، تقرأها بأداء مسرحي إيمائي، مرتدية ملابس الغيشا اليابانية. ولهذا العم دوره لا في تطوّر الأحداث بقدر ما هو في تصوير الحالة التي تعيشها الوريثة، ما يجعلها تتمرّد عليها وتشارك في صنع الأحداث، إنّما برويّة.
الحكاية مليئة بالتلاعبات والاحتيالات والكذب بين الشخصيات الثلاث. وتدور في كوريا الجنوبية إبّان الاستعمار الياباني، لكنّها مأخوذة عن رواية للبريطانية سارة ووترز وتدورأحداثها في الفترة الفيكتوريّة في بريطانيا، أي ما يقارب 100 عام قبل زمن الأحداث في الفيلم، فنقل الحكاية زمانياً ومكانياً بهذا الشكل كان نقطة إضافية تُحسب للفيلم.
لكن ليست الحكاية ما يميّز الفيلم، وهو برأينا من أفضل الأفلام الآسيوية التي خرجت هذا العام. إنّما الجماليات البصرية من ناحية، وأسلوب السّرد من ناحية أخرى، وهذه الأخيرة هي اللافتة أكثر من غيرها في الفيلم.
أما بخصوص الجماليات، فهي متعلّقة بالقصر وديكوره وحديقته، بأسلوب التصوير، والإطارات، وبزوايا التصوير، وهذه الأخيرة مرتبطة بأسلوب السرد، بالإضاءات المتفاوتة داخل الغرف وخارجها، بالرّهافة التي تُصوَّر بها الفتاتان، المادموزيل وخادمتها، إضافة إلى مَشاهد ممارسة الحب بينهما، مذكّرة بفيلم «حياة أديل» للفرنسي كيشيش، بمعنى تصوير كامل للممارسة المثليّة، وبزمن غير قصير، دون أن تفقد المَشاهد حسيتها العالية.
أمّا بخصوص السرد، وهو هنا عملُ المونتاج في الفيلم، أي التقطيع بين المَشاهد الذي جاء تقطيعاً لسرد راويتين للحكاية: رواية على لسان الخادمة وأخرى على لسان السيدة. فالفيلم مكون من ثلاثة فصول: الراوية في الأول هي الخادمة وفي الثاني هي السيدة، أما الثالث فيكمل الحكاية التي حكتها الفتاتان. وأسلوب السرد المتعدّد للرواية ذاتها يذكّر بفيلم أساسي للياباني أكيرا كوروساواي هو «راشومون» (1950)، أحد أفضل الأفلام لأحد أفضل المخرجين في تاريخ السينما.
في الفصل الأول، هنالك شخصية رئيسية واحدة هي الخادمة، أما السيدة فتكون ثانوية، تحكي الخادمة ما تراه وما تعرفه، بصوتها، بحدود تمنع المُشاهد من إدراك كل ما يحصل، بوجهة نظر شخصية أتت حتى من خلال زوايا التصوير. في الفصل الثاني، هنالك شخصية رئيسية واحدة هي السيدة، المادموزيل، أما الخادمة فتكون شخصية ثانوية، وهنا تكتمل معرفتنا، وكذلك إدراكنا، بما كان يحصل، ناقصاً، في رواية الخادمة. فالسيّدة تروي الأحداث ذاتها، بصوتها، منذ وصول الخادمة إلى البيت حتى تشابك التواطؤات وكذب الشخصيات الثلاث على بعضها.
وكذلك أتى ذلك بصرياً، من خلال زاوية التصوير، أي ليس سردياً وحسب، كلٌّ من حيث ما يعرفه. فالعديد من مَشاهد الفصل الأوّل تكرّرت في الفصل الثاني إنّما براوية أخرى وأساساً بزوايا تصوير أخرى، فوجهة النظر في كل من الروايتين كانت مجسّدة بالكلمات وبالصور. وهذا ما جعل الخط الحكائي في الفيلم دائرياً، إذ تعود الأحداث ذاتها، إنّما من زوايا مختلفة. وهذا، سينمائياً، عمل المونتاج. وهو، هنا، مثال ممتاز على أهمّية المونتاج في صناعة الفيلم، في أن يخرج الفيلم بصورته النهائية، فالحكايات يمكن أن تتشابه إنّما الأسلوب في السرد والتقطيع هو الذي يميّز عملاً عن آخر، والأسلوب هنا كان قبل أي شيء تقطيع الحكاية إلى نسختين تكملان بعضهما بعضا، واحدة ترويها الخادمة والأخرى ترويها السيّدة.
في الفيلم أكثر من ذلك للحديث عنه، فهو إيروتيكي حسّي بامتياز، ولا يقتصر ذلك على مشاهد ممارسة الحب بين الفتاتين، بل في بعض ما تحكيانه، لنفسيهما أو لبعضهما، وتحديداً في مشهد تمسّد فيه الخادمة ضرس سيّدتها باصبعها بمادة لتسكّن وجعه، مشهد هادئ وممتد ومركّز على وجهي الفتاتين وعينيهما المشعّتان رغبةً.
والفيلم كما هو حسّي وعارٍ بالمعنى الجمالي للكلمة، هو كذلك في بعض مشاهده وحشي ودموي بالمعنى الواقعي (رِياليست) للكلمة، وذلك حين يعرف العمّ بخطة الرّجل المحتال للاستيلاء على ثروته، فيخطفه ويعذّبه بقطع أصابعه واحداً تلو الآخر. في الوقت الذي تسود الجماليات البصرية المكان الذي يجمع الفتاتين، يسود الدّخان والعتمة المكان الذي يجمع الرجلين، وهو قبوٌ أسفل القصر لطالما خوّف به العمّ وريثته حين كانت طفلة.
الفيلم، لكل هذه الأسباب، ولسبب أخير هو هرب الفتاتين من الرجلين والقصر، وهي المرّة الأولى التي تخرج فيها السيدة من حدود الحديقة، لكل هذه الأسباب ولغيرها يمكن اعتبار الفيلم نسويّاً بالمعنى الفنّي الجمالي، حيث ترافقَ حضور الرجلين فيه بالاحتيال والظلم، وحضور الفتاتين فيه بالسذاجة والعاطفة. العنف اللفظي والجسدي رافق الرجلين في وقت رافق الفتاتين الحب والصداقة والتواطؤ للتخلص من كل ما هو بشع وشرير.
الفيلم الذي تُصوَّر فيه المشاعر والممارسات في أقصى حالاتها، المشارك في مهرجان «كان» الأخير والمعروض حالياً في الصالات الفرنسية، هو من إخراج الكوري الجنوبي باكتشاوك، صاحب أفلام أخرى لافتة ك«عطش» في 2009 الذي نال «جائزة لجنة التحكيم» في المهرجان ذاته آنذاك، و«أولدبوي» في 2003 الذي نال «الجائزة الكبرى» في «كان» كذلك، آنذاك، وغيرها من الأفلام التي جعلت من المخرج واحداً من الأسماء السينمائية البارزة في آسيا. وهذا الفيلم، «مادموزيل»، إضافة نوعية لسيرته السينمائية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.