زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسى للكاتدرائية المرقسية فى ليلة عيد الميلاد المجيد تقليد سنوى راسخ بدأه منذ توليه رئاسة الجمهورية، وأصبحت هذه الزيارة رسالة سياسية واجتماعية عميقة المعنى، تؤكد أن جميع المصريين متساوون فى الحقوق والواجبات، وأن الدولة المصرية تقف على مسافة واحدة من كل أبنائها دون تفرقة على أساس الدين أو الانتماء. السيسى هو أول رئيس مصرى يحرص على تقديم التهنئة بنفسه داخل الكاتدرائية أثناء قداس عيد الميلاد، بعدما كانت التهنئة فى السابق تقتصر غالبًا على إرسال مندوبين أو برقيات بروتوكولية، وكسرت زيارته نمطًا طويلًا من الممارسات التقليدية، وأسست لنهج جديد يقوم على المشاركة الوجدانية المباشرة، وإشاعة روح الطمأنينة بين المسلمين والمسيحيين. وغالبًا ما تتضمن كلمات الرئيس داخل الكنيسة رسائل وحدة وتماسك، من أبرزها قوله: «نحن واحد، ولن يستطيع أحد أن يفرق بيننا طول ما إيدنا فى إيد بعض، مفيش حد يقدر يعمل معانا حاجة».. رسائل تؤكد أنّ مصر وطن للجميع تحت مظلة المواطنة، وأن المسيحيين جزء أصيل من نسيج المجتمع، وأن قوة الدولة تنبع من قدرتها على التعايش والتسامح والاحتواء. وقراءة خطابات الرئيس تكشف عن اهتمام واضح بتعزيز العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، ومواجهة خطاب الكراهية والتطرف الذى يسعى إلى ضرب وحدة المجتمع، والرسالة الأبرز هى أن المصريين شركاء فى الوطن والتاريخ والمصير، وأن حماية الدولة واجب جماعى لا يميّز بين مسلم ومسيحي. وأصبحت الزيارة مناسبة سنوية تفيض بالبهجة، حين يتجول بين الصفوف مصافحًا الحضور الذين يهتفون «تحيا مصر»، فى صورة تعكس مفهومًا راقيًا لرئيسٍ يقف على مسافة واحدة من الجميع، ونجحت الدولة فى محو كثير من آثار المرحلة العصيبة التى شهدت اعتداءات على الكنائس وأرواح الأبرياء خلال حكم الإرهاب، حين التف المصريون حول وطنهم، واختاروا «الاستقواء بمصر» لا بغيرها. وتؤكد التجارب أن الخارج يوظف مثل هذه القضايا لأهداف سياسية، بينما تظل الحقيقة أن المصريين دفعوا الثمن معًا فى مواجهة الإرهاب، كما قاتلوا جنبًا إلى جنب فى معارك الوطن، من حرب أكتوبر وحتى معركة تحرير سيناء من الإرهاب وحفظ الأمن الداخلي. ولا يمكن تجاهل الدلالة الرمزية لافتتاح كاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الجديدة إلى جانب مسجد الفتاح العليم؛ فهى رسالة مجسّدة للتعايش، تؤكد أن مصر تتسع للجميع. تهنئة الإخوة المسيحيين واجب وطني، كما يهنئون المسلمين فى رمضان والأعياد، ومع كل عيد ميلاد مجيد يتجدد الدعاء بأن يبقى الوطن حضنًا دافئًا لأبنائه كافة، وأن تتلاشى أصوات الكراهية، وتعلو قيم المحبة والوئام، لتظل مصر آمنة قوية، يتشارك أبناؤها الفرح والحزن على السواء، وتبقى المواطنة هى العنوان الأسمى للعلاقة بين المسلمين والأقباط.