آيتن المرجوشى تقف مصر اليوم أمام لحظة ذهبية قد لا تتكرر لعقود، فى وقت يشهد فيه العالم تحولًا اقتصاديًا حادًا. فقد تراجعت العولمة الكلاسيكية لصالح الحمائية وإعادة تمركز سلاسل الإمداد، مما أعاد تشكيل خريطة التجارة الدولية وفتح الباب أمام الدول الساعية لبناء قواعد صناعية أكثر استقلالًا وصلابة. فى هذا السياق، تبدو مصر فى موقع استثنائى يمهّد لانطلاقة صناعية حقيقية. فسوقها المحلى الضخم وموقعها الجغرافى يتيح لها أن تكون بوابة تصديرية رئيسية إلى العالم، وعلى الأخص القارة الإفريقية، حيث لم تتجاوز الصادرات المصرية إلى إفريقيا سوى نحو 7.8 مليار دولار فقط فى عام 2024، وهو رقم لا يزال محدودًا للغاية قياسًا بضخامة الأسواق الإفريقية واتساع فرص النفاذ إليها. وتُظهر الأرقام حجم الفجوة وعمق الفرصة. فقد بلغت صادرات تركيا فى أول 10 أشهر من 2025 نحو 225 مليار دولار، والمغرب 57 مليارًا، بينما سجلت صادرات مصر 40.2 مليار دولار فى العام المالى 2024- 2025 وهو رقم لا يزال لا يتناسب مع حجم الاقتصاد ولا الإمكانات التى تملكها مصر، والتى تستهدف 90 مليار دولار بحلول 2030. وهو رقم قابل للتحقيق. فأكثر من 20% من سكان مصر شباب، وهى نسبة تضع مصر فى موقع قوة ديموجرافية لا تتوافر لكثير من الدول، يضاف إليها ثروات طبيعية متنوعة يمكن تحويلها من مجرد خامات إلى قيمة مضافة عبر التصنيع. ومع ذلك، يبقى الجانب الإدارى عاملًا حاسمًا، ففعالية الحوافز ترتبط بوجود آليات تنفيذ حديثة وإجراءات أكثر سلاسة، إضافة إلى جهاز إدارى يعمل بروح الشراكة لدعم جهود النمو وجذب الاستثمارات. ويتقاطع هذا التوجه الصناعى مع التحول العالمى نحو الابتكار كمحرك أساسى للنمو، وهو ما تعكسه جائزة نوبل فى الاقتصاد لعام 2025 التى كرّست دور الابتكار فى إعادة تشكيل القطاعات الاقتصادية. وتطبيق هذا المفهوم فى مصر يتطلب دعم الشركات الناشئة وإصلاح بيئة الابتكار، خاصة فى ظل تراجع تمويلها بنسبة 37% خلال 2025 مقابل طفرات قوية فى الخليج. التحول الحقيقى يبدأ من التعليم، عبر إدخال تخصصات حديثة فى الذكاء الاصطناعى والتكنولوجيا الحيوية والطاقة المتجددة، واستقدام خبراء عالميين، وربط الجامعات بسوق العمل والبحث العلمى التطبيقى. إن الجمع بين نهضة صناعية ونظام ابتكارى متطور هو الطريق نحو اقتصاد قوى ومنافس. إنها لحظة تاريخية.. إما أن نغتنمها الآن أو نفقدها لسنوات طويلة قادمة.