المحبة تهزم فتنة الإخوان | «الإرهابية» أحرقت الكنائس وحرّمت تهنئة شركاء الوطن.. والشعب انتفض لحماية وحدته    قطاع الدراسات العليا والبحوث بجامعة أسيوط يُعلن تخصيص منحتين سنويًا لدراسة الدكتوراه    اللحظة الذهبية    محامي مادورو: الرئيس الفنزويلي وزوجته اختُطفا بوسائل عسكرية غير قانونية    وزير البترول الأسبق: لا أتوقع تغييرا كبيرا في أسعار النفط.. وفنزويلا بروفة لما يمكن أن يحدث في المنطقة    أمم أفريقيا 2025| ياسر إبراهيم أفضل لاعب في مباراة مصر وبنين    الأهلي يزف خبرا سارا عن حمزة عبد الكريم وسط مفاوضات انتقاله إلى برشلونة    وزير السياحة والآثار يترأس اجتماع مجلس إدارة متحف الحضارة    نيجيريا ضد موزمبيق.. التشكيل الرسمي لمواجهة ثمن نهائي أمم أفريقيا    انطلاق مباراة البنك الأهلي ووادى دجلة بكأس عاصمة مصر    الأهلي يعلن عن تعافي بن شرقي من إصابته    رومانو: برشلونة يتقدم بعرض إلى الهلال من أجل كانسيلو    حملات مكثفة لصحة الإسكندرية.. إغلاق 14 منشأة طبية غير مرخصة    جنون الجيرة.. ضبط عاطل أطلق النار على منزل مواطن في شبرا الخيمة    محافظ القليوبية يتابع ميدانياً منظومة النظافة وإزالة الاشغالات    إنجي كيوان مفاجأة دراما رمضان في مسلسل وننسي اللي كان    مكتبة الإسكندرية تعلن جائزتها |بريطانى من أصل مصرى وفلبينى يفوزان بمليون جنيه مناصفة    موجة سعادة في بورسعيد بعد نجاح أطباء مستشفى السلام في إنقاذ مريضة من توقف مفاجئ بعضلة القلب (صور)    الرئيس والكنيسة وزيارة كل عام    أمن المنوفية يضبط رجلا انهى حياة أرملة والده بدمليج    مشروبات طبيعية لتحسين التركيز أثناء المذاكرة في الأسبوع الأخير قبل الامتحانات    تكريم عامل بالسكة الحديد بعد عثوره على 20 ألف جنيه وردها لصاحبها    التنظيم والإدارة يتيح الاستعلام عن موعد الامتحان الإلكتروني للمتقدمين لشغل 425 وظيفة بوزارة الخارجية    البنك المركزي يقرر تعطيل العمل بالبنوك الأربعاء المقبل بمناسبة عيد الميلاد المجيد    البلاستيك ب30 جنيها، أسعار الخردة في مصر بختام تعاملات اليوم الإثنين    شراكة إعلامية استراتيجية بين مؤسسة الأهرام والتليفزيون المصري    رئيس جامعة كفر الشيخ: العدالة والهدوء المعيار الأساسي لامتحانات الفصل الدراسي الأول    المستشارة أمل عمار تشهد افتتاح مركز ميدوم لتنمية المهارات التراثية بمحافظة بني سويف    مفاوضات سورية إسرائيلية جديدة للعودة إلى خطوط ما قبل 8 ديسمبر    45 ألف دولار راتبًا شهريًا..كواليس مفاوضات الزمالك مع ميكالي    قافلة «زاد العزة» ال109 تحمل أكثر من 148 ألف سلة غذائية من مصر إلى غزة    استئناف الإسكندرية تخفف حكم الإعدام لعاطل متهم بقتل زوجته بالسجن المشدد 15 سنة    قراء اليوم السابع: محمد الشناوى الأحق بحراسة مرمى منتخب مصر أمام بنين    تعليم الفيوم ينظم تدريبا لمعلمي اللغة العربية الجدد    عاجل- موجة برد قوية تضرب البلاد غدًا.. شبورة كثيفة وتحذيرات للمزارعين والسائقين    بأسلوب انتحال الصفة.. التحقيق مع المتهمين بالنصب على المواطنين بالقاهرة    الرواتب تصل إلى 14 ألف.. وزير العمل يشهد التقديم على فرص عمل الضبعة النووية    أمم إفريقيا - مؤتمر باكامبو: معنوياتنا مرتفعة قبل مواجهة الجزائر.. وهذه فرصة لإظهار جودتنا    مايكل أوهيرلي: لا توجد أي مبادئ أو أسس قانونية لما قامت به إدارة ترامب في فنزويلا    بين الخشب والحبر.. شاهد قبطي نادر على رسالة التعليم وحفظ المعرفة    ننشر مواقيت الصلاه اليوم الإثنين 5يناير 2026 فى المنيا    تجارة القاهرة تنظم مؤتمر تنافسية الدولة الفرص والتحديات لدعم الاقتصاد الوطنى    260% زيادة في أسعار الكتاكيت بالسوق المحلية خلال أسبوع واحد فقط بسبب استعدادات رمضان    الرئيس السيسي يوجه بتوسيع الجيل الخامس وتوطين صناعة الاتصالات ودعم الحوسبة السحابية    جبل حراء.. شاهدُ البدايات ومَعلمٌ خالد في ذاكرة مكة المكرمة    كيف يقضي المسافر الصلاة الفائتة بعد عودته؟.. الأزهر يجيب    سول: أزمة فنزويلا سيكون لها تأثير محدود على اقتصاد كوريا الجنوبية    الأزهر للفتوى: الغبن والتدليس في البيع والشراء مكسب زائف وبركة تُنزَع    سفرة عيد الميلاد المثالية.. وصفات سهلة ولذيذة لتجهيز أطباق العيد في المنزل    كيفية أتوب من ذنب كبير؟ أمين الفتوى يجيب    إصابة 7 أشخاص إثر انقلاب ميكروباص في قنا    لميس الحديدي: فيلم الملحد لا يدعو للإلحاد أو يروج له.. وإبراهيم عيسى يطرح دائما أسئلة صعبة    المكسيك و5 دول آخرى.. لماذا ترفض دول كبرى سيطرة ترامب على نفط فنزويلا؟    انقاذ شاب تعرض لبتر كامل بإصبع الابهام نتيجه ساطور بمستشفى سوهاج الجامعي    جيمي كيميل يسخر من ترامب في حفل جوائز اختيار النقاد (فيديو)    نصف كيلو سنويا.. زيادة صامتة تهدد وزن وصحة البالغين    فيلم «جوازة ولا جنازة».. شريف سلامة يكشف سر انجذابه لشخصية «حسن الدباح»    عمرو مصطفى: بدأت الغناء بعد خلافاتي مع المطربين.. كنت كل ما أتخانق مع مطرب أروح مغني    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اكتشاف مخطوط لرحلة البشير البرتلي إلى الحرمين الشريفين
نشر في صوت البلد يوم 02 - 03 - 2016

اهتم المغاربة بتدوين رحلاتهم الحجازية بدءاً من القرن الرابع الهجري لتبلغ أوجها في القرن التاسع لتتراجع حركة التدوين فيما تلى هذه الفترة، نظراً إلى اشتداد وطأة الاضطرابات التي عرفها العالم الإسلامي من الحروب الصليبية والهجمات الإيبيرية على سواحل بلاد المغرب، لكن الرحلة الحجازية المغاربية المدونة عادت إلى المشهد بعد مرور هذه الفترة، خصوصاً خلال القرن الحادي عشر الهجري حيث حفظ لنا التراث نماذج رائدة في أدب الرحلة حيث كتب العياشي (1037 - 1090ه/ 1627 - 1679م) المغربي رحلته ماء الموائد التي تعد من أهم ما ألف في أدب الرحلة في هذه الفترة فكانت كما أرادها المؤلف «ديوان علم لا كتاب سمر وفكاهة» كما وجدنا الكثير من الرحلات الشنقيطية التي عرفت طريقها للتحقيق والنشر منها رحلة الشيخ ماء العينين بن محمد فاضل المتوفى سنة 1910 وقد حققها الأستاذ مربيه ربه بالمغرب سنة 2010، والرحلة المعينية الصغرى للمؤلف نفسه، والتي حققها الأستاذ محمد الظريف من المغرب كما حقق الدكتور محمد حجي الرحلة الحجازية لمحمد يحيى بن محمد المختار الولاتي المتوفى 13330ه/ 1912م، بمعهد الدراسات الأفريقية بالرباط ونشرتها دار الغرب الإسلامي سنة 1990.
غير أن أقدم رحلة حجازية خرجت من بلد شنقيط هي رحلة الحاج البشير البرتلي الولاتي، سنة 1204ه/ 1789م، وكان هذا المصنف إلى عهد قريب في حكم المفقود، ولم يعرف عنه إلا ما أشار إليه الذين ترجموا لمؤلف الحاج البشير البرتلي الولاتي من أن له رحلة حجازية وعلى رأسهم ابن عمه صاحب فتح الشكور، وكانت أخبار النسخة التي تقاطرت إلى آذان المهتمين تشدّد على احتمال وجود النسخة في إحدى مكتبات مدينة الزقازيق أو طنطا بجمهورية مصر العربية، لكن لم يتوصل أحد منهم إلى الحصول عليها وتحقيقها.
وقد قاد البحث المضني الذي قمت به إلى العثور عليها وإعادة اكتشافها وتحقيقها، إذ كانت ضمن مقتنيات مكتبة الزقازيق العامة بعد أن أصابها الإهمال والتمزق، فقدت حملة إعلامية لإنقاذ مخطوطات دار الكتب العامة بالزقازيق، ونجحت في نقلها إلى دار الكتب والوثائق بالقاهرة لترميمها وفهرستها وصيانتها. وقد انتهيت من تحقيق رحلة البرتلي بالاشتراك مع الدكتور عبدالرحمن بن محمد بعثمان.
والرحلة الحجازية للحاج البشير البرتلي تكتسب أهمية بالغة بين أقرانها من رحلات المغاربة عموماً والشناقطة خصوصاً، فهي تعد من أقدم الرحلات الشنقيطية المدونة، إذ تعود إلى أوائل القرن الثالث عشر الهجري، وتختلف عن بلدياتها في الطريق التي اتخذته الرحلة من المنطلق بلد ولاتة في موريتانيا إلى بلاد الحرمين مروراً بمدينة تمبكتو وإقليم أزواد في الشمال المالي الحالي إلى منطقة توات في الجنوب الغربي الجزائري وصولاً إلى فزان بليبيا ثم إلى مصر فالحجاز وهو الطريق التاريخي الذي كان يمر به ركب الحاج الولاتي ليلتقي في تمبكتو بركب الحاج التكروري، ثم يصطحب الركبان وصولاً إلى بلدة أقبلي (جنوب غربي الجزائر) ليلتقيا مع الركب التواتي فتكون مشيخة الركب في شيخ الركب التواتي.
وفي الحقيقة، أننا كنا نفتقد أو نكاد إلى نص رحلة حجازية اتخذت هذا الطريق رغم ما تحدثنا به المصادر المختلفة عن أهمية هذا الطريق الحجي الذي كان ينطلق من ولاتة نحو مدينة تمبكتو لينكسر شمالاً نحو منطقة توات عبر إقليم أزواد حيث يصف مدنها وقراها العامرة كتمبكتو والمبروك وبوجبيهية معدداً مزاراتها وأضرحتها ورجالاتها الصالحين كما تتفرد الرحلة بوصف صحراء تنزروفت الموحشة، إذ تقدم لنا مادة جغرافية جزيلة حول هذه المنطقة المجهولة والتي لم يتطرق إليها الجغرافيون الأول إلا في شكل سطحي وعام، حيث تقدم وصفاً دقيقاً جداً لهذه المنطقة فيعدد منازلها واصفاً جغرافيتها وتضاريسها معدداً آبار المياه فيها عذبها ومالحها.
وعلى رغم أن الرحالة البشير البرتلي قد حرمنا من دون وجه قصد من معلومات قد تكون مهمة عن المسافة الفاصلة بين ولاتة من حيث انطلق إلى إقليم أزواد بحجة أن الطريق معروف لدى العام والخاص في زمنه، إلا أنه تحرى دقة كبيرة في وصف ما تلى هذه المرحلة من أزواد إلى توات ومن توات إلى صحراء ليبيا مروراً بقرية أقبلي ومدينة عين صالح وصولاً إلى بلاد فزان. وقدم معلومات جزيلة عن قرى فزان وأهم أعلامها وتحدث عن خصال أهلها وكرمهم واحتفائهم بالحجيج، وقدم وصفاً مهماً لمنازل طريق الحاج المصري ووصفاً لقافلة الحاج المصري، إضافة إلى اهتمامه بالمزارات في مصر، ومكة وأسواقها، وأهم معالمها ووصفه هذا الطريق يستحق دراسة خاصة مقابلة.
ورحالتنا هو الحاج البشير بن الحاج أبي بكر بن الطالب محمد بن الطالب عمر البرتلي المتوفى سنة 1214ه/ 1800م، وصفه صاحب فتح الشكور بأنه كان رحمه الله تعالى محباً للنبي صلى الله عليه وسلم، مشتاقاً، ملازماً لقراءة قصائد مدحه، ويطرب عنده غاية الطرب ويهتز له ويحبه ويكثر منه حتى سُمي عند بعض أهل التل بالمداح، خبيراً بضروب القصائد العشرينيات وتخميسها والهمزية وغير ذلك، ابن الطالب الصغير «بالصالح المداح لرسول الله صلى الله عليه وسلم».
نشأ المؤلف في أسرة علمية معروفة في ولاتة باسم البراتيل فأبوه الحاج أبو بكر بن الفقيه الطالب محمد بن الطالب عمر البرتلي المتوفى سنة 1179ه/ 1766م، كما جاء في فتح الشكور، حج المؤلف عام 1204ه/ 1790م، وله فيها تأليف ذكر فيه منازل ركب حجه من بلاد ولاتة مروراً بتوات إلى بلد الحرمين الشريفين، ولقي في رحلته العلماء والصالحين واستجاز بعضهم فأجازوه ومنهم العلامة محمد بن محمد الزبيدي الحسيني المعروف بالشريف المرتضى الذي التقاه في مصر وأجازه، توفي رحمه الله ليلة الخميس 11 رمضان سنة 1214ه الموافق فيه 6 شباط (فبراير) 1800م.
ليس ثمة أدنى شك في أن هذا المؤلف من وضع الحاج البشير بن الحاج أبي بكر بن الطالب محمد بن الطالب عمر البرتلي الولاتي، إذ جاء في مقدمة مخطوط الرحلة ما يشير إشارة مباشرة إلى ذلك، حيث قال المؤلف في مقدمة الرحلة «فيقول فقير مولاه، الراجي عفو مولاه، الغني به عمن سواه: محمد البشير بن الحاج أبي بكر بن الطالب محمد بن الطالب عمر البرتلي نسباً الولاتي داراً ومسكناً، ومنشئاً ووطناً، المالكي مذهباً الأشعري اعتقاداً، هذه رحلة مباركة أذكر فيها إن شاء الله مراحل مسافة طريق الحج من بلاد توات إلى الحرمين»، كما أشار صاحب فتح الشكور إلى أن للمؤلف «رحلة ذكر فيها مراحل الحج من بلاد توات إلى الحرمين».
لقد اقتنعنا بفائدة هذا المخطوط وأهميته من خلال أن هذه الرحلة بقيت دهراً في حكم المفقودة، وكادت تضيع، كما أنها رحلة فريدة من نوعها وفي الطريق الذي سلكته، وفي قيمتها العلمية من خلال أهميتها في دراسة التواصل الحضاري بين غرب العالم الإسلامي وشرقه بصفة عامة وبين حواضر بلاد المغرب الجنوبية وبلاد الحرمين الشريفين بصفة خاصة، وعلى إثر ذلك جاء الإصرار على تحقيق هذه النسخة رغم عدم الحصول على نسخة ثانية، لأنه عز علينا أن مخطوطاً كهذا وعلى أهميته يظل حبيس المكتبات الخاصة، كما لم يرد ذكره عند أستاذي الرحالة عبدالهادي التازي في موسوعته المهمة (رحلة الرحلات مكة في مئة رحلة مغربية ورحلة).
اهتم المغاربة بتدوين رحلاتهم الحجازية بدءاً من القرن الرابع الهجري لتبلغ أوجها في القرن التاسع لتتراجع حركة التدوين فيما تلى هذه الفترة، نظراً إلى اشتداد وطأة الاضطرابات التي عرفها العالم الإسلامي من الحروب الصليبية والهجمات الإيبيرية على سواحل بلاد المغرب، لكن الرحلة الحجازية المغاربية المدونة عادت إلى المشهد بعد مرور هذه الفترة، خصوصاً خلال القرن الحادي عشر الهجري حيث حفظ لنا التراث نماذج رائدة في أدب الرحلة حيث كتب العياشي (1037 - 1090ه/ 1627 - 1679م) المغربي رحلته ماء الموائد التي تعد من أهم ما ألف في أدب الرحلة في هذه الفترة فكانت كما أرادها المؤلف «ديوان علم لا كتاب سمر وفكاهة» كما وجدنا الكثير من الرحلات الشنقيطية التي عرفت طريقها للتحقيق والنشر منها رحلة الشيخ ماء العينين بن محمد فاضل المتوفى سنة 1910 وقد حققها الأستاذ مربيه ربه بالمغرب سنة 2010، والرحلة المعينية الصغرى للمؤلف نفسه، والتي حققها الأستاذ محمد الظريف من المغرب كما حقق الدكتور محمد حجي الرحلة الحجازية لمحمد يحيى بن محمد المختار الولاتي المتوفى 13330ه/ 1912م، بمعهد الدراسات الأفريقية بالرباط ونشرتها دار الغرب الإسلامي سنة 1990.
غير أن أقدم رحلة حجازية خرجت من بلد شنقيط هي رحلة الحاج البشير البرتلي الولاتي، سنة 1204ه/ 1789م، وكان هذا المصنف إلى عهد قريب في حكم المفقود، ولم يعرف عنه إلا ما أشار إليه الذين ترجموا لمؤلف الحاج البشير البرتلي الولاتي من أن له رحلة حجازية وعلى رأسهم ابن عمه صاحب فتح الشكور، وكانت أخبار النسخة التي تقاطرت إلى آذان المهتمين تشدّد على احتمال وجود النسخة في إحدى مكتبات مدينة الزقازيق أو طنطا بجمهورية مصر العربية، لكن لم يتوصل أحد منهم إلى الحصول عليها وتحقيقها.
وقد قاد البحث المضني الذي قمت به إلى العثور عليها وإعادة اكتشافها وتحقيقها، إذ كانت ضمن مقتنيات مكتبة الزقازيق العامة بعد أن أصابها الإهمال والتمزق، فقدت حملة إعلامية لإنقاذ مخطوطات دار الكتب العامة بالزقازيق، ونجحت في نقلها إلى دار الكتب والوثائق بالقاهرة لترميمها وفهرستها وصيانتها. وقد انتهيت من تحقيق رحلة البرتلي بالاشتراك مع الدكتور عبدالرحمن بن محمد بعثمان.
والرحلة الحجازية للحاج البشير البرتلي تكتسب أهمية بالغة بين أقرانها من رحلات المغاربة عموماً والشناقطة خصوصاً، فهي تعد من أقدم الرحلات الشنقيطية المدونة، إذ تعود إلى أوائل القرن الثالث عشر الهجري، وتختلف عن بلدياتها في الطريق التي اتخذته الرحلة من المنطلق بلد ولاتة في موريتانيا إلى بلاد الحرمين مروراً بمدينة تمبكتو وإقليم أزواد في الشمال المالي الحالي إلى منطقة توات في الجنوب الغربي الجزائري وصولاً إلى فزان بليبيا ثم إلى مصر فالحجاز وهو الطريق التاريخي الذي كان يمر به ركب الحاج الولاتي ليلتقي في تمبكتو بركب الحاج التكروري، ثم يصطحب الركبان وصولاً إلى بلدة أقبلي (جنوب غربي الجزائر) ليلتقيا مع الركب التواتي فتكون مشيخة الركب في شيخ الركب التواتي.
وفي الحقيقة، أننا كنا نفتقد أو نكاد إلى نص رحلة حجازية اتخذت هذا الطريق رغم ما تحدثنا به المصادر المختلفة عن أهمية هذا الطريق الحجي الذي كان ينطلق من ولاتة نحو مدينة تمبكتو لينكسر شمالاً نحو منطقة توات عبر إقليم أزواد حيث يصف مدنها وقراها العامرة كتمبكتو والمبروك وبوجبيهية معدداً مزاراتها وأضرحتها ورجالاتها الصالحين كما تتفرد الرحلة بوصف صحراء تنزروفت الموحشة، إذ تقدم لنا مادة جغرافية جزيلة حول هذه المنطقة المجهولة والتي لم يتطرق إليها الجغرافيون الأول إلا في شكل سطحي وعام، حيث تقدم وصفاً دقيقاً جداً لهذه المنطقة فيعدد منازلها واصفاً جغرافيتها وتضاريسها معدداً آبار المياه فيها عذبها ومالحها.
وعلى رغم أن الرحالة البشير البرتلي قد حرمنا من دون وجه قصد من معلومات قد تكون مهمة عن المسافة الفاصلة بين ولاتة من حيث انطلق إلى إقليم أزواد بحجة أن الطريق معروف لدى العام والخاص في زمنه، إلا أنه تحرى دقة كبيرة في وصف ما تلى هذه المرحلة من أزواد إلى توات ومن توات إلى صحراء ليبيا مروراً بقرية أقبلي ومدينة عين صالح وصولاً إلى بلاد فزان. وقدم معلومات جزيلة عن قرى فزان وأهم أعلامها وتحدث عن خصال أهلها وكرمهم واحتفائهم بالحجيج، وقدم وصفاً مهماً لمنازل طريق الحاج المصري ووصفاً لقافلة الحاج المصري، إضافة إلى اهتمامه بالمزارات في مصر، ومكة وأسواقها، وأهم معالمها ووصفه هذا الطريق يستحق دراسة خاصة مقابلة.
ورحالتنا هو الحاج البشير بن الحاج أبي بكر بن الطالب محمد بن الطالب عمر البرتلي المتوفى سنة 1214ه/ 1800م، وصفه صاحب فتح الشكور بأنه كان رحمه الله تعالى محباً للنبي صلى الله عليه وسلم، مشتاقاً، ملازماً لقراءة قصائد مدحه، ويطرب عنده غاية الطرب ويهتز له ويحبه ويكثر منه حتى سُمي عند بعض أهل التل بالمداح، خبيراً بضروب القصائد العشرينيات وتخميسها والهمزية وغير ذلك، ابن الطالب الصغير «بالصالح المداح لرسول الله صلى الله عليه وسلم».
نشأ المؤلف في أسرة علمية معروفة في ولاتة باسم البراتيل فأبوه الحاج أبو بكر بن الفقيه الطالب محمد بن الطالب عمر البرتلي المتوفى سنة 1179ه/ 1766م، كما جاء في فتح الشكور، حج المؤلف عام 1204ه/ 1790م، وله فيها تأليف ذكر فيه منازل ركب حجه من بلاد ولاتة مروراً بتوات إلى بلد الحرمين الشريفين، ولقي في رحلته العلماء والصالحين واستجاز بعضهم فأجازوه ومنهم العلامة محمد بن محمد الزبيدي الحسيني المعروف بالشريف المرتضى الذي التقاه في مصر وأجازه، توفي رحمه الله ليلة الخميس 11 رمضان سنة 1214ه الموافق فيه 6 شباط (فبراير) 1800م.
ليس ثمة أدنى شك في أن هذا المؤلف من وضع الحاج البشير بن الحاج أبي بكر بن الطالب محمد بن الطالب عمر البرتلي الولاتي، إذ جاء في مقدمة مخطوط الرحلة ما يشير إشارة مباشرة إلى ذلك، حيث قال المؤلف في مقدمة الرحلة «فيقول فقير مولاه، الراجي عفو مولاه، الغني به عمن سواه: محمد البشير بن الحاج أبي بكر بن الطالب محمد بن الطالب عمر البرتلي نسباً الولاتي داراً ومسكناً، ومنشئاً ووطناً، المالكي مذهباً الأشعري اعتقاداً، هذه رحلة مباركة أذكر فيها إن شاء الله مراحل مسافة طريق الحج من بلاد توات إلى الحرمين»، كما أشار صاحب فتح الشكور إلى أن للمؤلف «رحلة ذكر فيها مراحل الحج من بلاد توات إلى الحرمين».
لقد اقتنعنا بفائدة هذا المخطوط وأهميته من خلال أن هذه الرحلة بقيت دهراً في حكم المفقودة، وكادت تضيع، كما أنها رحلة فريدة من نوعها وفي الطريق الذي سلكته، وفي قيمتها العلمية من خلال أهميتها في دراسة التواصل الحضاري بين غرب العالم الإسلامي وشرقه بصفة عامة وبين حواضر بلاد المغرب الجنوبية وبلاد الحرمين الشريفين بصفة خاصة، وعلى إثر ذلك جاء الإصرار على تحقيق هذه النسخة رغم عدم الحصول على نسخة ثانية، لأنه عز علينا أن مخطوطاً كهذا وعلى أهميته يظل حبيس المكتبات الخاصة، كما لم يرد ذكره عند أستاذي الرحالة عبدالهادي التازي في موسوعته المهمة (رحلة الرحلات مكة في مئة رحلة مغربية ورحلة).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.